إبراهيم الملا (دبي) في سياق بدا منتمياً لفكرة التعاطي مع الزمن من جانبه الأكثر هشاشة، والأكثر قابلية للاختراق، قدم المخرجان الناصر الخمير من تونس، وغليرمو ديل تورو من المكسيك، فيلمين يعبّران بقوة عن حضور الحب والذاكرة كعنصرين أساسيين لتشكيل واقع بديل، يتسامى فوق الجراحات والخيبات التي يفرضها ظرف ما، في أمكنة وأزمنة محددة، حيث يبقى الرهان على تجاوز هذه الخيبات منوطاً بقليل من الحظ، وبالكثير من التحدّي والجرأة. عُرض الفيلمان مساء أمس الأول في النسخة 14 من مهرجان دبي السينمائي، وحمل فيلم ناصر الخمير عنوان: «همس الرمال» في عرضه العالمي الأول، ضمن مسابقة المهر العربي للأفلام الطويلة، بينما حمل فيلم ديل تورو عنوان: «شكل الماء» المعروض في برنامج (سينما العالم)، وسبق للفيلم الفوز بالجائزة الكبرى «الأسد الذهبي» في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الأخيرة 74، وهو الفيلم المرشّح للفوز بجوائز مهمة في الدورة القادمة لجوائز الأكاديمية (الأوسكار). من تونس: لذة الحيرة اشتهر المخرج ناصر الخمير بثلاثية الصحراء التي قدمها في أفلام «الهائمون»، و«طوق الحمامة المفقود»، و«بابا عزيز»، وفي فيلمه الجديد «همس الرمال» لا يتخلى الخمير عن الصحراء الدالّة على أحوال عرفانية وتأملية، مرتحلاً بنا في دروب المتصوّفة والدراويش، الذين يستحضرهم بوَلَهٍ منطوق ذلك المرشد السياحي المتخصص في ارتياد الطرق الصحراوية الوعرة يقوم بدوره الممثل هشام رستم وهو المولع أيضاً بسرد الحكايات المتخيلة وتبيان إسقاطاتها على واقع عربي مخيف ومقلق، مستعيداً كذلك محطات أثيرة، ولحظات فارقة من زمن طفولته البعيدة، وسط الأطلال التي يتوقف عندها ويجول بين شواهدها المحطمة. يبدو المرشد وكأنه يسكن في الحكاية ويستظلّ بالحكمة، ولا يرغب في الانقطاع عنهما. ولكن مشاغل حياته الأسرية وتمرّد أبنائه ومشاكلهم تعيده إلى الحاضر قليلاً، كي يستفيق من نشوة القصص، ويتحسس واقعاً ملموساً لا يمكن الفكاك منه، أو غضّ الطرف عن متطلّباته. يقود المرشد السياحي سيارته ذات الدفع الرباعي بصحبة امرأة كندية من أصول عربية الفنانة نورة صلاح الدين تأتي لتنفيذ مهمة غامضة في مكان يشتهر بصخرة بيضاء تقع وسط شلالين من المياه قرب الجبال النابتة في عمق الصحراء التونسية، لا تكشف المرأة عن سرّ هذه المهمة، إلا في الربع الأخير من زمن الفيلم، رغم إلحاح السائق عليها طوال الرحلة التي تجمعها في مناخ روحي يطارد صوراً متلاشية، ويموج بأسئلة لا إجابات عليها. يعتمد الفيلم على تكنيك سردي خاص يضع الحكاية في مستويات مركّبة، حيث يتداخل الراهن مع الماضي، والتشخيصي مع التجريدي، والحقيقي مع المجازي، فيما يشبه الواقعية المخادعة للقصص المتفرعة من أصل واحد، وهو هنا المرشد السياحي المكتنز بحكايات الراغبين في التجلّي، الهائمين أفقياً في أصقاع الأرض، والمسافرين عمودياً في ذواتهم، بحثاً عن جوهر الوجود، وعن كمال المعنى. يعالج المخرج هذا المشهد المتقاطع بين اللفظ الصوتي، وبين الصورة المتخيلة، من خلال اللعب على درجات الألوان وشكل الأزياء وإيقاع الموسيقا وسحر الغناء، حيث يأخذ الشكل المستعاد والآخر المتخيل الحصة الأكبر من زمن الفيلم، لأن البناء البصري برمته يستند على عبارة يوردها السائق عندما يقول: «الحيرة هي التي صنعت الدرويش»، هذه الحيرة بالذات ستكون العلامة الزائلة وسط متاهة مرصودة أمام السائق وأمام المرأة وأمام المتفرج أيضاً، فهي تبدو مثل سلسلة لا متناهية من الروايات المفضية إلى روايات أخرى دون الوصول إلى خاتمة تقطع خط السرد المتضخم هنا، فالهدف لا يتحقق بمجرد الوصول إلى النهاية، بل اللذة كلها إنما تكمن في مواصلة البحث عنها. وعندما تبوح المرأة بسرها تخبر السائق برغبتها في تنفيذ وصية أمها الراحلة، التي طلبت منها نشر رفاتها في بحيرة تتوسطها صخرة بيضاء بين شلالين، لكنها وقبل الوصول إلى مكانها المقصود، تفقد الصندوق المحتوي على الرفات، فتصنع من حكاية أمها وجدها بديلاً مناسباً لتعويض خيبتها، وتشير للسائق أن جدها أتى من سوريا إلى تونس إبان الاستعمار الفرنسي كي يعمل مترجماً، وعندما يموت الأب في إحدى المعارك بين الثوار والمستعمر الفرنسي، تهرب الجدة مع ابنتها ذات الثماني سنوات إلى سوريا، وهي البنت ذاتها التي تهاجر لاحقاً إلى كندا وتوصي ابنتها بنشر رفاتها كي تشارك والدها الموت، بعد عجزها عن مشاركته الحياة. من المكسيك: الخرافة المجسّدة يمكن وصف فيلم «شكل الماء» للمخرج والكاتب غيليرمو ديل تورو بأنه فيلم رؤيوي بامتياز، فهو رغم تناوله لزمن الستينيات إبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية وبين الاتحاد السوفييتي، إلا أنه يعمل في حقل مليء بالرموز الدالة على الفوضى التي يمر بها عالمنا اليوم، فوضى قوامها الحروب التجسسية الخفية، وتهميش الأقليات، واعتماد القسوة والترهيب، ومطاردة هوس السيطرة بغض النظر عن معاناة الضعفاء والأبرياء المحطمين تحت وطأة الوسائل العنيفة المترجمة لهذه السيطرة. تدور أحداث الفيلم في مختبر حكومي سري بالولايات المتحدة، حيث يعثر أحد المكتشفين العاملين بالمكان في نهر الأمازون بالبرازيل على كائن مائي غريب يتمتع بقدرات خاصة، يسعى العلماء والمشتغلون في المختبر على اكتشافها، واستثمارها في البحوث والاختراعات العسكرية، تتعاطف إحدى عاملات التنظيف مع هذا الكائن المقيّد في حوض مائي كبير، وتتعامل معه بلغة الإشارة لأنها بكماء وتعيش في عزلة مكثفة، وبالتالي تجد هذه العلاقة الغرائبية ما يشفع لها من تلاقي الأرواح بين كائنين محاصرين بالوحدة ويعملان في ذات الوقت على الخروج من سجنهما القاسي والسميك ببعديه المادي والمعنوي. وعندما تكتشف العاملة قرار القيادة العسكرية العليا بضرورة قتل الكائن وتشريحه لمعرفة مكامن القوة التي يمتلكها، تشرع في تنفيذ خطة لتهريبه بمساعدة زميلتها في العمل، بجانب مساعدة عالم متخصص يشرف على الوضع البيولوجي للكائن، ونكتشف في سياق الفيلم أنه جاسوس يعمل لحساب المخابرات الروسية، ولكنه يتعاطف مع العاملة البكماء ويسعى في ذات الوقت لإنهاء معاناة الكائن الغامض وإرجاعه إلى بيئته الطبيعية في النهر، وبعد سلسلة من المطاردات العنيفة والتصفيات الدموية والإثارة المشهدية التي يقدمها المخرج في إطار من الميتافوريا المروّضة والمعتنى بها بصرياً في الفيلم، تنجح العاملة في مهمتها رغم الرصاصة القاتلة التي تصيبها في المشهد الختامي الذي ينتهي على صورة حالمة تجمع بين الكائن الطليق في الأعماق وبين عشيقته البشرية بعد أن يعيد إليها الحياة، في إشارة مرصودة تجسد العبارة الواردة في أحد حوارات الفيلم، يقول فيه: «ما الزمن، إلاّ نهر ينبع من ماضينا».