الاتحاد

تقارير

كندا المنفتحة.. والاحتفاء بالتعددية

يمثل الحظر المشدد الذي فرضه الرئيس دونالد ترامب على السفر، انعكاساً لنموذج عالمي يتمثل في إغلاق بلدان كثيرة حول العالم كله لأبوابها. والاستثناء الوحيد الرائع هو كندا، والتي قد تكون الآن أفضل من يمثل قيم تمثال الحرية. وهذا ليس لأن زعماء كندا متنورون بشكل خاص (رغم أن بعضهم كذلك بالفعل)، ولكن أيضاً لأن الشعب الكندي نفسه مازال مضيافاً بشكل مثير للدهشة، حيث تطالب جماعات كثيرة بالمزيد من اللاجئين السوريين. وحين وافق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما على استقبال 12 ألف لاجئ سوري، ثارت الاحتجاجات وردود الفعل السلبية، بينما نجد أن كندا التي عدد سكانها أقل بكثير من الولايات المتحدة، استقبلت 40 ألف سوري.
وفي مركز يتعلم فيه اللاجئون الإنجليزية والعادات الكندية، ومنها دماثة الخلق المثيرة للضيق أحياناً، كان هناك لاجئ سوري يدعى «عمر العمر» قد أصيب بالرصاص مع بداية الصراع السوري. وعبّر «العمر» عن امتنانه لكندا، قائلاً: «شكراً كندا. إنني سعيد للغاية وأشعر بالترحيب. سعيد حقاً لأن كندا تفعل ما لا يفعله آخرون»، مشيراً إلى تقاعس الدول العربية عن دعم اللاجئين.
وأشار وزير الهجرة الكندي، أحمد حسين، إلى أن الكنديين العاديين ينتقدونه لأنه لا يستقبل عدداً كافياً من السوريين. وحسين نفسه يعد رمزاً لانفتاح المجتمع لأنه وصل لاجئاً من الصومال في السادسة عشرة من العمر، والآن يدير الوزارة التي كانت تقدم له الخدمات. وأشار حسين إلى أن البلاد تحاول العثور على طريقة لمنع الطلاب الأجانب من مغادرة البلاد بعد تخرجهم. وهذا المسار ليس فريداً، فاثنان من الأشخاص الثلاثة الذين شغلوا منصب الحاكم العام لكندا، جاؤوا إليها كلاجئين، أحدهما من هايتي، والآخر من هونج كونج. وأشارت كندا العام الماضي إلى أن لديها من السيخ في الوزارة أكثر مما في وزارة الهند.
ورغم هذا يتعين علينا أن نكون واضحين. فلدى كندا أيضاً كارهون للأجانب، حيث قُتل ستة أشخاص في مسجد في كيبك مؤخراً. والشعب الكندي ليس ألطف أو أكثر تسامحاً بالغريزة من الأوروبيين والأميركيين. وتاريخياً تبنت كندا نهج هجرة «كندا البيضاء» الذي أوغل في العنصرية والخوف من الأجانب، وفي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كان 96% من المهاجرين لكندا من أوروبا. وبيير ترودو الذي دافع حين كان رئيساً للوزراء عن التسامح، كان قد بدأ حياته كمتعصب وشارك في أعمال شغب معادية للسامية.
لكن على مدار الخمسين عاماً الماضية، غيّرت كندا من نفسها بسبب القيادة السياسية الحازمة. ويرجع الفضل في هذا جزئياً إلى ترودو الذي يشغل ابنه حالياً منصب رئيس الوزراء. وخُمس الكنديين تقريباً ممن يُوصفون بأنهم «أقليات ظاهرة»، وأغلبهم من الصينيين أو من تعود أصولهم إلى أفريقيا أو جنوب آسيا. ونسبة المسلمين في كندا تمثل ثلاثة أمثالها في أميركا. وبحلول عام 2036 يتوقع أن يكون نصف الكنديين مهاجرين أو أبناء مهاجرين. وحين سألت كنديين بيضاً عن وجهات نظرهم فيما يتعلق بهذا، بدا عليهم الاستغراب وسألوا: «وما المشكلة؟». فقد زرع الزعماء الكنديون التعددية الثقافية في الجزء المقدس من هوية البلاد، وفي الوقت الذي تغلق فيه بقية العالم أبوابها، يحتفل الكنديون بانفتاحهم. واستطلاعات الرأي تشير إلى أن عدداً أكبر من الناس يفتخر بالتعددية الثقافية أكثر من افتخارهم بالهوكي.
وسألت وزيرة الخارجية كريستيا فريلاند، وهي ابنة مهاجر أوكراني، ما إذا كان حظر ترامب على السفر يساعد كندا في اصطياد أفضل العلماء والمستثمرين، فأجابت: «هذا صحيح تماماً!». ثم استرسلت تقول: «إذا كنت شخصاً ذكياً بحق وتريد الهجرة إلى بلد رائع يرحب بك، فتعال إلى كندا. وإذا كنت مسلماً فإنه مُرحب بك جداً جداً هنا، وكذلك الأشخاص من كل دين، والملاحدة أيضاً».

*كاتب أميركي حائز جائزة بوليتزر
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا