الاتحاد

ثقافة

«المك نمر» الذهاب إلى ما وراء النص

من العرض السوداني المك نمر (الصور من المصدر)

من العرض السوداني المك نمر (الصور من المصدر)

محمد عبدالسميع (الشارقة)

ضمن ثنائية الفعل المسرحي والفلكلور الغنائي السوداني، يبرز تساؤل ملح حول من يقود الآخر فيهما، وهو التساؤل الذي يرتبط بجوهر المسرحية التي عرضتها، أمس الأول، فرقة المحمل للفنون الأدائية، لتمثل السودان في مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، للمخرج عادل حربي، وتأليف إبراهيم العبادي.
هذا التساؤل والبحث عن إجابة عنه، يمكن أن يفسر الكثير من ثيمات العمل الذي نهل من التراث والتاريخ والفلكلور الغنائي السوداني على أكثر من مستوى، بدءاً من العنوان، ثم الموسيقى والأغاني الشعبية، والأشعار واللهجة المحلية، ثم المضمون الذي يدور حول قيم وتقاليد المجتمع البدوي السوداني في الترحاب بالضيف، والكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف.
تتناول المسرحية المكتوبة شعراً، قصة حب بين الفتى «طه»، والفتاة «ريا»، وهما أبناء عمومة من قبيلة «البطاحين». وذات يوم يمر زعيم قبيلة «الشكرية» واسمه «ود دكين» بمنطقة البطاحين، ويفتن بـ «ريا» ولا يأبه لعلاقتها بـ «طه»، ويرغب في أخذها عنوة زوجة له، مستنداً إلى نفوذه وشدة بأسه، إلا أن الفتاة تهرب مع حبيبها إلى منطقة أخرى. وفي الطريق يلحق بهما «ود دكين» وينازل بالسيف الشاب «طه»، الذي يتغلب عليه ويصرعه، بعد ذلك، يلجأ الحبيبان إلى قبيلة «الجعلية» وزعيمها يدعى «المك نمر» الذي يقبل بحماية «طه» و«ريا»، ومواجهة قبيلة «ود دكين»، برغم صلة النسب التي تجمعه بقبيلة الشكرية، فزوجته «شمة» منها.
مسرحية «المك نمر» كتبت في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي وقدمت أكثر من مرة، وهي من المسرحيات الكلاسيكية التي افتتح بها أول موسم مسرحي بالسودان عام 1969، دارت أحداثها الواقعية في منطقة البطانة وهي بادية محازية للنيل ونهر عطبرة، ومنطقة شندي. وهي تعتبر مرجعاً أساسياً في التراث السوداني.
تميز العرض بقدر كبير من الشاعرية والتنوع، وحول المخرج فيه كثيراً من مفردات الحوار إلى تعبير صوتي غنائي فلكلوري لنسمع الدوباي. وقد دعم التنوع الأدائي الصوتي في الغناء والرقصات شعرية النص والفضاء السينوغرافي، أيضاً تعدد ألوان الأزياء أضفت ودعمت الفرضية الشعرية ولونت الفضاء المسرحي للعرض. وكذلك الأداء التمثيلي كان مقتصداً وبسيطاً، جمع بين الاستعراضات والدراما البسيطة.
لكن ما الذي كان يشد المتلقي أكثر، الفلكلور أو العمل المسرحي الذي توقف عند عرض لوحات راقصة مزجت بين الحوار والغناء، على الرغم من الصراع الذي دار بين زعيم قبيلة الشكرية «ود دكين» والفتاة «ريا» والفتى «طه»، وموقف «المك نمر»، والتي تخللتها تلك اللوحات الاستعراضية؟ واقع اللوحات التي سعى المخرج إلى رسمها يشير إلى انتصار الحكاية على حساب أكثر من عنصر من عناصر المسرحية. فعلى الرغم من أنه قدم مشهدية باهرة من خلال الاشتغال على عناصر السينوغرافيا، فإن تلك العناصر كانت أقرب إلى لوحات تشكيلية، رغم أنها توافقت مع حركة الممثلين والمجاميع في الفضاء الصحراوي، وهذا التوافق جاء ترجمة لرؤية المخرج الذي حاول ترجمة فكرة النص المليء بالشاعرية، بشكل جعله يذهب إلى ما وراء النص، ليكتشف الثيمات المناسبة للعب عليها، والتي وجدها في النغم والموسيقا والرقص واللوحات الغنائية، وليست الكلمات.
اللوحات الغنائية كانت أهم العناصر الجمالية في العرض. سواء من خلال الأصوات الجميلة للمؤدين، أو الرقصات الاستعراضية. والتي ساهمت في استدراج الجمهور لأجواء المحتوى الدرامي. أيضاً تعامل المخرج مع المكان المفتوح، عبر الإضاءة وبساطة الديكور واختيار مفرداته (الإبل والأكواخ والحيوانات والأدوات الأخرى المصنوعة من سعف النخيل) وتوظيفها في أجواء الحكاية أسهم في إدخال الجمهور في أجواء المحتوى الدرامي. ما يعني أننا بصدد حالة من التواصل، ولكن ليس بسبب الفعل المسرحي.

اقرأ أيضا

«خورفكان المسرحي» 24 الجاري