صحيفة الاتحاد

ألوان

«أبو الغناء الخليجي»... انتهى المشوار

تامر عبد الحميد (أبوظبي)

بعد صراع طويل مع المرض، توفي مساء أمس الفنان السعودي أبوبكر سالم عن عمر يناهز 78 عاماً، والذي تربع على عرش الغناء الخليجي قرابة الستين عاماً، وبعدما انتشر خبر وفاته، تحولت مواقع التواصل إلى ساحة من العزاء، ينعى فيها أهل الفن والإعلام رحيل القامة الفنية الكبيرة، معبرين عن حزنهم وألمهم لفقدان زميلهم وأستاذهم الكبير.
وعبر حساباتهم الشخصية في «تويتر» و«إنستغرام»، كتب العديد من نجوم الفن كلمات يرثون فيها أبوبكر، حيث قالت هدى حسين: «انتهى المشوار وما تلامسنا الكفوف، رحمك الله يا أسطورة». فيما قالت الفنانة الإماراتية سميرة أحمد: «رحلت ورحل معك الفن والذوق الأصيل». ودونت هيفاء حسين: «أعشق صوته وفنه، العملاق رحل، لكنه ترك لنا تاريخاً وفناً أصيلاً وراقياً، أتمنى من الجيل الجديد أن يقتدي به دائماً، فكان حقاً اسماً على مسمى (أبو الأصيل)». وقالت الفنانة أصالة: «كان كريماً طيباً رحوماً، وأكثرنا تلاميذه».
عرش الغناء
قرابة الستين عاماً، تربع الفنان أبوبكر سالم بلفقيه عرش الغناء، حيث تملك بصوته وأدائه قلوب الملايين، ولا يزال حتى اللحظة يحتفظ بجمهور هو الأعرض على المستوى العربي والخليجي، لقب بـ «أبو الغناء الخليجي»، نظراً لأنه يعتبر من الفنانين القلائل الذين استطاعوا أن يجمعوا بين أكثر من مجال فني في آن واحد، حيث احترف الغناء والتلحين والتأليف، وكذلك التوزيع الموسيقي، وكل هذا لم يأتِ من فراغ، إنما كان لأبوبكر سالم ثقافة ودراية فنية واسعة أهلته لأن يكون أحد عمالقة الفن الخليجي.
حنجرته الذهبية وأداؤه المميز والصادق وإحساسه المرهف، صفات تجمعت في أبوبكر سالم، لتجعل منه فناناً شاملاً في صناعة الأغنية، من حيث الكلمة والأداء واللحن، إلى جانب قدرته الإبداعية على تغيير درجات صوته وكأنه آلة موسيقية.
تميز أبوبكر سالم بثقافة عالية، انعكست بشكل كبير على مسيرته الفنية الطويلة، حيث تميز بعذوبة صوته، وتعدد طبقاته، وبقدرته على استبطان النص وجدانياً بأبعاده المختلفة، فرحاً وحزناً، كما عرف بقدرته على أداء الألوان الغنائية المختلفة، فإلى جانب إجادته للأغنيتين الحضرمية والعدنية، أجاد الغناء الصنعاني الذي بدأ يمارسه منذ بداياته الفنية، وقدم أكثر من 10 أغانٍ، أبرزها «قال المعنى لمه» و«مسكين ياناس» و«ياليل هل أشكو» و«بات ساجي الطرف» و«أحبة ربى صنعاء» و«رسولي قوم» و«مجروح»، بالإضافة إلى غنائه العديد من القصائد الفصيحة.
تجربته الشخصية
حقق أبوبكر سالم في مسيرته الغنائية نجاحاً كبيراً على مستوى الجزيرة العربية والوطن العربي، وانتشرت أغانيه من المحيط إلى الخليج منذ بداية مشواره الفني، إذ ظل متواصلاً مع جمهوره بصفة مستمرة عبر الحفلات الغنائية التي أحياها في مهرجانات الأغنية العربية المتعددة، وألبوماته الغنائية التي ظل على إنتاجها.
أدى عدد كبير من نجوم الغناء في الوطني العربي، أغاني القامة الفنية مثل وليد توفيق وراغب علامة وطلال مداح وعبدالله رويشد، بالإضافة إلى كتابته وتلحينه لبعض الأغاني لكبار الفنانين مثل الراحلة وردة الجزائرية، واشتهرت أغانيه بالحكمة والموعظة.
نقل «أبو أصيل» تجربته الشخصية وترجمها إلى جمهوره من خلال أغانيه التي حملت الطابع الأخلاقي والاجتماعي والهموم التي يعاني منها المغترب عن وطنه لأنه عاش مغترباً عن وطنه الأم «اليمن»، وبحكم نشأته في بيئة دينية محافظة وأسرة مثقفة، دعمه أبوبكر بن شهاب، هو من كبار الشعراء، وقدم له أغنيات متميزة من بينها: «فرصة من العمر» و«الله لطيف الله».
نشأته
ولد أبوبكر بن سالم بلفقيه في 17 مارس عام 1939 بمدينة تريم في حضر موت، ونشأ في أسرة عريقة عرفت بالذكاء، واشتهرت بالعلم والأدب، إذ أن غالبية أفرادها شعراء، درس بمدرسة الأخوة في تريم وتعلم على يد عدد من أقاربه القرآن الكريم ومبادئ العلوم، ثم عمل مدرساً لمادة اللغة العربية في مدينة تريم، ثم في مدينة عدن، ثم اتجه نحو الغناء والطرب، وتميز بجمال صوته في فترة مبكرة من عمره، فكان يؤذن ويردد تكبيرات العيدين في بعض مساجد مدينة تريم، وكان يشارك بعض أعمامه في إنشاد بعض الموشحات الدينية في عدد من الحفلات.
سمي أبوبكر سالم تيمناً بجده العلامة أبوبكر بن شهاب، أبرز علماء حضرموت، وعاش أبوبكر طفولته يتيماً حيث توفي والده وهو ابن ثمانية أشهر، واحتضنه جده الشيخ زين بن حسن، تلقى أبوبكر تعليمه على يد أكبر علماء حضرموت وأتم دراسته في علوم الفقه والدين وهو في سن الثالثة عشرة، وأظهر تفوقاً ملحوظاً في علوم اللغة العربية والشعر، وظهرت مواهبه الفنية منذ صباه.
في مقتبل شبابه، غادر أبوبكر، تريم واستقر في مدينة عدن في عهد الخمسينيات، وهناك تعرف بالكثير من شعرائها وفنانيها وإعلامييها، أمثال الشاعر لطفي جعفر أمان، وأحمد بن أحمد قاسم ومحمد مرشد ناجي، وقدم أبوبكر نفسه على الصعيد الفني من خلال الحفلات الموسمية التي كانت تقام في عدن، وحقق نجاحاً باهراً، ليفتح له الحظ أبوابه وتعرض حفلاته مسجلة ومباشرة في تلفزيون عدن.
كانت من أوائل أغانيه «ياورد ماحلى جمالك» من كلماته وألحانه وسجلها في إذاعة عدن عام 1956، والتي غناها بعد ذلك الفنان السعودي الكبير طلال مداح، وفي عام 1958 غادر إلى بيروت، وكانت إقامته شبه مستقرة هناك في حي الروشة، وسجلت معظم أعماله الفنية في تلك الحقبة هناك، واستطاع من بيروت أن يوسع انتشاره إلى جميع أنحاء الوطن العربي، إلا أنه غادر بيروت في عام 1975 بسبب الحرب الأهلية هناك، وعاد إلى وطنه واستقر في عدن مدة قصيرة، غادرها ليستقر بعدها في مدينة جدة.

من المحلي إلى العربي
وخرج أبوبكر سالم في أعماله الفنية عن الإطار المحلي إلى الإطار العربي حينما سافر إلى مدينة بيروت وسجل عدداً من أغانيه الجديدة، وأعاد تسجيل عدد من أغانيه الذي سبق وأن سجلها لإذاعة عدن، وشارك في عدد من الحفلات في دول الخليج العربي، ومن أشهر أغانيه التي ظهرت في هذه الفترة «24 ساعة» التي نال عليها الكاسيت الذهبي من إحدى شركات التوزيع الألمانية لتوزيعها أكثر من مليون نسخة من هذه الأغنية، وغنى له في هذه الفترة عدد من المطربين اللبنانيين، ومن أشهر أغانيه في هذه الفترة «كل شي إلا فراقك ياعدن»، و«ياطائرة طيري على بندر عدن»، ثم انتقل إلى الكويت، فعاش فيها مدة، وانتقل بعدها إلى مدينة الرياض واستقر هناك، وحصل على الجنسية السعودية، وغنى للسعودية عدداً من الأغاني مثل «يامسافر على الطائف»، و«إلا معك في الرياض»، و«برج الرياض»، و«يابلادي واصلي».
وتربع أبوبكر على عرش الغناء أكثر من أربعة عقود من الزمن، وعلى مدى خمسين عاماً شكل أبوبكر سالم ثنائياً مميزاً مع الشاعر الراحل حسين المحضار، والذي كان أعذب ما يكتبه يغنيه أبوبكر الذي تألق هو الآخر وأبدع في غنائها.

جوائز
حصل الفنان أبوبكر سالم خلال مسيرته الفنية على العديد من الأوسمة والجوائز الفنية، من بينها: الأسطوانة الذهبية من أثينا من شركة الإنتاج اليونانية لمبيع أكثر من 4 ملايين نسخة من ألبوم «أمتى أنا أشوفك» عام 1968، وجائزة أفضل صوت في العالم من اليونيسكو عن أغنية «أقول إيه» عام 1978، وجائزة أفضل أداء في مهرجان «أبها» عام 1999، جائزة أوسكار للأغنية العربية عام 2002، من جامعة الدول العربية في شرم الشيخ بعد مرور 50 سنة من العطاء الفني، وجائزة منظمة اليونيسكو كثاني أحسن صوت في العالم، ووسام الثقافة عام 2003، ومنحته جامعة حضرموت درجة الدكتوراه الفخرية عام 2003، وكان مهرجان «هلا فبراير» في الكويت آخر من يحتفي بأبوبكر سالم، حيث تم تسليمه شهادة تكريم وتقدير عن مشاركته بالمهرجان عام 2009.
حياته الشخصية
تزوج أبوبكر عندما كان في مدينة عدن من بيت آل عرفان ببنت الشيخ الجليل عمر بن محمد عرفان، وأنجب ابنه أديب وابنتين هما أنغام وألحان، كما تزوج أبوبكر أيضاً عندما استقر في السعودية من بيت آل العطاس وأنجب أصيل وأحمد وأليف.

أناشيد دينية
تميز أبوبكر سالم بأدائه عدداً من الأناشيد الدينية المتميزة، من أبرزها: «ياساكنين طيبة» و«إلى طيبة»، و«بانقرع الباب»، و«إلهي في الفلاة دعاك عبد»، و«يارب ياعالم الحال».


«العملاق» و«السندباد»
شارك أبوبكر سالم الغناء بطريقة الدويتو مع مجموعة من أشهر نجوم الغناء في دول الخليج، وكانت آخر أغنية قدمها بطريقة الدويتو مع الفنان راشد الماجد، وحملت عنوان «أحياناً أفكر»، من أشعار سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم «فزاع»، وألحان فايز السعيد، وشهد العمل الغنائي أروع أنواع الإبداع في الأداء، فقد شهد تناغماً وانسجاماً كبيرين بين «العملاق» أبوبكر و«السندباد» راشد الماجد، ترجما من خلاله أعذب الكلمات المتناغمة باللحن والتوزيع المختلف، وتم تسجيل الأغنية أيضاً بين الثنائي بطريقة الجلسة.


دروب مغلقة
«دروب مغلقة» هو آخر ألبومات الفنان أبوبكر سالم الذي صدر في نهاية عام 2010، مع شركة «روتانا» للصوتيات والمرئيات، تكون الألبوم من 8 أغنيات، تعاون فيها مع مجموعة من أبرز الشعراء والملحنين، من بينها: «أحب الفراق» و«لاقد صفالي» و«ذاب» و«رغم الجفا»، ويعتبر هذا الألبوم هو التعاون الثاني لأبوبكر سالم مع «روتانا» بعد ألبومه الأول «احتفل بالجرح»، والذي طرح قبل «دروب مغلقة» بـ 3 سنوات.