الملحق الثقافي

الاتحاد

وطني... وضمة الياسمين

بدا ناصر كملاك ناصع الطهر والنقاء، سحنته تجذب الألباب، دموعه المحمومة تسقط بوهده الخشوع المغروس في صدره كأنها لا تود مغادرته.
كنت أقبض بكلتا يديّ على الكيس الذي كان بحوزته قبل القصف، كلما كانت أنفاسـه تضيق بين أضلعه، ازدادت قبضة يديّ على الكيس. لساني عاجز عن البوح بـ الآه، بينما صوته المودع يوحي لي بألف حرف وحرف يشكو الظلم، يبكي الجراح ويرجو الرحوم، رفع الشهادة ونطق “لا إله إلا الله محمد رسول الله” ثم أغمض عينيه وتوقف القلب عن الخفقان.
هزتني الأفراح “أخوك شهيـد” تعالت من فم الشيخ وهو يلفه بالعلم. هزتني قبل أن أضمه لصدري وأشم ياسمينه، ترقرقت الدموع وتسربلت أشواقي بدثاره الأبيض والعلم عند لفه بالكفن.
رجال كثر وقفوا بانتظام تزاحمت به الحدود “الله أكبر! الله أكبر” حملوا الأعلام ورفعوه على الأكتاف وبدأوا يتقدمون. أصوات الآذان تسكن الصدور تمتزج مع تهاليل النسوة وصياح الأطفال، بعضهم مذعور وبعضهم يبحث عمن فقد من أهله على درب المسير الطويل، وتخطت فرحة الشهيد السماء الملتهبة بالقصف، رجفة العُزل تحت سدره الزمن، وطن يصرخ انتهكوا ستره. امتزجت مع آخرين خرجوا من أمن البيوت للشوارع والساحات.. انتفضوا.. صرخوا مطالبين بالحرية وإسقاط النظام، أبرياء لا يعرفون أننا في زمن فيه السلاح فوق الرقاب، فيه الحياة رجوا للأتقياء.
وقفنا بالقرب من مدرسة هُدمـت بفعل القصف، قال الشيخ لنا: هنا سنقيم صلاة للشهيد، فقد بدا الطريق للمقبرة أطول مما كان! والتقدم كالزحف نحو المعركة. وقفنـا... صلينا والريح تخنقنا بالبارود تنفخ صدورنا وتغشي عيوننا. بعد الصلاة حملت الكيس الذي كان بحوزتي، وقد كان أنين الجرح يلهب مهجتي.. ولذا كان الشوق الجم لضم الياسمين.. بدأت أتخبط بأجسادهم المنتفضة حتى انطلقت نحو الحدود، حاولوا إيقافي، تضميد أغوار الألم لبيت دافئ يضمني إلى أم أُقبل رأسها.. إلى أب يربت على كتفي.. إلى أخ يصلي بقربي.. إلى وطن اليوم يطمروه بشلال الدم والرصاص. فكيف بيّ أن أقف حيث أنا! والأرض من تحت أقدامي تستغيث، تدمي القلب الحزين ذاك الذي يقضمه الظلام يا عرب يا مسلمين... لم يوقفوني ولم أتوقف.
اخترقت السياج الذي زاد من فتق الجروح على الجسد، وقفت أمام دباباتهم.. شحذوا ذخيرتهم.. بينما شددت حبالي للسماء.. أخذت الدبابات الضخمة التحلق حولي كلما تقدمت باتجاهي ازدادت زمجرتي وأنيني. في هاوية سحيقة، والليل المسكن للنور أشعلتَ الفتيل ودفعت بجسدي بقوة أمامهم ضممتُ الحديد... وضمني الياسمين وصدر ناصر.

اقرأ أيضا