الملحق الثقافي

الاتحاد

شيء أحمر، أو ما يشبه كوب ماء كبير

أحمد مبارك آدم *

تفجَّر عويل مزق حنجرة الصمت. فار الهلع كما زَبَد الماء على الوُجوه. كانتِ الحناجر تُنَاول الصِراخ إلى الآذان مناولة؛ صرخات تبدأ خفيضة تنبعث من بيوت طينية تتهدم... لسوء حظ أبي أنه عاد الليلة من الخلاء.. لم يكن الظرف يسنح بشماتة؛ فقد انتصب جارنا «آدماي» واقفاً داخل نامُوسيته؛ عند انهيار حائط بين منزلينا. وفي اللحظة ذاتها بصقت «شوكيت» نَفَسَهَا الأخير تحت الماء..
كان بول الأحباش ـ هكذا تظن جَدتي ـ يتجول منساباً في شوارع المدينة كلها في آنٍ واحد.. إذ لم تلبث الضفة الغربية ـ خاصة ـ حتى ذابت بيوتها، تماماً، مثل بسكويت حوانيتنا الرديء!
مبلل أتهادى على كتف أبي، مُحَاولاً إنقاذ ما أمكن: حقيبتي المدرسية، وبعض لعب بئيسة أشْتَاقُهَا، الآن، لكن تَهدُّمُ بيتنا كان الأسرع.
تحطم كل شيء.. غصت الأحياء بالناس والأشياء: مسنون عجزة، أطفال وثلاجات خربة، أثاثات متآكلة تطفو جنباً إلى ذواتٍ تحتضر..
تبعثر تفكير رجالات الأحياء، لكنهم اتفقوا على توزيع المهام: فرق إنقاذ تغطي غياب «نَاس الدفاع المدني ـ كما ينعتُونهم»، آخرون يقيمون سُدوداً صغيرة تَحُولُ دون إلتهامه ما تبقى من يابسة.. و فرقة أخيرة تتزعمها «عَشَّة كِتِر» توجهت إلى ذات ثغرة الغرق السالف.. والتي يحتمل أن نفس السنجاب الخرافي قد عاد هذا العام بحقدٍ أكبر؛ فالتهم الجسر الحجري!
المُهِمْ: أعاد الغرق للناس طقساً يسمى: النَّفِير. كانت عشَّة كِتِر تستنهض الرجال وتداعب زوجها: «القَدَّة لَو مَا اتسدت تَاني مَافي..».
تطوَّع أبي وأسس لسد بشري. تداعى النساء والرجال واستلقوا على الماء؛ ريثما تعبأُ الجوالات بالتراب...
استيقظَت المدينة. كان صباحاً بائساً انحسر فيه مد الماء. شُحُوب مفزع يرتسم على أصغر الأشياء... نساء يثكُلْنَ فَقدهِن.. انتشلت فرقة الإنقاذ حصيلة مُقَدَّرَة من الموتى. فاض مشفى المدينة القذر بالناجين... تزحزح قدامى الموتى في «أبُودِقِن» مفسحين للقادمين الجدد. كانت المدينة سرادقاً يسع الجميع ذرف الدموع.
هناك.. تحت أنقاض بيتنا ترقد ذكرياتي.. لُعَبي وحقيبتي المدرسية. ولما جفت الشوارع، قليلاً، غافلت أبي متسللاً العراء. بدت سارية العلم أكثر بُؤسَاً وانحناءً. في سريرتي وددتُ لو أن السيد المدير كان بالداخل ـ صُحْبَة سِتْ تَمَاضُر ـ حيث إندكاك مكتبه الفخيم. كنتُ حائراً تُطَوِّق عُنُقِي حبال المجهول.. شُلَّ تفكيري شملتني أثمال حَسرة مُخيفة، تشوشت صورة الطبيب في مخيلتي؛ إذ ليس لأحد عصا موسى حتى يزيل هذا العبث.. تبخر حلمي «بالدكترة».
أثناء انغماسي في طين المجهول سمعتُ ما يشبه الهدير. خُيِلَ لي أنه صراخ أستاذ «بليله» ينبعث من تحت الأنقاض. ارتجفتُ قليلاً اتلفت. كنت أشعرُ اهتزاز الأرض وألحظ ارتجاف الماء، وكلما اقترب الصوت زادت حِدَّة توتري. لكن غلبني خوفي فركضتُ مذعوراً أتلفت. وخُيِلَ لي أن إرادة خفية تُوَجِهُ ركضي جِهة مصدر الهدير.. كان يقترب أكثر فأكثر.. وحينها كانت صرخاتي قد تجاوزت المدينة؛ فأتى أهلي يَستجلون الأمر؟
ثمة سيارة بيضاء في المقدمة على رأسها شيء أحمر يشبه كوب ماء كبير، تمخر الوحل.
كانت تصدر صفيراً متناغماً تزامناً مع دوران الشيء.. وها أنا أفض ـ الآن فقط ـ كَنه ابتسام أبي الذي سرت عَدْوَاهُ في الجميع.. هتف البعض، آخرون انتحبوا، وبعضهم لم أفهم طرائقهم في التعبير!
كان الركب يتألف من سيارات صغيرة بيضاء ذات شكل واحد. ولولا إختلاف لون العلامة الموحدة للسيارات، كنا سنظن بأنها بعثة فريق الهلال. لكن هنا لونه أحمر. في الخلف اصطف رتل شاحنات عملاقة محملة بمُؤن.. أناسٌ ذوي قمصان بيضاء طويلة (ظهور أطباء بينهم أعادني مربع اليأس) بدأوا يترجلون. تفقدونا فرداً فرداً.. أطعمونا ومنحونا الدواء... نصبوا لنا خياماً واسعة ودافئة مثل الملابس تماماً. بدأ الناس الإعتياد على الحياة الجديدة؛ حتى أن عَشَّة كِتِر علقت: «لَو عارفين كُنا قَدّينَاها زمان...».
دبت حركة دؤوب وتضخمت شرايين المدينة بالدم. في زمن وجيز شيدوا لنا منازل من الطوب الأحمر والحجر، وكانت ذات نسق واحدٍ جميل. وقد صُممت بحيث تبدو صورة مكبرة للعلامة الحمراء. كانت عَشَّة كِتِر راضية تمام الرضا أن وظيفتها بالمشفى الحديث. في صبيحة يوم سبت.. استيقظت على جرس التنبيه نشطاً خفيفاً. حرصت على الجلوس في مكاني ذاته داخل حجرة الدراسة؛ لذا كنتُ أول تلميذ يلج المدرسة ذات الجدران الناعمة. وقبل أن يقرع جرس الصباح بدقائق.. شَرَّفّنَا «نَاس المُنظمة» صُحْبَة «خواجيتين» تحدثتا قليلاً ثم «فَسَّر» لنا مدير المدرسة (الذي نَصَّب سِتْ تَماضُر وكيلة له) ما قالتاه.. بعدها سحبنا، جميعنا، العلم ذي العلامة الحمراء، جنباً إلى علم المدرسة المتأنق.
الآن فقط، عندما أضع جهاز الكشف على صدر طفلة في أقاصي الغرب؛ وألمح أمها تبسم تحت أزيز المروحيات المفخخة ودوي القنابل العنقودية، أكون قد فضضتُ كنه إبتسامة أبي الغامضة، في عام الغرق!

* قاص سوداني

اقرأ أيضا