الملحق الثقافي

الاتحاد

حسرات غير مكبوتة

أبحرت المسرحية الاجتماعية الساخرة “الطايح.. رايح” في هموم المواطن الأردني من خلال موظف يصارع من أجل الوفاء بمتطلبات أسرته، ويغرق في مطالب ابنته التي تريد الذهاب إلى البحر الميت مع زميلاتها في رحلة مدرسية، وابنه الطالب الجامعي الذي يريد مسايرة زملائه مصروفا وملابس وضيافة ومتطلبات دراسته من كتب وملابس ونفقات أخرى، والزوجة التي تريد مسايرة جارتها.
هذه القضية ليست بطبيعة الحال أردنية، بل هي مشكلة جميع الأسر العربية وخاصة دول المشرق العربي، حيث تكافح الأسر من أجل لقمة العيش وسد احتياجات الأبناء المتزايدة مع ارتفاع حمى الأسعار وانخفاض دخل معيل الأسرة.

تقارن المسرحية التي قدمتها فرقة سحاب للفنون والمسرح الواعد بإمكانات فنية متواضعة، على مدى ما يقارب الساعة والنصف، بالكوميديا الناقدة بين حياة الأمس واليوم من حيث القوة الشرائية للدينار وتوزيع الراتب الشهري بين أجرة البيت وفاتورة الكهرباء والمياه والجمعية، وهذا غالبا ما تلجأ له الأسر الأردنية المستورة حتى لا ينكشف الحال الصعب وضنك الحياة أمام للآخرين.
بطل المسرحية ومؤلفها فهد الهوادي جسد باقتدار شخصية أب لا يكفيه راتبه وكل ما بقي من 400 دينار هو 32 دينارا حتى آخر الشهر، يقول: “افهموا ياناس ما في معي مصاري”، وأثبت أنه المايسترو الذي يتحرك على الخشبة بخطوة الواثق المقتدر المبدع.. صاحب القيم والمبادئ في سهره على راحة أسرته ورعايته لوالده الكهل دون شكوى أو تذمر.

انهيار القيم
ومع تسلسل الأحداث تنهار القيم تحت ضغط الحاجة ومطالب الأسرة “بدنا نعيش زي غيرنا”، ومطالب الأب العجوز الذي يطلب بإلحاح الحبة الزرقاء “الفياغرا” رغم أن زوجته متوفاة وعلى اعتبار ما سيكون، والزوجة التي تنظر لجارتها “أم زكي” التي تزيّن يديها بما يبهج العيون من الذهب والمجوهرات وهي لا تملك شيئا وترى في جارتها نموذجا للمرأة العصرية.
الحوار بين الزوجة التي تقارن أوضاعها بأوضاع جارتها الثرية، بغض النظر عن مصدر الثراء ـ وهذه ظاهرة تكاد تكون عامة في المجتمع الأردني ـ وتريد أن تكون بمستواها بل أحسن منها دون النظر للإمكانيات والموارد المتوفرة، والزوج الذي يكد لإطعام أبنائه “لقمة حلال” كان ساخنا، وخاصة عندما أخبرها بحرقة الموجوع أن: “أبو زكي” حرامي ومرتشي.. يطعم عياله مال حرام.. شو رأيك أطعمي ولادي حرام؟”.

حكاية الكوسا
المشاكل تزداد وتتعقد عندما تعود شقيقة الزوج المكافح إلى البيت مطلقة، وآثار الضرب ظاهرة على محياها، لسبب بسيط وساذج جدا “علشان الكوسا ـ كما تقول ـ حفرت الكوسا وبلشت أحشي كلمة مني وكلمة منه.. طلقني”.
لكن الشقيق “فهد الهوادي” ليس ساذجا ولديه من الخبرة والتجربة ما يكفي، فيقول لشقيقته: “لا تاكلي بعقلي كوسا”، وهذه تعاكس المقولة الشعبية القائلة: “لا تاكلي بعقلي حلاوة”، فتعترف الشقيقة لشقيقها بأن زوجها طلقها لأنها معارضة مع شباب الحراك، تقول: “جبت كل شباب الحراك طحنوه وضربوه”.
المشهد يحمل في طياته إشارة لبطلي المسلسل التركي “مهند ونور” أو المكسيكي “كساندرا” الذي فجر الكثير من العلاقات الأسرية، فالزوجة تتعلق بمهند والزوج يتعاطف أو يميل لنور، لكن التنويه هنا يحمل في طياته إشارات سلبية لشباب الحراك المطالبين بالعدالة والحرية والكرامة: “أربعة حجابين علشان نجوزك.. لماذا تذهبين إلى الحراك.. لا أعرف.. بكرة الجهات الأمنية يطلبوك”.

الفلوس تغير النفوس
وأثناء حيرته وتردده يأتي للزوج صوت ناعب: “الجوع لا يعرف القيم”، “مرتك من خمس سنين لم تلبس مثل الأوادم”، “الحياة مرة واحدة”.. فيسقط وتسقط معه حزمة القيم التي أمتشقها طيلة حياته، ويخلعها كما البنطال القديم، فأصبح مرتشيا ويتغير الحال: “يلعن أيام الفقر”.
هنا تثار قضية اجتماعية خطيرة وحساسة مفادها لماذا يربط الثراء بالرشوة؟ أو على الأصح: لماذا تنعدم وسائل الغنى إلا بالرشوة والسرقة والسمسرة؟ أليس من الأفضل أن يضاعف الإنسان جهوده ويستنفر قدراته الكامنة لتغيير الوضع الصعب إلى وضع أفضل؟
يقولون أن “الفلوس تغير النفوس” وهذا ينطبق تماما على عائلة فهد الهوادي، فقد تغير حالها تماما بعد أن أصبح مرتشيا وسمسارا، فالزوجة غيرت لباسها وطريقة كلامها وحتى لكنتها، لدرجة أن ابنها لم يتعرف عليها، وأصبحت عضوا في جمعيات خيرية تدخن السجائر الأجنبية وتتحدث ساعات بالتليفون الخلوي، كذلك غيرت اسمها إلى “مدام زوزو”، فيما صار الأولاد ـ كما جاء في المسرحية ـ “طنطات” ينظمون حفلات خاصة ويغنون “الهيب هوب” ويعزفون الموسيقى الغربية. “ما بعرفها لاقيتها على المصعد فقلت لها تيجي معي فجاءت”، عندما سأل الجد عن الفتاة التي برفقة الحفيد.
تسلسل الأحداث يعيد إلى الأذهان مقولة شعبية كانت تطلق في وجه الذين نسوا ماضيهم وعاداتهم وقيمهم: “يرحم أبوك كان يغمس الأيس كريم بالخبز”، لكنها جاءت هنا بطريقة أكثر ارتباطا بالواقع: “يرحم أبوك كان يتهاوش مع الحمار على قشر البطيخ”.
كما تبين أن السرقة ليس طبعا بل تطبعا “الشريف لا يخلق حرامي” وفق مضمون المسرحية، فعندما انكشف الزوج المرتشي أمام دائرة مكافحة الفساد كان رده الذي وجهه لأسرته “أنا مش حرامي.. أنا مش سرّاق.. عملت هيك علشان تعيشوا.. يا ريت بقيت فقير”، فيما اكتفت زوجته عندما اقتيد إلى السجن بالقول: “ياحسرة عليك يا سليمان”.

غياب ثقافي
المسرحية تشير إلى غياب الثقافة وراعيها، فالشاب يجيد عزف الموسيقى الغربية لكنه لا يعرف المطرب الأردني عبده موسى، وتنتقد مجموعة الحيتان في المجتمع “أولاد الحرام طلعوا على أكتافنا ما عرفوا تراب الوطن” مستحضرا للذاكرة شخصيات أردنية رحلت مثل هزاع المجالي وحابس المجالي ووصفي التل الذين أعطوا الثقافة جلّ اهتمامهم: “المسؤول كان زمان عنده هم ثقافي”.
أما الفنان غالب الزيود فقد حاول جاهدا استنساخ شخصية حسين طبيشات “العم غافل”، لكنه لم يستطع تجسيد تلك الشخصية المعقدة التي تجمع بين الطيبة والسذاجة فقد ارتجل من خلال حركاته بطريقة كلامه وقفشاته، لكنه من وجهة نظري كان بعيدا عن العم غافل تماما.
مسرحية “الطايح.. رايح” وهي من إخراج سمر خالدو انتهت برسالة مباشرة للحرامية واللصوص والفاسدين أن الوطن ليس قطعة كيك وعلينا واجب الحفاظ عليه.
بقيت الإشارة إلى أن المسرحية ربما تكون أول عمل يقدم في أطراف العاصمة عمان ـ شرق عمان ـ فالنشاط المسرحي يتركز عادة في المركز، وهذا الفضل يعود لجمعية الآمال الواعدة في سحاب التي تقدم خدمات اجتماعية وصحية لـ 23 الف مواطن بالمنطقة.

اقرأ أيضا