الملحق الثقافي

الاتحاد

عجلة العلم النارية

من دون شك، أن الإنسان يتوجه نحو التعلم والدراسة وهو محمل بعدة دوافع ورغبات يريد أن يحققها، وهو لن يستطيع أن ينجزها دون المعرفة، وهي المرادف الدائم للعلم، فالمعرفة هي المفتاح الذي بواسطته نستطيع الدخول للإنجازات وتحقيق الغايات والطموحات.
فلو استعرضنا تاريخ الإنسان منذ عصور سحيقة وحتى اليوم، لوجدنا تشابها في الاهتمام والتوجه نحو العلم، وإن اختلفت الظروف والطبيعة، إلا أن الدافع ظل قائما وموجودا على مدى العصور. بمعنى أن السعي البشري نحو العلم وتسخيره لخدمته لم يكن عفويا أو برغبة ذاتية غير مدفوعة بأي أسباب، إطلاقا.. بل على العكس تماما، فإن توجه الإنسان منذ الأزل نحو التعلم كان محور الحاجة لإتقان بعض الأساليب التي تساعده على حماية نفسه وتوفير الغذاء. وفي تلك الحقبة كانت عملية التعلم بدائية لكنها موجودة في عدة صور وأنماط. على سبيل المثال: كيفية الصيد، وعمل الفخاخ للفرائس، وكيفية صنع الأقواس وأسلحة الدفاع عن النفس.

ولعل الإنسان البدائي توصل لتحقيق تلك الأدوات والوسائل بواسطة الطريقة التي تعرف في علم النفس التربوي بنظرية “التعلم عن طريق المحاولة والخطأ”. والمقصود هنا، هو أن الإنسان ـ في ذلك العصر القديم ـ قد اكتشف الكثير من الأدوات التي تساعده في الصيد ونحوه، بمحاولاته المستمرة وبتكرار الأخطاء وعمله على تلافيها، حتى وصل إلى نتائج ايجابية. ولقد امتلك الإنسان بهذه الطريقة في التعلم ـ أي المحاولة والخطأ ـ ما يعتبر في عصرنا الحالي من البديهيات، مثل اكتشاف النار أو العجلة. إذ مرت كل واحدة منهما بعدة مراحل، وكل مرحلة كانت الإنسانية تقضي فيها سنوات طويلة قبل تطويرها للأفضل.

أصل النار
وكما هو معروف فإن العلماء يرجعون اكتشاف النار إلى أكثر من 500 ألف سنة قبل الميلاد، وتعددت وجهات نظرهم في كيفية اكتشاف النار، فالبعض يقول إن الإنسان البدائي لاحظ أنه عندما يسير في الليل وهو يدوس على الحجارة أن بعضها يتطاير ويصطدم بحجارة أخرى فتتولد شرارة، واستنتج أنه عندما يتم ضرب حجرين يمكن إحداث الشرارة، ومع مرور الزمن وضع يده بواسطة هذه الطريقة على النار. البعض الآخر من العلماء يقول أن هذا الاكتشاف جاء بعد أن لاحظ الإنسان في ذلك الزمن السحيق النار وهي تشتعل في الغابات بفعل البراكين أو الصواعق، فتشجع وبدأ في أخذ بعض أغصان الأشجار المشتعلة وتعلم كيف يحافظ على استمرار اشتعالها. ومن ثم لاحظ أن الحيوانات المفترسة تخاف من النار، عندها استخدمها كوسيلة حماية. ويعتقد بعض العلماء أن عملية استخدام النار في الطهي قد بدأت بالمصادفة أيضا، حيث كانت رائحة الحيوانات كالغزال والأرانب وغيرها شهية بعد أن شوتها النار في الغابات، وبعد تذوق الإنسان البدائي طعمها وجد أن اللحم قد بات أكثر ليونة وأسهل في المضغ، عندها تعلم طهي الفرائس التي يصيدها، وبدأ يطور في الوسائل والطرق. واستمر الأمر على هذا النحو، حتى أخذ الإنسان يستخدم النار في صهر المعادن، وتنظيف الجلود بواسطة تسخينها، وأيضا استخدامها في الإضاءة.
أما العجلة فيعتبر بعض العلماء أن اكتشافها يبقى لغزا رغم أهمية هذا الاكتشاف في مسيرة الإنسانية بأسرها، ويرجع علماء الآثار أن عمر العجلة يعود إلى ما قبل 8000 عام قبل الميلاد، إلا أن أقدم عجلة معروفة اليوم تم اكتشافها في بلاد ما بين النهرين ويرجع تاريخها إلى 3500 سنة قبل الميلاد.
وفي النار والعجلة، يعتقد بعض العلماء أنه بغض النظر عن معرفتنا المؤكدة بالكيفية التي أدت إلى اكتشافهما، إلا أن الحاجة لهما بقت هي الدافع وهي الأساس في استخدامهما، بل وفي تطوير استخدامهما في فترات زمنية متلاحقة، وهذا يعني أن الإنسان كان في سعي دائم منذ الأزل للتعلم بهدف توفير واختراع وسائل تساعده على الحياة للتغلب على مصاعبها.
غني عن القول، أن العلم في هذا الإطار كان وسيلة لتحقيق عدة غايات، ومن هنا تظهر لنا أهميته بل وقوته. لكن مسألة تعريف العلم، تصبح أكثر تعقيدا، خصوصا عند الدخول في ثنايا قضية وتساؤل يثار منذ أمد دون هوادة في محاولة الإجابة عن سؤال: ما هو العلم؟ لهذا يقول الفيلسوف وعالم البيولوجيا والاجتماع الدكتور إدغار موران، إن السؤال عن ما هو العلم؟ لا جواب له. وإن كان يصعب علينا الإجابة على هذا السؤال، فيبقى لدينا التساؤل الأهم وهو: لماذا توجه الإنسان نحو العلم دون سواه واختاره لمساعدته في مسيرته، والإجابة رغم بديهيتها إلا أنها تملك من العمق ما يجعلنا نبحر في وسطها.. فبالعلم نستطيع معرفة أنفسنا وقوانا، وبالتالي نستطيع تغيير حياتنا للأفضل، كما أننا بالعلم نستطيع معرفة الآخرين من الناس ممن يشاركوننا هذه الحياة، فجوانب مثل السلوك والرغبة والإحساس، لم تكن معروفة لولا العلم نفسه فهو إطارها العام، فضلا عن هذا جميعه يعتبر العلم من أقوى الأساسات بل وأصلبها عندما نطلب التغيير للأفضل أو ننشد التطور، كما أننا بالعلم نحاول الانتقال من عالم المثاليات والأوهام إلى الواقع الفعلي بكل ألوانه سواء الحزينة أو السعيدة.
على الجانب الآخر يأتي صوت يقول إن العلم ليس بهذا الجمال وليس بكل هذه الفائدة للإنسانية، فهو كما قدم للبشرية خصالا وفوائد جمة فإنه بالمقابل قدم سيئات، بل إن العالم مهدد اليوم أكثر من أي يوم مضى، بسبب العلم وما وصلت إليه الاكتشافات العلمية. ويشير هؤلاء إلى النزعة التي تتملك بعض الدول (وربما الأفراد) لحيازة الطاقة النووية، وما قد ينتج بسببها من إبادة للجنس البشري فضلا عن الحياة برمتها على كوكب الأرض، لو قدر ووقعت حرب كونية نووية.

التعمير والتدمير
وهذه النزعة المحملة بالمخاوف لها ما يبررها، فقد شاهدنا ما فعلته القنبلة النووية الأمريكية على بدائيتها عندما ألقيت على اليابان وتحديدا مدينتي هيروشيما وناجازاكي في عام 1945، حيث قتلت أكثر من 220 ألف نسمة، فضلا عن الوفيات بسبب الأمراض والأوبئة التي انتشرت بسبب هذه الكارثة. فكيف هو الحال الآن ونحن في عام 2012م والذي ازدادت فيه التكنولوجيا وتطورت صناعة الأسلحة تطورا هائلا؟.
ولا ننسى، في هذا المقام، ما سببته المصانع من تلوث بيئي بالغ أدى إلى خلل وانحصار البقع الخضراء في العالم.
لقد باتت حقيقة واضحة لا تقبل الجدال، أنه تماما كما يستخدم العلم في المختبرات والمعامل لخدمة البشرية في جوانب عديدة كالطب وتطوير الاتصالات والنقل وغيرها من المخترعات التي تستهدف نفع الإنسان، أيضا يستخدم بيد الأشرار واللصوص والإرهابيين للقتل وسفك الدماء.
وهذا القول يكتسب المصداقية لأن ما يحدث على أرض الواقع يدعمه ويؤيده، وبرغم هذا فإنه لا سبيل لإيقاف مسيرة التطور الإنساني، أو حتى الحد من توهجها وتقدمها واستمرارها، وفي هذا الإطار كل ما يمكننا فعله محاولة أن تكون هذه المسيرة في إطارها الصحيح، بعيدة عن الانحراف أو سلوك طرق مؤذية للإنسان.
لقد كان العلم سلاح الإنسان الأزلي للتطور والتقدم لنفعه ومساعدته على المصاعب والعقبات التي يواجهها في حياته وكسب رزقه وقوته، صحيح أنه كان دافع الإنسان هي الحاجة أولا وأخيرا، وفي العصر الراهن تبقى حاجة الإنسان هي الدافع حتى وإن تغير جوهر هذه الحاجة إلى السعي أن يحقق بواسطة العلم الرفاهية والاستقرار والصحة، إلا أنها تبقى الحاجة هي المحرك للإنسان نحو العلم. صحيح أن الحاجة نفسها قد تنحرف، فهناك حاجات نبيلة وأساسية وهناك حاجات ثانوية أو رفاهية يمكن الاستغناء عنها، وهناك حاجات قاتلة مدمرة ـ الشر ليس حاجة وإنما سلوك منحرف ـ ومن هذه الجزئية يمكن التفريق ووضع الإطار العام في محاولة حصر العلم واكتشافاته لخدمة الإنسانية وحسب.
وكلما تطور الإنسان وارتقى تفكيره، تتطور تطلعاته وطموحاته، وبالتالي تتطور أيضا صراعاته وحروبه، ففي الماضي السحيق كانت الصراعات تدور حول الفرائس والطعام وفي مجملها كانت صراعات فردي الطابع أو بين مجموعات قليلة العدد، أما اليوم فإن الصراعات باتت تطوي تحت راياتها السوداء والدموية شعوبا وأمم. والأسباب تعددت وتنوعت من الاقتصاد إلى الهوية والحدود، وبطبيعة الحال فقد غذتها واغذيها المطامع والاختلافات الفكرية ونزاعات الحدود.
ومع ذلك فسيظل الإنسان يطلب من العلم كل شيء دون هوادة أو تردد، وكما تعلمنا وأدركنا وقرأنا في تاريخنا فإن الإنسان منذ الأزل وحتى اليوم لم يطلب العلم من أجل العلم بحد ذاته وحسب وإنما من اجل نفسه وسد مطالبه ولسعيه الحثيث نحو الحياة السعيدة المرفهة، هذا السعي الذي يكون في أحيان كثيرة مجنونا ومتطرفا.

اقرأ أيضا