الملحق الثقافي

الاتحاد

فكر العالم.. وفقره

صدر ضمن سلسلة “معالم” عن دار توبقال في الدار البيضاء، الترجمة العربية لكتاب: “التفكير في تنوع العالم”، لمؤلفه المفكر الفرنسي المعروف فيليب ديريبارن، بترجمة المغربي محمد الهلالي.
وقد لقي الكتاب إقبالا شديدا من طرف القراء، سواء في فرنسا أو في بلدان أوروبا وأمريكا. وذلك لتسليطه الضوء على إشكالية مؤرقة للشعوب والأقليات التي تحاول الاحتفاظ بهويتها أمام زخف العولمة المتوحشة، حيث بدا وجود الاختلافات الأساسية بين الشعوب ولفترة زمنية طويلة، واقعة بديهية. فمن مونتيني حتى فيبر مروراً بمونتسكيو وروسو وفولتير وكانط وهيجل وميشليه، وآخرون كثيرين، كان ينظر إلى مفهوم (روح الشعب) ومفهوم (الخصوصية الوطنية) كأمرين بديهيين. لكن عصرنا متردد في تبني وجهة النظر هذه. من الواجب، حسب منظمة الأمم المتحدة، الاعتراف بالتنوع الثقافي الموجود بين الشعوب والأمم على الصعيد العالمي. وفي الوقت نفسه يسود خوف حاد من أن يلوح وراء طرح موضوع الاختلافات الثقافية ـ تجسيد مكشوف لطَيفِ العرقية الشنيغ، ومن أن يؤدي التركيز على ما يفرق بين الشعوب إلى إعاقة سير الإنسانية نحو عالم موحد يتجاوز كل الحدود. لقد تمت إدانة الأحكام القطعية الشمولية المبالغة في تقدير العنصر الثقافي، بل التي تعالج الأمر من زاوية النزعة الجوهرية، وحيث ينظر إلى إبراز الخصوصيات الثقافية على أنه أمر يخضع البشر لقَدَرِ يستعبدهم، وعلى أنه يتسبب في تجريدهم من قدرتهم على البناء الحر لعالم يتلاءم مع إرادتهم، ويقود في آخر المطاف، إلى ضرب عرض الحائط، بكسب الأنوار. وهو يرى أن المناسبات التي تتم فيها واجهة هذا السؤال عديدة ما دامت مصائر المجتمعات تختلف، كيف نفسر الصعوبات التي تواجه أفريقيا السوداء وتعرقل نموها مقارنة بـ(المعجزة) الأسيوية؟ ما القول في ديمقراطية الصين التي تنخرها المفارقات، أي ديمقراطية إشكالية تبحث لها عن جذور؟ ولماذا، إضافة إلى ذلك، يعتبر حق حمل الأسلحة النارية في الولايات المتحدة الأميركية رمزا للحرية؟ نَجِدُ في كل هذه الأمور بدون شك إرثا تاريخيا عريقا، ولكن ما هي درجة هذا الإرث وما هي سيروراته، أي العمليات التي أفرزته؟.

وصفة بسيطة
وفي مواجهة هذه الأسئلة والنقاشات التي تنتج عنها، يرى المؤلف أن العلوم الإنسانية “تجد نفسها بدون أسلحة تقريبا. فعبر الملاحظة (العلمية) لمجتمعات صغيرة اشتهرت بعدم امتلاكها لأي تاريخ تمكن الأنتروبولوجي من بناء أدواته المفاهيمية والمنهجية. فالرؤية الثقافية التي تسيطر على مجال بحثه مرتبطة بشكل حميمي بفكرة ممارسات مشتركة اقترنت بالمعنى المشترك، والذي يقدمه كل إنسان للعالم الذي يعيش فيه. يتعلق الأمر حسب (جيرتو) بـ(نسق من الرمزو) يشكل ـ مثل (برنامج حاسوب) أو وصفة إعداد حلوى ـ مصدر (المعلومة التي تقدم الشكل والاتجاه والخصوصية والوزن لسيل متصل من الأنشطة). هذا التصور عن الثقافة مقترن بشكل حميمي بصورة جماعة، أفرادها ملتحمون بواسطة كيفيات مشتركة في الوجود والتصرف واحترام السلف والتقاليد التي نقلوها إلى الخلف، ولازال هذا التصور، بعيدا كل البعد، إلى يومنا هذا، عن أن يحقق الإجماع حوله في أوساط الأنتروبولوجيين أنفسهم، بل إن الأمر يتعلق بالمجالات التقليدية التي هي موضوع ملاحظتهم العلمية. ما هي فائدة التصور حين يتعلق الأمر بمجتمعات متأثرة بالتاريخ، تتمرد على التقاليد، مغرمة بالتجديد، مجتمعات تتواجه في صلبها كيفيات الوجود والفعل؟ عندما يتم الاهتمام بهذه المجتمعات مفتقد لإطار ثقافي يسمح بالتفكير في ما نلاحظه من وحدة واستمرارية بالرغم من كل شيء.
كما يقرّ المؤلف بأن الدراسات الثقافية تجد في المجتمع الأنكلوساكسوني في أوجها بالتأكيد. لكن موضوعها يلغي كل ما قد تكون له صلة بالمجتمعات واسعة الانتشار. يتعلق الأمر بالأساس بالاهتمام بما يوحِّد أعضاء كيان صغير، مثل ورشة وجماعة مهنية ومدرسة ونادي رياضي ومقاولة، حين نتطرق ـ في حديثنا عن الثقافة ـ لمجموع الممارسات المشتركة التي تكتسب معناها انطلاقا من تمثلات مشتركة، أو نأخذ بعين الاعتبار، كما فعل بيير بورديو، تنوع (الهابيتوس) الخاص بالمجموعات الاجتماعية الأساسية المتميزة. ويتعلق الأمر إضافة إلى ذلك، في دراسات النوع، والدراسات التي أنجزت ما بعد المرحلة الكولونيالية ودراسات أخرى، بإظهار التمثلات التي هي رهان الصراعات ما بين المسيطرين والمسيطر عليهم. زمنذئذ، لا يمكن أن يكون لكل صيغة من صيغ الإرث المشترك، الذي يفترض فيه التوحيد ما بين المتصارعين، أية إمكانية للوجود.
لم يكن أولئك الذين تحدثوا ـ في قرون سابقة ـ عن (روح الشعوب) أو عن (الخصوصية الوطنية) يجهلون بدون شك أنهم كانوا يواجهون مجتمعات منقسمة من جهة، ومتحركة من جهة أخرى. ألم تكن نفس (الروح) قابلة لأن تستقر في صلب عالم متحرك؟ ألم تكن تُشكّل خاصية مشتركة بين الذين يجسدون وجودها بكيفيات متعارضة؟ لكن هؤلاء السباقين في هذا الشأن لم يتجاوزوا بالأحرى تصورات عامة عن الموضوع: فما معنى (روح) هنا؟ وكيف يمكن تحديدها وبأية مناهج؟ ما دمنا لم نجب عن هذه الأسئلة، فإن ما يثيره هذا المصطلح من معاني لن يجد مكانه في العلوم الاجتماعية المعاصرة. يهتم مؤلفون متنوعو المشارب، في أيامنا هذه، بما يميز ما بين الشعوب في إطار جد مجرد، ودون أن يرتبط ذلك بممارسات قابلة للملاحظة بشكل مباشر. وفي هذا السياق، يتحدث فرانسوا جوليان عن (طيَّات الفكر) ليتطرق لما يفرق ما بين العالم الصيني وورثة اليونان القديمة. ويتحدث أوليفي روا عن (قواعد اللغة) فيما يتعلق بالكيفية التي تتخذها أشكال التضامن السياسي في الشرق الأوسط. يتعلق الأمر هنا باستعارات ايحائية، ولكنها استيعارات تترك شكوكا حول الموضوع المتحدث عنه بالتحديد.

مظهر التنوع
يقول مؤلف الكتاب: “سنرى في البداية، بالاعتماد على بعض الأمثلة، كيف يبدو التنوع، موضوع التحليل، للملاحظة، في مرحلتين من مراحل البحث: من جهة، عندما يفحص، عن طريق المقارنة، الصيغ التي يكتسيها نفس المظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية في العديد من المرات، ومن زوايا مختلفة (الفصل الأول). ثم سنقترح إطار نظريا يسمح بتأويل هذا التنوع، وسنرى أن ما يتعلق بالعيش الجماعي، في كل مجتمع، متأثر بتعارض ما بين خطر يخشاه الجميع أكثر من غيره وسبل الخلاص التي تسمح بالنجاة منه، ويؤدي تصور أسطوري إلى منح المعنى لأحداث ووضعيات الحياة العادية وذلك بربطها بالتجارب المتعلقة بالخطر أو الخلاص.
ويتوقف المؤلف عند “الخطر” خطر التغيير والإنمحاء. وهو الخطر الذي يخشى أكثر من غيره يتغير كليا حسب المكان الذي نوجد فيه على كوكب الأرض. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يتعلق الأمر بفقدان المرء لسيطرته على مصيره، وفي فرنسا يتعلق الأمر بالخضوع، بسبب الخوف أو بسبب المصلحة للذي بإمكانه الإيذاء أو منح الهبات، وفي الهند يتعلق الامر بأن يصبح المرء نجسا، وفي الكامرون يتعلق الأمر بأن يصبح المرء ضحية ما ينسجه ضده في الخفاء ذالك الذي يظهر بمظهر لائق، وفي (بالي)، يتعلق الأمر بأن يلقى المرء في الهباء الناتج عن فقدان جماعي للتحكم في العواطف، وفي المكسيك يتعلق الأمر بعدم حصول المرء على المساعدة التي يحتاجها ليكون في مستوى احلام عظمته. في كل مكان، تتميز الكيفية التي يظهر عبرها الأفراد في المجتمع ويتصرفون وفقها بالاهتمام البالغ بتجنب الخطر. وينطبق نفس الشيء على الكيفية التي يتممن خلالها تنظيم الحياة الجماعية. وهكذا، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يساعد الحضور الكلي للعلاقات التعاقدية كل فرد على الإحسان بأنه ليس مجبرا بالمرة على فعل ما يقرره فرد أو آخر عوضه (حتى وإن كانت حرية التعاقد الشكلية في الواقع تخفي إكراهات لا نريد التفكير فيها كثيرا). وفي فرنسا، يساعد الدور الذي قامت به الواجبات الملازمة للمكانة التي يحتلها المرء في المجتمع، وحماية الوضع الاجتماعي والتصور الراقي عن المهنة، كل فرد على الاحساس أنه لا المصلحة ولا الخوف سيرغمانه على الخضوع لإرادة فرد أقوى منه (حتى وإن كان مصيره يتعلق في الواقع بالكيفية التي يلبي من خلالها رغبات زبون ويخضع لإرادة قائد).
تترتب عن هذا التجسيد العلني للحياة الاجتماعية إعداد تصورات أسطورية تساعد على منح معنى للوضعيات التي لم يتم فيها بالفعل تجنب الخطر الذي يخشى أكثر من غيره. (وهي الوضعيات التي يتحكم آخرون فيها في مصير الفرد، وتقبل التواطؤات غير المشرفة بسبب المنفعة). لكنها تسمح مع ذلك بأن تبدو هذه الوضعيات كالحامية من هذا الخطر. إن حضور هذا الخطر الذي يخشى أكثر من غيره لا يمنع أن تثير مخاطر أخرى القلق، دون أن تحتل مكانة مركزية في الكيفية التي تتشكل عبرها الحياة الاجتماعية. ومن بين جميع المخاطر التي تواجهها الإنسانية، يخصص كل مجتمع مصيرا خاصا للخطر الذي يتمحور حوله القلق الناتج عن كون الإنسان إنسانا.

إضاءة الفعل
لا يعتبر تنوع العالم في المنطلق حافزا على البحث لا غير، إنه يسائل الانسانية، لقد اعتقدت النخب المتنورة في وقت ما أنها تستطيع نسيان هذا السؤال. كما أن إنشاء منظمة الأمم المتحدة، وإعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتحرير المبادلات وخلق كيانات عابرة للحدود الوطنية مثل الاتحاد الأوربي، كل هذه الأمور اعتبرت افتراضا، تمهيدات لحركة توحيد الكرة الأرضية. وما تبقى من التنوع، أي اللغات وطرق الطيخ والموسيقى والديانات ستستمر، كما أعتقد، في إضفاء سحر معين على الوجود، مثل تنوع الأمزجة الفردية، أو تنوع الأجيال، دون إعادة النظر في السير قدما نحو تصور مشترك للحياة الجماعية، مع وجود منظور في الأفق، بعيدا جدا ولكنه واعد جدا بصدد حكومة عالمية. لقد بدا أمرا محسوما أن حرية العولمة العامة ستقود تدريجيا إلى اختفاء الأفكار المسبقة التي تعود لعصر غابر، وأن محاسن الديمقراطية والتنمية ستغمر النوع البشري بخيراتها. عن العائق الوحيد الذي يبدو أنه يواجه دوما قدوم هذا المستقبل المجيد ينتج عن دوام ظواهر السيطرة. وما كان يمكن انتظاره من العلوم الاجتماعية هو ان تساعد على فضح هذه الظواهر ومحاربتها.
لم تكن لهذه المنظورات أية مصداقية في بداية هذه الألفية الثالثة. ففكرة “ صدام الحضارات “ لم تكن بالتأكيد فكرة مقنعة على الإطلاق، ولكن العلاقات الدولية تظل موسومة بغموض قوي. بل إن أقل ما يقال هنا هو عدم إقامة الديمقراطية وعدم تحقيق التنمية في كل مكان، إضافة إلى كل ذلك، فإن العالم يتجه إلى التفتت بنفس السرعة التي توحد بها، كما أن تفسير مصائب العالم من خلال سلطة المسيطرين فقد بوضوح بريقه. ونلاحظ انتشار القناعة القائلة بأنه إذا وُجدت بلدان لا تستطيع السير وفق إيقاع هذه الحركة، فإن المسؤولية تقع أولا على شعوبها.
ولمواجهة هذه الوضعية، هناك محاولتان كبيرتان تقتات إحداهما من الأخرى فمن جهة، هناك التأكيد على عدم إمكانية فعل أي شيء، وأن “المهمشين” سيظلون دوما “مهمشين”، وأن تلك ثقافتهم ولن يتحرروا منها. ومن جهة أخرى، عدم رؤية أي شيء، وعدم سماع أي شيء. إما التأكيد على أن كل شيء على أحسن ما يرام وان الإنسانية تظل سائرة نحو مستقبل مشرق، والاعتقاد على وجه الخصوص بأن التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان هي في طور تحقيق نصر على مستوى الكرة الأرضية، بقوة الأسلحة لما تسمح هذه الاخيرة بالقضاء على المستبدين، وإما التعلق، رغم كل شيء، بالخطاطات القديمة والتكرار بصوت عال أكثر من أي وقت مضى بأن السيطرة تفسر كل الشر الموجود في العالم. يمكن أن ننتظر من العلوم الإنسانية ان تساعد على تجنب هذه المحاولة المزدوجة. لما يشعر الناس بالحاجة للإصلاحات ويبدو أن التطبيق الحرفي “للوصفات الناجحة” في امكنة أخرى غير ممكن، فإن تحليلا دقيا للسياق الثقافي ولـ”أشكال المقامة” التي تجد معناها في ذلك السياق يمكنه أن يساعد على الخروج من التردد ما بين السلبية واليوتوبيا.

حقل بحث شاسع
إن فهم تنوع الثقافات وما ينتج عنه في حياة المجتمعات لم يتقدم كثيرا في أيامنا هذه بدون شك، مثلما لم يكن متقدما تنوع اللغات في نهاية القرن 18، لما كانت المقارنة ما بين اللغة اليونانية واللغة السنسكريتية تحث على التفكير في خصوصيات اللغات الهند ـ أروبية. ينفتح حقل شاسع للبحث أمامنا بأسئلة جيدة وإمكانية إلقاء نظرة جديدة على الأسئلة القديمة.
إن إحصاء كل ما يشكل أكبر خطر في المجتمعات المختلفة، وكذا طرق الخلاص المتخيلة لمحاولة تجنبه هي عملية في طريق التنفيذ. ولكن المعارف في هذا المجال تظل مجزأة. وكلما تقدم العمل كلما وجدنا في غالب الأحيان بداخل ما قد نميل إلى اعتباره مجالا ثقافيا موسوما بوحدة معينة (أمريكا اللاتينية أو إفريقيا السوداء) تنوعا كبيرا يتطلب فهم ما هو أساسي فيه بدقة.
وعلينا أن نفهم إضافة إلى ذلك، فيما يخص ما هو أساسي، الكيفية التي تم من خلالها في الماضي ولا يزال يتم في الحاضر التقاء رسائل الخلاص العالمية مع الثقافات المتنوعة. وهذا لا يتعلق فقط بالديانات، ولكنه يتعلق أيضا بالمذاهب السياسية، دون أن ننسى رسالة التحرر الكبرى التي حملتها الأنوار. يتعلق الأمر بفحص كيفية تلقي وتأويل هذه الرسائل في كل مكان حسب الكيفية التي ترتبط عبرها بالتصور الخاص عن الخطر والخلاص.
يمكن للعلوم الإنسانية أن تَخْطُو خطوة كبيرة في هذا الاتجاه من أجل استأناف التفكير في المشروع الكبير لمؤسسي السوسيولوجيا: أي بناء سوسيولوجيا قادرة على فهم الكيفية المستعملة من طرف الناس للعيش جماعيا بكل تعقيداتها، في جوانبها المبدئية العامة وفي تفردها في كل مكان في نفس الوقت.

اقرأ أيضا