الملحق الثقافي

الاتحاد

خرافة الاستراتيجية.. وحمقها

هناك حالة من الجدل الفكري والسياسي داخل الدوائر الأميركية حول مستقبل القوة أوالامبراطورية الأميركية، وهذا الجدل والنقاش يتم في العديد من الدوائر بمختلف أنحاء العالم، بحكم التأثير والنفوذ الأميركي، ويعكس كتاب “الجدل حول مستقبل القوة الأميركية” تلك الحالة في الفكر الأميركي بين وجهتي نظر، تقوم الأولى على ان تراجع وانحطاط القوة الأميركية في العالم بدأ ويجب الانتباه اليه، وتقوم وجهة النظر الثانية على ان ذلك حديث خرافة، فما زالت أميركا قوية وكل فريق لديه شواهده وأدلته.

نهاية وبداية
الفريق الأول تعبر عنه دراسة بعنوان “نهاية العصر الأميركي” وقد نشرت في أكتوبر 2011، كاتبها هو “ستيفن والت” أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد وله العديد من الدراسات المهمة ويعد ممثلا للاتجاه الواقعي في السياسة الخارجية الأميركية، ويبدأ دراسته بعبارة مهمة، يبدو فيها التراجع حتميا وربما ضرورة يقول “عندما تقف دولة ما على قمة القوة وحدها فليس من سبيل آخر الا السقوط”، وهو يرى البشائر والدلائل حيث الاقتصاد والنمو الصيني الصاعد الذي يمثل تهديدا للنفوذ الأميركي ولا ينقص هذا النفوذ سوى ان تصاحبه قوة واهتمام عسكري من جانب الصين، الصعود الصيني يعني عنده الحد من النفوذ الأميركي في آسيا وافريقيا وكذلك بعض الدول الاوروبية.
يضاف إلى ذلك تآكل صورة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، من خلال ما يسميه والت الاستراتيجية الحمقاء في المنطقة منذ الانتشار العسكري في العراق وقواعدها العسكرية في المنطقة، مما أدى إلى حنق الكثيرين، الأمر الذي ترتب عليه ظهور تنظيم القاعدة واسامة بن لادن، وكان حادث 11 سبتمبر الذي عمق وجهة النظر السلبية تجاه المنطقة، ويضاف إلى ذلك العلاقة الخاصة مع إسرائيل، مما يزيد كراهية أبناء المنطقة للدور وللنفوذ الأميركي الذي زاد في العراق وأفغانستان، مما أرهن الاقتصاد الأميركي بشدة وكذلك أرهق الجيش الأميركي في “مستنقعات استراتيجية” وحين جاء الرئيس باراك اوباما فإنه قدم ما يسميه والت “بلاغة فارغة” لكنه لم يقدم حلولا ناجحة.
السقوط الذي يصفه والت هنا ليس كما يتبادر الى الذهن بأنه الانهيار التام، لكنه يعني شيئا محددا وهو ان الولايات المتحدة لن تكون القوة العظمى الأحادية، لكنها ستبقى لعقود واحدة من القوى العظمي، سواء كان المستقبل ثنائي القطبية او متعدد القطبية يقول “ان الولايات المتحدة ستكون واحدة من هذه الأقطاب وفي الغالب ستكون أقواها” ويتوقع بروز الهند إلى جوار الصين وكذلك روسيا وربما البرازيل وتركيا، فضلا عن اوروبا الموحدة، يقول أيضا “ان الحديث عن تدهور القوة الأميركية ليس مناسبة لإلقاء اللوم، فالفترة التي كان تقدر الولايات المتحدة فيها ان تدير ترتيبات السياسة والاقتصاد والأمن منذ وقت قريب لم يكن لها ان تستمر إلى الأبد” وذلك يفرض عدة تحديات منها مواجهة الخطر الثلاثي والمتمثل في الديون المتراكمة وتآكل البنية التحتية والاقتصاد الراكد، ولتجاوز ذلك لابد من امتلاك الاقتصاد الأكثر تقدما في العالم عبر امتلاك أفضل المدارس والجامعات والمؤسسات العلمية وبناء البنية التحتية الوطنية التي تعزز الإنتاجية وتعجب الزوار الذين يرون أميركا، لضمان الأمن الأميركي على المدى الطويل بدلا من بذلها الدماء والأموال في سبيل من سيحكم كوسوفو وافغانستان وجنوب السودان وليبيا واليمن أو أي عدد من “المستنقعات الاستراتيجية”.

أميركا.. الضرورة
وجهة النظر الأخرى تعبر عنها دراسة روبرت كاجان “ضد خرافة الانحطاط الأميركي” وهو من مجموعة المحافظين الجدد ويرى ان قيادة اميركا للعالم ضرورة، ويسخر من مقولة تراجع وانحطاط النفوذ الأميركي، تلك تصورات مبنية على انطباعات سريعة وتحليلات غير متماسكة، ويفند مقولات خصمه قائلا: النهوض الصيني يمكن ان يهدد أوروبا واليابان وروسيا لكن لن يمس الولايات المتحدة، فضلا عن ان الصين محاصرة بقواعد عسكرية أميركية في تايوان واليابان، ودولة مثل الهند القريبة جدا من الصين هي الآن حليف لأميركا. اما الاتفاق العسكري الأميركي فهو اليوم 4 في المئة من الميزانية وهي نسبة متواضعة قياسا لفترات سابقة، وعدد الجنود الأميركيين خارج الولايات المتحدة أقل كثيرا، حوالي نصف مليون جندي بينما كان لدى الولايات المتحدة عام 1953 أكثر من مليون جندي حول العالم مع مراعاة ان عدد السكان عام 1953 كان 160 مليون نسمة بينما العدد الحالي 313 مليون نسمة، وهو يتفق مع بول كنيدي في ان ذلك “ثمن زهيد” للبقاء كقوة مهيمنة، بريطانيا العظمى وصل إنفاقها العسكري للسيطرة على العالم في وقت من الأوقات الى 70 في المئة لذا انهارت وتراجعت. واذا كانت الولايات المتحدة هي التي صاغت قواعد النظام العالمي مثل وجود الأمم المتحدة وحلف الناتو وصندوق النقد والبنك الدوليين وكذلك الحرية والديمقراطية في العالم فإنها الحارس لكل ذلك.
ويقول ان “حفظ النظام الدولي القائم يكون بالقيادة الاميركية الدائمة والالتزام الاميركي الدائم بالقيادة”. وهو بالطبع يدرك ان البقاء الأبدي على القمة مستحيل تاريخيا، لكنه يؤكد ان الانحطاط اختيار وليس مصيرا محتوما على الأقل الى الآن، صحيح ان الامبراطوريات تصعد وتهبط ولكن: متى؟ قد يكون ذلك خلال عقدين أو قرنين لكن القرار مازال في يد الاميركيين وذلك أمر يهم العالم كله.
ما يعنينا نحن هو موقع المنطقة العربية من ذلك الذي يدور، والحق انه منذ ان غزا صدام حسين الكويت عام 1990 دخلت المنطقة في النفوذ الاميركي الكامل وهي الآن يمكن ان تعيد النظر في ذلك بما يضمن قدرا اكبر من الاستقلال، ذلك ان طرفي النقاش الأميركي يتفقان على فشل أميركا في إحلال السلام بالمنطقة وحل المشكلة الفلسطينية ولو ان هناك ضغطا عربيا لامكن الوصول الى صياغة تضمن الحل والحد من العنف والتوتر في المنطقة.

اقرأ أيضا