الملحق الثقافي

الاتحاد

الأنفاس الأخيرة...

كتاب “القطار الأخير من هيروشيما”، لتشارلز بلغرينو، الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ترجمة مروان سعد الدين، مراجعة وتحرير مركز التعريب والبرمجة، يبدأ فيه المؤلف تشارلز بلغرينو كتابه “القطار الأخير من هيروشيما” من محطة الجدال المتعلّق بضرورة إلقاء القنبلتين النوويتين فوق هيروشيما وناغازاكي، المدينتين اليابانيتين، في نهايات الحرب العالمية الثانية وبين الأشخاص المنيين بهذا الحدث الفتّاك من سياسيين وعسكريين.
ويروي في كتابه ببساطة قصة ما حدث للبشر والحجر تحت القنبلتين، وقد كتب هذه القصة ـ بحسب قوله ـ على أمل ألا يموت أحد قط بهذه الطريقة مجدداً، خصوصاً إن الاقتراب من شفا هاوية الانتشار النووي المنفلت من أي ضوابط وارتفاق ذلك مع الإرهاب النووي بات قضية تقض مضجع العالم اليوم. ويذكّر المؤلف بأن هيروشيما وناغازاكي تمثّلان قوة الأسلحة الأشد فتكاً التي سنراها في حياتنا على الأرجح. ربما يكون الأمل بعدم تكرار ما حدث سابقاً ضئيلاً فعلاً، لكنه لم يعرف قطّ أن الأمل على عجلة من أمره.
تعرّف المؤلف بلغرينو على ياماغوشي ـ وهو أحد الناجين من التفجيرين الهائلين في كل من هيروشيما وناغازاكي ـ في وقت قصير، لكنه أثبت أن كمّ أفكار المرء ليس مقياساً لقدرته على التعليم. لقد استطاع هذا الرجل الذي نجا من التفجيرين النووين الخروج من ذلك الرعب الهائل معتقداً بنبل الحياة. كان يظن أيضاً أنه إذا استطاع جزء صغير من الإنسانية أن يبدأ بوصية بسيطة تقول “كن لطيفاً” يمكن لمثل ذلك السلوك أن ينتشر مثل فيروس من شخص إلى آخر، وربما يغيّر في نهاية المطاف حياة شخص قد يفعل بخلاف ذلك شيئاً رهيباً في المستقبل. كان يظن أيضاً أن الناس، قد أصبحوا راضين عن أنفسهم في نحو عقدين منذ كانت سياسة شفير الهاوية النووية المرعبة على نحو متزايد بين الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات السوفييتية قد انتهت. كانت حالة من فقدان الذاكرة قد بدأت تؤثر في الحضارة: فقدان ذاكرة خطرة جداً يبدأ الناس بسببها نسيان ما تفعله القنابل الذرّية حقاً، وأصبحت عبارة اضربوهم بقنابل ذرّية في أنحاء العالم وبلغات عديدة تتوارد بوتيرة متزايدة.
أدرك ماغوشي أنه إذا لم تتذكر البشرية قريباً، وتتعلّم عاجلاً أن اضربوهم بقنابل ذرّية كانت أسوأ لعنة يمكن لإنسان أن ينطقها ضد مجموعة أخرى من البشر، فقد تصبح الحضارة كلها على متن القطار نفسه الذي كان قد استقلّه من هيروشيما نحو شيء أسوأ.
في ما يتعلّق بالعلماء اليابانيين الذين وصلوا أولاً إلى مركزي الانفجار اللذين كانا لا يزالان ناشطين إشعاعياً في هيروشيما وناغازاكي محاولين فهم ما جرى، كانت الوفيات الأكثر ترويعاً هي الأسرع. على جسر يقع في وسط هيروشيما، تبخّرت الناس جميعها عندما انشقت السماء من فوق رؤوسهم، كان هؤلاء الذين لم ينجوا من أول نصف ثانية من تعرضهم لسلاح نووي، على قيد الحياة في لحظة سابقة، يأملون انتصار اليابان، أو يتوقعوا ويتمنوا عودة الأحبة الذين سيقوا إلى الحرب، ثم واجهوا لحظة الوميض، تحولوا إلى غاز وكربون مجفف وتحللّت أجسادهم، كأنهم كانوا مجرّد حلم راود شيئاً غريباً ليس من البشر استيقظ فجأة. تركت آثارهم على الأرصفة المتهالكة، شهادة على إنهم كانوا على قيد الحياة. يعرض المؤلف كيف انه لم يكن هناك أحد من الذين تخيلوا، أو صمموا، أو صنعوا قنبلة هيروشيما يعرف ما كان العلم قد حققه فعلاً. لم يكن بمقدور العلماء أن يصدقوا أنهم قد بعثوا شيئاً من الماضي السحيق، من زمان ومكان قلّما يخطران على ذهن بشر. بعد ثلاث أيام فوق ناغازاكي، كان هناك ظهوراً خفيفاً لشموس بعيدة. لم يكن أي من الأشخاص الذين عملوا على هذه الكيمياء الغريبة يفهم آنذاك أن الكربون الذي يجري في عروقهم هو، مثل اليورانيوم، يعرف أن نواة الكربون واليورانيوم قد تخفي شيئاً أصغر كثيراً من قطر بروتون.
أشار المؤلف إلى أن بول تيبتس الذي انتقى هدف القنبلة، ليكون جسر أيوي، أو جسر تي في هيروشيما؛ لأنه كان معلماً بارزاً ويمكن أن يعرفه المدفعي مباشرة، حتى على ارتفاع تسعة كيلومترات. بقيت نقطة التسديد، مثل طبيعة القنبلة نفسها، محجوبة عن الملاح جاكنسباك ومهندس الطيران جيمس أر. كورليس.
ثلاث طائرات، لا تمثل إلا أقل من خُمس القوة الجوية التي كان يتم إرسالها في مهمة قصف. لقد سحب بول تيبتس، العلبة التي أعطاه إياها الجرّاح وفيها حبوباً واحدة لكل رجل في حال هبطت الطائرة في أرض العدو. ولقد أكّد جراح الرحلة بقوله ست دقائق وستلقون حتفكم. قليلون منهم يعرفون ما سيحدث. أمر الربّان ماركوارت أفراد فريقه بوضع النظارات. ولم يكن هناك طائرات معادية لاعتراضهم. استعدوا لتشغيل آلة التصوير، المصممة لالتقاط صور الانفجار بسرعة بطيئة جداً. لقد كانت الطائرتان تتحركان في عالم مجهول تماماً. واصل المناورة مسألة هندسية فراغية بسيطة: في أثناء ثلاث وأربعين ثانية بين إطلاق القنبلة وانفجارها، ما المسافة التي تستطيع طائرة (بي 29) أن تبعد نفسها عن القنبلة وتبقى سالمة؟ وألقيت القنبلة والتقطت الصور، ولم يكن من الممكن وصف الوميض الأولي إلا بلغة صمت وعدم تصديق. لقد وصفوها بوحش لطم جانب الكوكب، لقد كان الضوء من القنبلة محسوساً؛ ضوءاً يمكن أن يشعر به، وأن يتذوقه.
لم تكن القنبلة الذرّية الثانية قد انفجرت بعد فوق ناغازاكي، وكان المحاربون الذين اشتركوا في أول مهمة نووية شهوداً آنذاك لأصدقاء ألقوا أبصارهم ما وراء اليابان نحو روسيا، وأطلقوا أول مرة عبارة اضربوهم بقنبلة ذرّية، حتى الرجال الذين شاركوا في مهمة هيروشيما وشاهدوا مدينة تتحول إلى انقاض لم يكن في مقدورهم أن يضعوا معياراً لفهم ما جرى على أكمل وجه. لم يفهم حقاً ما جرى إلا على الأرض فقط، في هيروشيما نفسها.
يذكر المؤلف أيضاً كيف كانت الصدمة آنذاك في هيروشيما بطيئة. وشوارعها مليئة بتناقضات تبدو مستحيلة بين أشياء مدمّرة تماماً وأخرى سليمة لم يمسّها سوء. مسّت تلك الفقاعة الذّرية الأبطأ بين الثلاث الرئيسة بضعفي سرعة الصوت فقط؛ أي أسرع كثيراً من ردود أفعال الإنسان غير الإرادية.
ويشير الراوي المؤلف أيضاً إلى ياساكو ميكاسي الذي قد تأخر عن القطار عدة ثوان، لهذا اضطر إلى انتظار آخر، ومن ثم كان متأخراً ربع ساعة عن موعده المعتاد حينما كان القطار الآتي يحمله مصادفة داخل نفق ميوكي باشي الآمن، وجعله ذلك أحد الناجين القلائل في كل هيروشيما.

اقرأ أيضا