الاتحاد

الملحق الثقافي

أدب المجالس العربية...

أشار ابن اسحق إلى أنّ المسجد النبوي قد بُنِيّ من حجارة منضودة، بعضها على بعض، وجعلت عمده من جذوع النخيل، وسقف بالجريد، وجعلت قبلته من اللّبِن أما بيوته ـ عليه الصلاة والسلام ـ فكانت تسعة، بعضها جريد وطين وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرضومة، بعضها فوق بعض، ومسقفة بالجريد أيضاً، وقال الحسن بن أبي الحسن: كنت أدخل بيوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا غلام.. فأنال السقف بيدي، وكانت حجرته ـ عليه الصلاة والسلام ـ أكسية من شعر مربوطة من خشب عرعر وكان بابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرع بالأظافر أي لأحلق له، ولما توفي أزواجه، خلطت البيوت والحجر بالمسجد، وذلك في زمن عبد الملك بن مروان.

المجلس مجتمع القوم
حفلت الأمصار الإسلامية على مجالس خاصة وعامة إبان الخلافة الإسلامية المتعاقبة. ويحدثنا الدكتور يحيى وهيب الجبوري عن معنى المجلس في كتابه: “مجالس العلماء والأدباء والخلفاء مرآة للحضارة العربية الإسلامية” بقوله: “المجلس هو مجتمع القوم سواء أكان صغيراً يضم بضعة أشخاص أم كان كبيراً يتسع لعشرات، يجلس كبير القوم أو عالمهم أو رئيسهم ويتحلّق حوله أو بين يديه بقية الحاضرين حسب مكانتهم مِن السنّ أو المنزلة الاجتماعية أو المنزلة العلمية. وكانت المجالس ومازالت تعقد في البيوت أو المضافات أو الديوانيات أو الدواوين الرسمية، يتداول الحاضرون ويتدارسون في أمورهم الخاصة والعامة، والحديث يجرُّ حديثاً فيما يعرض لهم من قضايا، وقد يكون المجلس مجلس سَمَر وفُكاهة وطرب، أو مجلس علم ودين، أو مجلس أدب وشعر، وفق اهتمامات الحاضرين أو الذين يتصدرون المجالس من ذوي الشأن والسلطان، وقد تكون هذه المجالس عفوية لا إعداد لها، وقد يكون لها إعداد وتنظيم وفق برامج مُهيأة وأوقات مُحددة لذلك”.

بساطة المجلس النبويّ
كما اتسمت مجالس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالبساطة والتواضع، فقد روى البغوي عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس”. وهذا التواضع النبويّ يجعل الأعرابي الذي يدخل مسجده حين يسأل: أيُّكم محمد؟ فلم يكن النبي الكريم ليتميز من أصحابه بمقعد أو ملبس معين أو زيٍّ، بل كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ واحداً منهم. وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلتقي في البداية أصحابه في مجلس خاص بمكة يعرف بدار الأرقم يعلمهم الكتاب والحكمة، ولمّا ازداد عدد المؤمنين به وبدعوته صار يلتقي بهم في ساحة المسجد وفي كل مكان ومناسبة، ويتميز مجلسه بالجدّ وقت الجدّ، فكان المجلس النبويّ عند نزول القرآن المعجز خاشعاً جاداً، فروي عن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم: “أنّه كان إذا أُنْزِلَ عليه الوحيّ كرب لذلك وتربَّد في وجهه، فلما أتليَ عنه أي سُرِّيّ عنه وكشف رفع رأسه”.
وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يسرد الحديث في مجلسه كسردنا، فهو أبعد الناس عن التطويل والإطناب الممل. تقول السيدة عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها: “كان يحدث حديثا لوعدّه العَّاد لأحصاه”. ومن ملامح المجلس الشريف أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يسقي ضيفه أولاً ثم يشرب بعده، وكان يتخول أصحابه بالموعظة، لأن القلوب قد يصيبها الكلل والملل والسآمة من كثرة المواعظ فتفقد المواعظ قيمتها. أجل لقد بدأت المجالس الإسلامية بسيطة متواضعة، لكنها تطورت وتعقدت بتطور الأزمان وتعاقب الحضارات، فصار لها رسوم وأصول وآداب، وأصبحت لها أقسام من ذلك مجالس الخلفاء والأمراء، وهي مجالس عامة تناقش فيها أمور متعددة دينية أو سياسية وأدبية ولغوية وعلمية، وفق ما يعرض الخليفة أو الأمير، ووفق المدعوين إلى ذلك المجلس من المهتمين بشأن معين، ومجالس الأدب من شعر وخطابة وأيام وتاريخ وأمثال، ومجالس الغناء والطرب، ومجالس العلم في اللغة والنحو، ومجالس فلسفية تتناول آراء الفرق والطوائف والمذاهب والنحل وغير ذلك... تحفل المصادر العربية بالكثير من الكتب التي أفردت للمجالس صفحاتها، فكتاب السمر العربي (ألف ليلة وليلة) مجلس للقصّ والحكي بين السائل الملك شهريار والراوية شهرزاد التي تلهبه بحكاياتها الشائعة عن قتل بنات جنسها.

مجالس القصص
يذكر أنّ مجالس القصص قد وجدت في العهد النبوي الشريف حيث كان الناس يتداولون رواية أخبار الجاهلية وقصصها في المسجد، ثم تطورت تلك المجالس لتشمل قصص الأنبياء وحكايات الأمم السالفة، وكان عبد الله بن سلام ـ رضي الله عنه ـ من أبرز رواة القصص، ووهب بن منبه وطاووس بن كيسان وموسى بن سيار في عصر التابعين، وعبيد بن عمر الذي يعد أوّل من قَصَّ في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ولأنّ التراث القصصي العربي متصل الحلقات، فإنّ القصص العربي يتميز بفيض حكائي يشمل تركيب شكلها القصصي جميعه، وما دامت القصص قد عبرت عن الحياة الإنسانية بمختلف شؤونها، وأصبحت صورة حيَّة للذات، فإنّها واكبت مسيرتها وعكست ما استجد في كلّ زمان وفي كلّ مكان، فالرغبة في القصّ والحكي وصياغتها وروايتها للمتلقي، إنما هي رغبة متأصلة، بل إنها تعبير وتجسيد لحالات إنسانية مُلحَّة وأساسية لازمت وجود الإنسان، وعبرت عن طبيعة مسيرته الدائبة في مراحل تطوره كافة.

أنواع المجالس
أشار الدكتور يحيى الجبوري إلى أنواع المجالس عند العرب، حيث كان هناك مجلس للخاصة، وآخر لمجالس القصّاص في أيام الدولة العباسية، واختصت المجالس الخاصة بالحكايات القصيرة، من نوع الحكايات المرحة والنوادر والأحاديث التي تكون سرعة البديهة حاضرة فيها عند المجيب مع الجواب المسكت، أما مجالس القصاص فتروى فيها الحكايات الطويلة. وكانت على سبيل الذكر طرقات بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية مليئة بالقصاصين، ويبدو ـ لكثرتهم في هذا العصر ـ أنْ أمر الخليفة العباسي المعتمد على الله في سنة 279هـ في عاصمة الخلافة (سُر مَنْ رَأى) سامرّاء الحالية، بالنداء بأن يقعد على الطريق ولا في المسجد قاصّ ولا صاحب نجوم ولا زاجر، وحلف الوراقين ألا يبيعوا كتب علم الكلام والجدل والفلسفة.
وأضاف: لقد شهدت الدولة العربية الإسلامية في أمصار الخلافة أنواع عديدة للمجالس منها: مجالس الحديث النبوي، ومجالس اللغة والأدب، ومجالس الخلفاء مع العلماء والأدباء، نحو مجالس الخلفاء الأموي، ومجالس الخلفاء العباسيين للخليفة هارون الرشيد، ومجالس الخلفاء العباسيين للخليفة المأمون، وهناك مجلس الخليفة المأمون في قضية القول بخلق القرآن الكريم، ومجالس أخرى للغناء والطرب...
وحول طبيعة المجالس واختلافها أوضح الجبوري قائلاً: غالباً ما يتخذ المجلس طابع أهله ومكانتهم من حيث البساطة والفخامة، فمجالس العلماء والفقراء غالباً ما تكون بسيطة متواضعة، بينما يسود مجالس المُوسرين والمُترفين الترف والنِعْمَة، ويكون فيها طعام وشراب، في حين يكون لمجالس الأمراء والخلفاء أصولها ورسومها، وتختلف هذه المجالس شكلاً ومضموناً باختلاف العصور واختلاف البيئات واختلاف الحضارات.

مجالس الوعظ
كما حدثنا الدكتور يحيى الجبوري عن مجالس الوعظ الديني خاصة عن ابن الجوزي البغدادي الذي كان مجلسه ببغداد يضم آلاف الناس حتى أن شوارع دار السلام كانت تُسدّ لكثرة الحضور، وهناك مجلس الوزير أبو عبد الله العارض المعروف بابن سعدان وهو يستمع في مجلسه لأحاديث الأديب أبو حيّان التوحيدي فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة (ت 414هـ)، حيث سامر التوحيدي ابن سعدان عبر أربعين ليلة بمواضيع فلسفية ومثاقفة، ضمها كتابه الكبير: “الإمتاع المؤانسة”. وهناك في الأدب العربي أحاديث لابن دريد وهي أربعون حديثاً، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، أربعمائة مقامة، وهذه الأرقام تدل على الكثرة. ويرجح أن يكون أقدم مجلس ـ صالون أدبي ـ يعود تاريخه إلى النصف الأول من القرن الأول للهجرة على حدّ قول أبي الفرج الأصفهاني لوهب بن زمعة المُكنى بأبي دهبل.

مراسيم للدخول
عن مراسيم دخول الوافد على مجلس الخليفة أوضح الجبوري قائلاً: فقد كان الدخول على الخليفة في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أمراً ميسوراً، وحين يدخل الرجل على الخليفة يسلم عليه ويقف الرجل بالباب ويقول “السلام عليكم أأدخل؟”، يكرر ذلك ثلاث مرات، فإن لم يُؤذن له لم يعدها، فلما كان زمن الخلفاء الأمويين ومَن بعدهم أقيم الآذنون والحُجّاب يتوسطون للناس بالدخول على الخليفة بحسب طبقاتهم وفي أوقات معينة، ففي المجالس العامة مثلاً يقدمون الناس حسب مراتبهم، أما في المجالس الخاصة فيؤذن لمن يطلبه الخليفة من ألأدباء والشعراء والعلماء ويجلسونهم في مواضع لأكثرهم أدباً، وهكذا، وصار هذا ألمر مُتبعاً لدى الخلفاء والأمراء في سائر العصور.

مجلس هارون الرشيد
كما ذكر الدكتور يحيى الجبوري في أحد فصول كتابه السالف عن مجالس الخليفة هارون الرشيد في بغداد “دار السلام” مع الشعراء، حيث كان الخليفة على قدر صالح من العلم بالشعر ودقيق له، وكانت له مداخلات وتصحيحات لشعر الشعراء، وقيل إنّ أول شعر قاله ـ الرشيد ـ كان في سنة ولايته الخلافة، فقد حجّ ودخل داراً، فإذا في صدر بيت منها بيت شعر كتب على الحائط هو:
ألا يا أمير المؤمنين أما ترى
فديتك هجران الحبيب كبيراً
فدعا الرشيد بدَوَاةٍ وكتب تحته:
بلى والهدايا المُشعرات وما
مشى بمكةَ مرفوع الأظلِ حسيراً
كما كانت للرشيد مجالسات مع الشاعر أبي العتاهية لينشده الشعر، فأمر يوماً أن ينشد غزلاً فأبى، فحبسه، وكان الرشيد يعجبه غناء الملاّحين في الزلالات ـ نوع من السفن في نهر دجلة ببغداد ـ إذا ركبها، وكان يتأذّى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعراً يغنون فيه، فقيل له: ليس أحدٌ أقدر على هذا من أبي العتاهية، وهو في الحبس، فوجّه الرشيد إلى أبي العتاهية وهو في الحبس، وقال له: قُل شعراً حتى اسمعهم منهم، ولم يأمر بإطلاقه، قال أبو العتاهية: فغاظني ذلك، فقلتُ: والله لأقولنّ شعراً يُحْزُنُهُ ولا يُسَرُّ به، فعملتُ شعراً ودفعتهُ إلى مَن حفظّه الملاّحين، فلما ركب الرشيد الحرّاقة- سفينة بحرية- سَمِعَه ومطلعه:
خانك الطّرفُ الطَموحُ
أيها القلبُ الجَموحُ
لدواعي الخيرِ والشـرِّ دُنُوُّ ونُزوحُ
قال: فلما سمع ذلك الرشيد جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد مَن أغزر الناس دموعاً في وقت الموعظة، فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه، أومأ إلى الملاّحين أن يسكتوا!

التلاقح الحضاري
تطورت الحياة بمناحيها خلال العصر العباسي وما طرأ عليها من تلاقح حضاري في حركة إحياء العلوم، وبعد نضج العقول عاد القصاص إلى المسجد فوجد الواعظ قد سبقه فقد استغنى الخليفة العباسي عن القصاص، وانقلب الواعظ إلى العامة مجبراً يسامرهم في مجالسهم ويشاطرهم أفراحهم بمآثر من أيام العرب حتى صار ظاهرة من ظواهر المجتمع، بعد أن فقد القصاصون ثقة أهل التقى وبدأت الثقة تتحول عنهم إلى طائفة خلفتهم هي طائفة المذكرين، ويعرف مجلسهم بمجلس الذكر. وإن أفول نجم القاص قد أدى من ناحية إلى ظهور شخصية أخرى هي المُحاكي. وهناك نماذج أدبية عباسية تشبه المحاكاة، تبرز قدرة المحاكي على التأليف، لما يتميز به من قوة الملاحظة وقدرة على التقليد، فضلاً عن أنّ الواقع قد يتطلب بفعل الضرورة المحتمة وجود حكاية مبتكرة تلبي الحاجة الماسة. وقد اتسع نطاق المحاكاة ليشمل فن القصاصين وهم الذين تميزوا بقدرتهم على الملاحظة والتقليد، فمنهم المداح والمقلد والحكواتي العربي.

المُحاكي ونوادر الأخبار
كذلك وجد عند المُحاكي في العصر العباسي ببغداد التسلية المحببة، ويذكر محمّد رجب السامرّائي في كتابه “رمضان في الحضارة العربية الإسلامية” جانباً عن المُحاكي أيام العباسيين قائلاً: كان يلتقي الفريقان في أزقة وحارات بغداد إذ يقصّ المُحاكي على المستمعين نوادر الأخبار وغرائبها، ويتفنن في تقليد هازل للنازلين ببغداد من الأعراب وغيرهم وهنا يجد العامة عنده المتنفس لما يعانوه من ضيق وكرب، حيث كان المُحاكي لسان العامة في الهزء من معايب الحياة الاجتماعية التي أثرت في انجذابهم إلى المحاكي الشعبي الذي يعد وسيلة ترفيه من جهة ووسيلة تعبير عن الواقع من جهة أخرى. ومن سمات المحاكي الممثل الشعبي ما يقوله الأديب العربيّ الجاحظ (ت 255هـ) في “البيان والتبيين” بأن: الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارجهم في النطق وكذا يفعل في تقليد الخراساني والسندي والحبشي وغيرهم حتى لتكاد تجده أطبع منهم، فإذا حكى (الفأفأء) فكأنما قد جمعت كل طرف في كل فأفأء في الأرض في لسان واحد، ويعطي الجاحظ أمثلة لفنانين موهوبين من فناني الحكاية أمثال أبو دبدوبة مولى آل زياد الذي كان يقف بباب الكرخ ـ إحدى مناطق بغداد العباسية والحالية ـ فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم جسيد ولا متعب بهير إلا نهق”.

فنّ الحكواتي
بداية المرحلة الأخرى من مراحل تطور فنّ الحكواتي في القرن الخامس الهجري “القرن الحادي عشر الميلادي” وتنتهي بسقوط بغداد عام 656 هجرية ـ 1278 ميلادية إثر سقوط الخليفة عبد الله المستعصم قتيلاً على يدّ هولاكو المغولي. وفي هذه المرحلة التي هي مرحلة ظهور ونمو فن مُحاكي العامة تكون قد حلت مرحلة ظهور فن الحكواتي العربي في المجالس لروايتها للناس في الساحات وفي الطرقات العامة. كذلك عرفت المدن العربية قبل عقود قصيرة تنظيم مجالس خاصة تعقد لرواية حكايات من التاريخ والتراث، أو الاستماع إلى الراوي وهو يقص على مستمعيه بصوت مسموع وبحركات تمثيلية تلك الإخبار والحكايات ، وبعض من السير الشعبية أمثال سيرة الشاعر عنترة بن شداد العبسي أو سيرة بني هلال، أو الزير سالم، أو حكايات ألف ليلة وليلة مثل السندباد البحري، أو شخصية علي الزيبق وغيرها، وأنتشر هذا الراوي في العواصم العربية مثل بغداد ودمشق والقاهرة، حيث كان المستمعون يحتشدون حوله في المقاهي الشعبية ليروي لهم حكاياته، والتي كان غالباً ما يتوقف في ختام كل مجلس عند حدث يشدّ معه تشوقيهم لمتابعة الحكاية في اليوم التالي.

اقرأ أيضا