إبراهيم سليم (أبوظبي)

أوصى المشاركون في ملتقى «حوار المواطنة الشاملة» بإصدار إعلان أبوظبي العالمي للمواطنة الشاملة العام المقبل، على أن يكون إلزامياً للدول، والتأكيد على حضور دولي بارز عند الإطلاق يضم ممثلين للمنظمات الحقوقية الدولية وقادة سياسيين وصناع قرار على مستوى العالم، لبحث دعم فرص إجراء حوارات فاعلة مع برلمانات المنطقة وحكوماتها لتنزيل نصوص الميثاق في دساتيرها، والانتقال به من صوره الأخلاقية والإنسانية إلى صيغ قانونية ملزمة تجرم من يخالفها، كما فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة في قانون التمييز والكراهية.
جاء ذلك أمس في ختام فعاليات المرحلة الأولى من «حوارات المواطنة الشاملة»، التي دامت ثلاثة أيام (14 - 12 نوفمبر 2018)، ونظمها «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي»، بالشراكة مع مركز «ويلتون بارك» التابع لـ«الخارجية» البريطانية، ومؤسسة أديان، والذي يستهدف الوصول إلى عالم بلا أقليات وسلام أبدي، والارتقاء بمفهوم المواطنة الشاملة من المواطنة التعاقدية إلى الإخاء والمساواة.

رحلة مسيرة الإنسانية
وتلا الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشئون الإسلامية والأوقاف، وأمين عام منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، نص البيان الختامي، خلال مؤتمر صحفي عقده بحضور الأنبا أنجلوس وممثلة مؤسسة أديان الدكتورة نائلة، بالقول: «من أبوظبي، تبدأ دروب السلام أجل. من أبوظبي نبدأ رحلة جديدة في مسيرة الإنسانية نحو السلام المستدام»، مؤكداً أن مداولات المرحلة الأولى التي شارك بها نحو خمسين شخصية من العلماء والمفكرين والأكاديميين وممثلي الأديان في الشرق الأوسط، خلصت إلى الاتفاق على مواصلة البحث المنهجي والتأصيل العلمي؛ بغرض التوصل إلى صيغة نموذجية تقدم مفاهيم جديدة للمواطنة الشاملة أو المواطنة الحاضنة للتعددية الثقافية المعاصرة على كل المستويات الإنسانية، الدينية والأخلاقية أو الحقوقية والقانونية، تحت عنوان «إعلان أبوظبي للمواطنة الشاملة».
وأشار الكعبي إلى الاتفاق على الانطلاق من «إعلان مراكش التاريخي» حول حقوق الأقليات في الديار الإسلامية الذي أصدره «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» في يناير عام 2016، باعتباره يشكل نواة ثقافية إنسانية صلبة، وأرضية فكرية ومعرفية إسلامية مؤصلة علمياً، بكل المعايير الدينية والفقهية، ويمكن الانطلاق منها لبناء إطار حقوقي وقانوني إنساني شامل، يقدم مفاهيم المواطنة الشاملة، حسبما يسعى هذا المشروع الطموح، للارتقاء بالمفهوم من مستوى «المواطنة التعاقدية»، كما نص إعلان مراكش، إلى مستوى المؤاخاة الإنسانية الخالصة.
وقال: إن المؤاخاة الإنسانية هي التي تمارس القيم المشتركة بين الأديان، بل بني الإنسان بدلالات جديدة، تحيل إلى معانٍ أكثر جِدَّةً، «فظلمك ظلمي، وضعفك ضعفي، وألمك ألمي، وجوعك جوعي، ومالك مالي، وعرضك عرضي.. وهكذا دواليك، أي بمعنى أن نتراص كبشر كتفاً بكتف كالبنيان الواحد، فأرعى حقوقك وأحافظ عليها وكأنها حقوقي، وأحرص عليك كحرصي على نفسي، حتى تنتقل المواطنة بالمؤاخاة من الموجود المشترك إلى الوجدان المتشارك، فتصبح المواطنة بوتقة تنصهر فيها كل الانتمـاءات. ومن مكامن القوة في هذا التصور هو الربط المحكم بين المواطنة وإطارها الناظم، المتمثل في مقصد السلم».
وقال: «من دون سلام لا حقوق.. لأن فقدان السلم فقدان لكل الحقوق، بما فيها حق المواطنة، فالسلام هو الحق الأول، والمقصد الأعلى، الذي يحكم على كل جزئيات الحقوق، فلا يمكن أن نتصور مواطنة بالمعنى الذي نبحث عنه في بيئة متشنجة».
وأكد أنه بالسلم تسود الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة بين أفراد المجتمع، وتنعكس على العلاقات بين الأفراد والجماعات، ويكون السلم الاجتماعي حالة من الوفاق تظهر في التضامن والتعاون، لإيصال النفع إلى الجميع، ودرء الضر عن الجميع، وتتجلى في اللغة والسلوك والمعاملة، فلا عنف في اللغة، ولا اعتداء في السلوك ولا ظلم في المعاملة؛ لأن السلم يوجد بيئة الحب والسعادة والرفاهية والانتماء إلى الأمة والوطن والانخراط في مصالحه، وهو قبل كل شيء مصالحة مع الذات قبل أن يكون مصالحة مع الآخر. ما يعني أنه لا سبيل إلى تحقيق المواطنة السعيدة إلا من خلال استراتيجية السلم. فهذا المبدأ الذي نرفعه في منتدى تعزيز السلم، مبدأ عام صادق في كل البيئات، ولا يختص ببيئة دون أخرى.

جانب من الحضور خلال المؤتمر الصحفي

المحطة الثانية
كما اتفق المتداولون على أن تكون المحطة الثانية من «حوارات المواطنة الشاملة» في لندن في مارس 2019، بمشاركة أوسع من القانونيين والأكاديميين وصانعي السياسة؛ بهدف مواصلة البحث في تنزيل نصوص الميثاق المأمول حول المواطنة الشاملة، في أطر حقوقية وقانونية، تشريعية ودستورية، تتواءم مع إمكانيات التطبيق أو التنفيذ، وتتناغم مع البيئات الثقافية المتباينة، إذ إن لكل منطقة خصوصية وتجربة تاريخية مختلفة. ما يقتضي التدرج في التطبيق، فمن المجازفة محاولة تطبيق قوانين احتاجت إلى قرون أو أجيال في بيئتها الأصلية على بيئة أخرى مغايرة لها تماماً. صحيح أن هناك حقوقاً أساسية لا تساهل فيها ولا تراجع عنها، لكنّ هناك حقوقاً ينبغي أن نسير إليها حتى نصل. أما الحقوق الأساسية، فلا تمييز فيها إلا التمييز الإيجابي لصالح الأقليات.
كما اتفق المتداولون على أن تكون المحطة الثالثة والأخيرة من «حوارات المواطنة الشاملة» في أبوظبي؛ لإطلاق «إعلان أبوظبي العالمي للمواطنة الشاملة»، بحضور دولي بارز يضم ممثلين للمنظمات الحقوقية الدولية وقادة سياسيين وصناع القرار على مستوى العالم؛ بغرض بحث دعم فرص إجراء حوارات فاعلة مع برلمانات وحكومات المنطقة، لتنزيل نصوص الميثاق في دساتيرها، والانتقال به من صوره الأخلاقية والإنسانية إلى صيغ قانونية ملزمة، تجرم من يخالفها، كما فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة في قانون التمييز والكراهية.

حدث ثقافي وإنساني
وتحدث الأنبا أنجلوس، أسقف إيبارشية لندن للكنيسة القبطية، فأكد أن الحوارات التي تستضيفها أبوظبي، تشكل حدثاً ثقافياً وإنسانياً مهماً، لا سيما أنه يستند لمقولاته «إعلان مراكش» الذي قدم أفضل صور الاهتمام بالأقليات ومفهوم المواطنة الشاملة التي تعني العدالة والحرية والسلام المستدام. وعلى الجميع أن يدركوا أنه لا مناص من الاعتراف والإقرار بالحقوق والواجبات، وأن نتعايش بتناغم وانسجام، وألا نتخندق في متاريس العزلة الدينية أو العرقية أوالثقافية.. علينا أن نتعلم من دروس الماضي، وأن نستمد منه عناصر القوة للتصدي لانحرافات وانزلاقات. من جهتها، أكدت الدكتورة نائلة تبارا مدير معهد إدارة المواطنة والتنوع في مؤسسة أديان -بيروت-، استعداد المؤسسة للتعاون مع منتدى تعزيز السلم ومركز «ويلتون بارك» في حوارات المواطنة الشاملة، ملاحظة أن المؤسسة عملت على هذه الأفكار لوقت ليس بقصير، ولديها خبرة كافية لإنجاح حوارات المواطنة الشاملة؛ لأن المؤسسة تنطلق للشراكة مع الآخرين من اعتبار المسؤولية الاجتماعية للأديان، أي العمل معاً من أجل النفع العام. فنحن نتعاون ونتحاور بشأن ما يجمعنا من قيم التضامن والتسامح والعدالة والحرية والتعليم والتنشئة، مضيفة أنها تؤيد ما ذهب إليه الدكتور محمد مطر الكعبي، حينما اعتبر أن المواطنة الشاملة لا تتحقق إلا إذا شعرنا ببعضنا البعض، فالتضامن الإنساني هو جوهر المواطنة.

السفير البريطاني لدى السعودية خلال حضور الملتقى

سايمون كوليس: الإمارات تقود سفينة السلم
أعرب سايمون كوليس السفير البريطاني لدى المملكة العربية السعودية عن تقديره للدور البارز الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة والعمل الدؤوب من أجل تعزيز وترسيخ السلم العالمي، وبث جو المحبة والسلام والتسامح والتآلف بين المجتمعات، مشيداً بجهود منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي يرأسه معالي الشيخ عبدالله بن بيه. ولفت إلى أهمية الدور الذي تقوم به القيادة الرشيدة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وبما تحظي به من قبول على الصعد كافة. كما أعرب، على هامش حوار المواطنة الشاملة أمس، عن سعادته بالمشاركة مع نخبه من المفكرين وممثلي الدول والهيئات، حيث لمس وجود رغبة مشتركة في التقدم من مرحلة حماية الأقليات إلى مرحلة جديدة، وهي المواطنة الشاملة، معتبراً أن تلك نقلة مهمة في التعامل مع هذا الملف.
وشدد على أن الارتقاء بوضع الأقليات سواء في المجتمعات العربية والإسلامية أوغيرها، ليس في مصلحة الأقليات فقط، بل يصب في مصلحة المجتمعات التي نعيش فيها؛ لأن العيش المشترك وقبول التعددية يؤديان إلى صون المجتمع ويدفعان إلى التنمية الشاملة.
وتابع: من هذا المنطلق، كانت مبادرة إعلان أبوظبي التاريخي الذي سيتم إعلانه العام المقبل حول فكرة المواطنة الشاملة، مشدداً على أهمية هذه الفكرة للأديان كافة والمجتمع المدني.
وأشار إلى أن أهمية الحوار يعزى لكونه ضم الأديان وممثلي الأقليات كافة، حيث اتفق الجميع على فكرة المواطنة الشاملة، معرباً عن تقديره لما يقوم به معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، والأفكار التي يطرحها المنتدى التي تسعى إلى إسعاد المجتمعات كافة، مقدماً شكره للقيادة الرشيدة لدولة الإمارات العربية المتحدة التي تسعى جاهدة نحو سلام البشرية.