الاتحاد

ثقافة

النخلة.. رفيقة الإماراتي منذ فجر التاريخ

تحقيق: غالية خوجة

النخلة بوجودها ورموزها وعوالمها وعناصرها عالم كينوني بذاته، حافل بالكرم والرقة والصبر والجمال، وثمارها مباركة، ومن سعفها وأوراقها ما زالت الحرف اليدوية الموروثة تتألق، وللنخلة حضورها في الحياة والذكريات والأحلام والأجناس الأدبية المختلفة من شعر وقصة ورواية، إضافة إلى الفن التشكيلي.
والنخيل شجر مبارك، ما زالت تكشف عن تناغماته الحضارية المكتشفات الأثرية والأركيولوجية، مسترجعة ذاكرة النقوش ودلالات الرسوم والرموز عبْر آلاف السنين.
ولمناسبة نجاح الدولة في تسجيل النخلة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لـ(اليونسكو)، كان لـ«الاتحاد» الاستطلاع التالي، الذي اتفق المشاركون فيه على أنه يعتبر إضافة نوعيّة للجهود التي تبذلها الإمارات لصون تراثها والترويج له على الصعيد العالمي، وأن النخلة رمز حيوي وحضور محوري في طفولتهم وكتاباتهم وتحولاتهم الفكرية أيضاً.. هنا شهاداتهم.
النخلة شجرة مقدسة، وذكرها القرآن الكريم، أكد الكاتب علي أبو الريش، وتابع: وكانت لنا البيت، والقارب، والغذاء، والأدوات. إنها تطوقنا من كل الجهات، وتلبي حاجاتنا الإنسانية. لم تكن النخلة في الإمارات شجرة للترف، بل هي صديقة حميمة وعاشقة للأرض والإنسان الذي يعشقها ويعشق الأرض.
واسترسل أبو الريش: ولم تزل النخلة في الذاكرة، وستبقى، جذراً وجدانياً وتاريخياً وحضارياً، وستظل، أيضاً، ما دامت النفس البشرية موجودة على هذه الأرض. لقد تغيرت الصحراء عبر القرون لكنها أزهرت وأينعت وأثمرت وتفرعت في السماء كما تجذرت في الأرض.
واختتم: عندما توثق الإمارات النخلة في اليونسكو كتراث، فإن هذا يعني أن الإمارات كعادتها معطاءة ووفية لكل شيء، الإمارات معطاءة ووفية لهذه الشجرة المعطاءة والوفية أيضاً.

النخلة هي الحياة
النخلة هي الحياة في المنطقة العربية عموماً، وفي الإمارات تحديداً، هكذا يراها الكاتب والباحث حمد بن صراي: النخلة ككائن حي وحياة هي الأفراد أنفسهم، النخلة هي الشجرة الوحيدة التي لا يُرمى أيّ جزء منها، وهذا دليل على أنها هامة في حياة الإمارات والمواطنين، وهي تعتمد كرمز عالمي فهذا جانب مهم، ويسعدنا أن يكون لنا رمز تراثي هام على مستوى العالم.
وأضاف: أهنّئ فريق العمل الذي ساهم في تحقيق هذا الإنجاز، وله الشكر الخاص، لأن النخلة الرمز الأساسي في حياتنا، فكما في حياة البحر تبدو الأسماك واللآلئ، كذلك النخلة في حياة البر، لأن المجتمعات تعيش تحت ظلالها وتعيش عليها، بكل مكوناتها، وهناك مهن وحرف يدوية لا يمكن أن تكون إلاّ من عناصر النخلة، مثلاً صناعة (الحصر، والسلال، وشباك الصيد، والمباخر القديمة)، ولا بد أن نذكر السعف، ونذكر صناعة البيوت من النخيل، والدهون، وغيرها من الحرف الخاصة التراثية والمستمرة إلى المستقبل.
واختتم ابن صراي: تحضر النخلة في ثقافتنا الحياتية أيضاً، فهي موجودة في القصص والحكايات والأغاني الشعبية والموروث الثقافي والأمثال، كما أنها ذكرت في الأحلام، إذن، النخلة رمز من الرموز الأساسية للخبرة والخير والحياة والجمال.

المثقف والنخلة.. متشابهان
ورأت الكاتبة فاطمة سلطان المزروعي أن المثقف لا يختلف عن النخلة، فالكاتب المثقف ينشر عمله بعد تعب واجتهاد وممارسة وكتابة وقراءة وذلك العمل هو خلاصة تعبه يستشعر طعمه ويفرح بإنجازه، وكذلك النخلة طيلة عام كامل ننتظر ثمرها ونفرح به، ويسعى الكاتب المثقف دائماً إلى المزيد من الإنجازات ولا يألو جهدًا في ذلك، فهذه الأعمال الأدبية التي يقدمها هي خلاصة تعبه واجتهاده وقراءته طيلة شهور وأعوام، وربما قد تمتد هذه الدراسات والأبحاث والكتابات لسنوات، فالكاتب لا يختلف عن النخلة، فكلاهما رمز للصبر والعطاء والأصالة.
وأضافت المزروعي: هناك أنواع مختلفة من الثمر، وفي كل موسم نرى أشكالاً وأنواعاً وألواناً للرطب والتمر، وهناك، أيضاً، بعض الكتاب المتنوعين الذين يساهمون في هذا المجال ويطرحون قضاياهم في أجناس أدبية مختلفة كالقصة والشعر والمسرح والرواية والمقالة وغيرها من الآداب، وكلها تصب في مكان واحد وهو خدمة الوطن والسعي إلى رفعته، وهنا حقًا نرى وجه الشبه بين الاثنين، فيمكن الاستفادة من هذه الشجرة الثابتة العملاقة في كافة أمور حياتنا، إذ اعتمد عليها الأجداد لتلبية مختلف احتياجات معيشتهم.
وأردفت: ولهذا حرص المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على اعتمادها أساساً لمشروعه البيئي الزراعي، متحدياً جميع الآراء التي خالفت الزراعة في المناطق الصحراوية في ذلك الوقت؛ فبسط لها مساحات شاسعة في أرجاء الدولة، حتى توجت الإمارات كأول دولة في العالم في أعداد شجر النخيل في موسوعة جينيس للأرقام القياسية، يقدر عددها بأكثر من 40 مليون نخلة. ويصف المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان، النخلة بأنها شيء أساسي بالنسبة لثقافتنا ووجودنا طالما سجل التاريخ والآثار ذلك، ويضيف: شجرة النخيل بالنسبة لنا كانت وما زالت شجرة الحياة، نشأنا بظل هذه الشجرة الرائعة ومنتجاتها العديدة ولا نستطيع الحياة بدونها. وأكدت: استطاعت هذه الشجرة أن تخلد نفسها عبر التاريخ، فإدراج اليونسكو لها ضمن القائمة التمثيلية للتراث الإنساني جاء من ارتباطها بالعادات والتقاليد والحرف التراثية وسعي الإمارات ومنظمة اليونسكو للحفاظ على هذا الرمز المهم وارتباطه بالموروثات الحضارية العربية مهم جداً واعترافاً بمكانتها لدى الشعوب وأهميتها عبر التاريخ وإعطاء النخلة المكانة التي تستحقها فهي ظاهرة وواضحة في الأعمال الأدبية والنقدية سواء الإماراتية أو العربية في الشعر والمسرح والرواية وغيرها، وكلها ترمز للعطاء والصبر والمحبة والثبات والقوة والحفاظ على العادات والتقاليد.
واختتمت: أشرت إلى النخلة في أعمالي الأدبية ولا سيما قصصي القصيرة في مجموعتي «وجه أرملة فاتنة»، فالمرأة والأم الإماراتية تشبه النخلة في عطائها وصبرها وثباتها وقوتها في مواجهة الظروف مهما كانت، وهذا ما أشرت إليه أيضاً في مسرحياتي كمسرحية «الطين والزجاج»، فالنخلة بقيت ثابتة رغم التطور تواجه جميع الظروف الجديدة التي قد تغير كل شيء ولكنها بقيت ثابتة في وجه العادات الجديدة.

شجرة مباركة
وقال الشاعر خالد الظنحاني: نبارك لأنفسنا بدخول هذه الشجرة المباركة التي ذكرها الله تعالى في مواضع عدة من القرآن الكريم قائمة التراث العالمي في اليونسكو، وأكملَ: كانت عصب الحياة للناس قديماً، استخدمها الإنسان ولا يزال، في مختلف مجالات الحياة، فقد مثلّت بالنسبة إليه الغذاء والمسكن والملبس والتطبب والدفء والسعادة. لقد أكرم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، النخلة وأولاها اهتماماً منقطع النظير، وجعلها على قمة أولوياته، وبذل، رحمه الله، كل الجهود وسخّر الطاقات في سبيل تطوير زراعة النخيل وزيادة أعدادها في مختلف مناطق الدولة، هذه الجهود وضعت إمارات الخير والعطاء والسعادة في مكانتها المتقدمة والريادية في مجال زراعة النخيل على مستوى العالم.
وأضاف: الشجرة تشبه الإنسان في كثير من الصفات، خصوصاً النخلة التي هي في الأساس رفيقة الإنسان وضالته.
وقالت الكاتبة د. مريم الشناصي إن النخلة في الدراسات الأركيولوجية تشير إلى أنها موجودة في منطقة الخليج العربي ودولة الإمارات العربية المتحدة منذ 5000 سنة، وبعض الدراسات تشير إلى وجودها قبل 7000 سنة، حيث عثر على النواة وبعض طبعات النخيل على مواقع البناء، طبعات لسعف النخيل ورسومات للنخلة، وهذا يؤكد وجودها في منطقتنا وكيف تكيفت مع هذه المنطقة، ويقال بأن أجداد النخيل هي النخليات المحبة للملوحة، أجداد النخيل امتلكت القدرة على النمو في المناطق المالحة، أو السبخات.
وأضافت الشناصي: عندما نتحدث عن النخلة، أذكر أن رسالة الدكتوراه كانت عن التمور ومدى قابليتها لتشكيل السموم المسرطنة في الثمرة في مراحل النمو والنضج المختلفة سواء في أطوار الخلال، أو البسر، أو التمر، ولقد وجدنا بأن هناك سلالات لا تعمل على تهيئة الظروف البيئية المناسبة لنمو السموم المسرطنة، وقد تتشكل في مراحل النضج المبكرة، لكنها تتكسر مع مراحل النضج المتقدمة لوجود أنواع من الميكرو في ظل ظروف بيئية خاصة بالبيئات الميكرو مجهرية.
واختتمت: للنخلة رمزية ثقافية؛ فهي توجد في الشعارات والاحتفالات.. وعند الانتصارات هي من الرموز الحاضرة في هذه المناسبات، وهي رمز للعمق، الطول، وكثيراً ما تشبّه الفتيات بالنخيل، والانتصارات بالنخيل، وعادة ما ترتبط النخلة بالأشياء الإيجابية ودلالاتها كما أنها حاضرة بقوة في الشعر الإماراتي والروايات والقصص، تماماً، كما يحضر البحر وتحضر الصحراء.
عمتنا النخلة من الأشجار المباركة والكريمة، قال الكاتب د.علي القحيص، وتابع: وهي رمز للكرم والعطاء والشموخ العربي، لما تحمله من تراث خالد في تاريخ العرب، وما ينتج من فوائدها من المأكل والمشرب، فضلاً عن الحاجة لظلالها الوارفة، حيث أوصانا بها رسولنا العربي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بعمتكم النخلة»، لأهميتها في تاريخ العرب، وهي من الأشجار النادرة والعريقة والمباركة، ولقد قال فيها الشعراء العرب الكثير من الأشعار والأوصاف، لمكانتها المرموقة في السجل والتاريخ والتراث العربي، وكتب عنها الكثير من القصص والحكايات، لأنها شامخة وصبورة ومعطاءة دون كلل أو ملل، فهي تتحمل الشتاء القارس والحر القاتل، ولا زالت شامخة مرتفعة، وستظل.

قيمة ثقافية ودينية
وأكد الكاتب ياسر القرقاوي: إن النخلة تحديداً لها رمزية عالية، وقيمة ثقافية ودينية مهمة، أما تسجيلها في (اليونسكو) كتراث إنساني ضمن اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، والذي يتضمن المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات المرتبطة بالنخلة، فهو خطوة مهمة نحو التأكيد على المحافظة الكاملة عليها، فجميعنا احتفلنا بعام التسامح حاملين شعار شجرة الغاف، وهي شجرة كانت مهددة بالانقراض ولها قصص جميلة وحكايات رائعة وكثيرة، أما النخلة فلها قيمة دينية، فهي مذكورة في الكتب المقدسة، والقرآن الكريم الذي كرر ذكرها لمرات عديدة: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) فهي رمز للخير والعطاء، والاهتمام بها والمحافظة عليها تقليد دائم يتوجب علينا المحافظة عليه، فكل شعب له تراثه وعاداته، ونحن في الإمارات تعودنا على زراعة النخلة في بيوتنا والمحافظة عليها وإكرامها والاهتمام بها وبأبنائها، فغيرنا زرع لنأكل، ونحن نزرع اليوم ليأكلها أولادنا وأحفادنا.
وواصلَ: النخلة شجرة لا ترمي أوراقها، ولا تبلى ثمارها، ولا يرمى منها شيء أبداً، فكان الإنسان سابقاً يستفيد من كل جزء منها، فهي الشجرة التي دعمت الصناعات اليدوية لأبناء شبه جزيرة العرب، فمنها طعامهم ومنها بيوتهم وأوانيهم ودواؤهم، شجرة معمرة ولا تحتاج إلى عناية كبيرة، وغير ما ذكرنا الكثير.
واختتم القرقاوي: لذلك، نشكر جميع أفراد الفريق الذي عمل على الملف الخاص بتسجيل رمز من رموز العروبة والأصالة في المنظمة الدولية، وعلينا اليوم أن نكرس هذا الإنجاز بتعليم أبنائنا القيم المهمة وراء الاهتمام بالنخلة ورمزها، ونعلمهم كل ما هو متعلق بتراثنا في شبه جزيرة العرب الذي يختص في جزء مهم من حياتنا وهي النخلة، كما هي توصية للتأكيد على البلديات للاستمرار بتزيين الحدائق والشوارع بالنخيل، وتأكيد على وزارة الزراعة والثروة السمكية لتقوم بتشجيع الاستثمار المهم في هذه الشجرة.

باسمة يونس: رمز عظيم وتستحق التكريم العالمي
قالت الكاتبة باسمة يونس: للنخل مكانة خاصة في حياة البشر بعد أن جاء ذكره في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم، عدا عن تشبيهه بالإنسان بما يحمله من صفات مذهلة جعلته أكثر من شجرة وأهم من نبات. واستقرت النخلة في فكر المثقف الذي حوّلها إلى رمز وكناية عن أهم القيم الإنسانية العالية والشخصيات التي تستحق أن توصف بأوصافها المتفردة. ولم تعد النخلة موروثاً ضمن الموروث الثقافي فقط، بل رمزاً مهماً وعظيماً لمعنى الحياة والشموخ والكبرياء والصحة بقدرتها على إطعام الجائع ومنح الشفاء من كل مرض وعلاقتها الوطيدة في حياة أم النبي عيسى مريم العذراء عليهما السلام.
ولفتت يونس إلى أن ثمار النخلة كانت رفيقة الغواصين في رحلات الغوص والشقاء، تخفف عنهم الوحدة والغربة وتمنحهم الطعام والدفء والطمأنينة، وهذا ما أكده العثور على صور النخل في العديد من الحضارات القديمة التي عبّرت بنقوشها عن أهمية هذه الشجرة العظيمة والمختلفة بشكلها وثمرها وما تحمله من أسرار جعلتها موطن الحكايات وأيقونة القصص.
وتابعت: تحمل النخلة أكثر من قيمة من القيم الإنسانية العالية التي تتمثل في الخير والعطاء وما تقدمه من المنافع التي تملأ حياة البشر بالخير والسعادة ويعبر ظهور النخلة في تاريخ الكتابة عن صفتها كنبع ثري يتدفق منه عطاء مبارك لا محدود.
وأردفت يونس: لقد تغلغلت النخلة بهدوئها وقدرتها على الصمود في أقسى المناخات وما تحمله من رقي في تاريخ العرب ومدائحهم وفخرهم ورثائهم، إلى درجة تشبيهها بالخليل الصالح، وتشبيه الصديق الجيد بالنخلة المعطاءة، ووصف الأدباء النخل في الأشعار والقصص والروايات بأوصاف جعلتها تصبح هوية لمعنى الصبر والرفعة وعزة النفس.
واختتمت: ولا ننسى وصفاً للنخلة وصفها به خالد بن صفوان للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، جاعلاً كل مرحلة من مراحل نضوج ثمرها بدءاً من تحولات الطلع فيها إلى ثمر ينتقل بين الأحجار الكريمة، فقد شبّه أول الطلع بالفضة واللؤلؤ، ووصفه بعد نضجه بالذهب والياقوت الأحمر. لقد أبدع الأدباء العرب في وصف النخل في أكثر من كتاب ولا زال هناك الكثير مما يمكن أن يكتب عنها لتكون بذلك رمزاً عظيماً تستحق التكريم والتقدير من كل العالم.

 

 

اقرأ أيضا

فاطمة المعمري: لا معوقات أمام الأدب النسوي