صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

«الذئاب المنفردة» إرهاب عشوائي يهدد العالم

إعداد: دينا مصطفى

من هجوم بالدهس في نيس، إلى اعتداءات بالفأس في ألمانيا والسيف في بلجيكا والخنجر في لندن طالت يد الإرهاب الجديد شعوب العالم شرقاً وغرباً بشكل غير مسبوق. فقد اجتاحت العالم خلال الأعوام الثلاثة الماضية ما يسمى ظاهرة «الذئاب المنفردة» المنتمي بعضها لجماعات إرهابية، وبعضها من المضطربين نفسياً الذين يقومون بعمليات قتل واسعة بوسائل جديدة ومختلفة بشكل فردي. وقتلت «الذئاب المنفردة» ودهست وطعنت بدافع التطرف الديني وتكفير المجتمع والدفاع عن الإرهاب الداعشي، مئات الأبرياء حول العالم، حيث شهدت الاعتداءات تطوراً مثيراً وكبيراً، فأصبحت لا تعتمد على الأسلحة الثقيلة، أو التفجيرات الانتحارية المنظمة، بل صار مجرد سكين صغير كافياً لارتكاب مذبحة ملطخة بدماء الأبرياء، مثلما فعل الداعشي الليبي سليمان العبيدي الذي نفذ هجوم مانشستر في مايو 2017.
وهناك الشاب الأفغاني الذي هاجم ركاب قطار بألمانيا بفأس وأصاب 9 أشخاص، وكذلك الشاب التونسي الذي كانت كل أدواته مجرد شاحنة بضائع دهس بها عمداً حشداً من الناس في فرنسا، ووصل عدد القتلى إلى 84 شخصاً كانوا يحتفلون بيوم الباستيل. وهناك الكاهن المصري الذي طعن بساطور على يد متطرف سلفي أثناء وجوده في العاصمة المصرية القاهرة، والدافع الوحيد هو التطرف. هو قتل عن سبق الإصرار والترصد، يبث الرعب والفزع في قلوب الأبرياء من المدنيين العزل في مناطق مختلفة من العالم. والطامة الكبرى أنه لم يعد في الإمكان التعرف عليهم، فلا وجوه واضحة لهم. فقد يكون جارك، وربما تقابله في القطار بشكل يومي وذات يوم سيقضي عليك.. تعددت الدوافع والإرهاب واحد.
وفي الإرهاب أيضاً، هناك من الذئاب المنفردة من لا دوافع عقائدية لديه، أو اجتماعية أو نفسية أو حتى مرضية، فمنهم من لم تربطه علاقة واضحة بتنظيم ما، أو شبكة إرهابية على الأرض. وعلى سبيل المثال لم يثبت انتماء محمد لحويج بوهلال منفذ هجوم نيس في يوليو 2016 لأي تنظيم إرهابي، بل على العكس من ذلك، بحسب شهادة الشهود، كان يعاقر الخمر ويرقص، وتميز بطبع عنيف. أما عمر المتين منفذ الهجوم على ملهى للمثليين في أورلاندو في يونيو 2016 والمتسبب في قتل 49 شخصاً، فقد ثبت أنه مثليّ، وأن الهجوم بعيد تماماً عن أي دافع ديني. بينما لم يتم وصف المسلح الأميركي ستيفن بادوك الذي قتل 58 شخصاً وجرح أكثر من 500 شخص في مدينة لاس فيجاس في سبتمبر 2017 بالإرهابي أو بارتباطه بأي جماعة متطرفة رغم توحش جريمته التي تعد أكبر مجزرة في التاريخ الأميركي الحديث!
ما هي إذا أيديولوجية الإرهابيين الجدد، وكيف يرتكبون جرائمهم ويطوّرون أساليبهم الحديثة في القتل والدهس والطعن لتحصد أرواح آلاف الأبرياء حول العالم ؟ وكيف يمكن ملاحقتهم والقضاء عليهم؟. فيما يلي بقعة ضوء لـ«الاتحاد» حول ملف «الذئاب المنفردة».

العمليات البدائية.. إرهاب منظم أم جرائم عشوائية؟
في الوقت الذي اتخذت دول أوروبية متعددة والولايات المتحدة، وكذلك عواصم عدة في الشرق الأوسط تدابير أمنية مكثفة، تحسباً لمحاولة استهدافها عبر تفجيرات إرهابية ضخمة، أو عمليات انتحارية كبيرة، بسيارات مفخخة، جاءت الاعتداءات الإرهابية الأخيرة بأساليب بسيطة تغلب عليها صفة «العشوائية» على يد إرهابين جدد هم ليسوا بالضرورة كوادر دواعشية أو من «القاعدة» ولكن هم أشبه بـ«خلايا نائمة»، أو«أسراب العشوائية» لـ«الدواعش الصغار» (أي المؤيدين للفكر الداعشي) أو أصحاب أمراض نفسية بحسب دراسة للمعهد الأميركي «بروكينجز للأبحاث».
ويعتمد هؤلاء الإرهابيين من ما يعرف بـ«الذئاب المنفردة» على تكتيكات تقوم على اختيار هدف صعب بأدوات سهلة ورخيصة، تتمثل في استخدام «سكين» لطعن المارة في أحد أشهر وأكبر ميادين ومراكز أوروبا، أو تحويل سيارة صغيرة إلى أداة دهس عشوائية، لتتحول هذه الظاهرة متصاعدة الحضور إلى ما يشبه «الموضة الإرهابية» لإحباط الاستراتيجيات الأمنية، وكسر حلقاتها، واختراق تدابيرها الاحترازية.
وشهد العالم سلسلة متلاحقة من هذه «العمليات البدائية» التي اعتمدت تقريباً الأسلوب نفسه وفي مناطق بدت متشابهة، فقد وقعت خمس عمليات إرهابية وفقاً لتسلسل زمني خلال أسبوع واحد عام 2017. فمنذ 17 أغسطس شهدت ساحة رامبلاس السياحية في برشلونة حادث دهس، أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة أكثر من 50 آخرين، وبعدها بساعات شهد شاطئ كامبريلس بجنوب برشلونة، حادث دهس آخر أفضى إلى إصابة 6 مدنيين، بالإضافة إلى شرطي. وفي 19 أغسطس، أصيب عدد من الأشخاص في عملية دهس للمشاة في منطقة مزدحمة في مدينة سيدني الأسترالية. فيما شهدت فنلندا قيام رجل مسلح بسكين بقتل شخصين وإصابة 6 آخرين في هجوم بميدان توركو، وذلك في 18 أغسطس 2017. كما شهدت مدينة بيرتال الألمانية مقتل شخص وإصابة آخر في حادث طعن. في الوقت الذي قامت فيه الشرطة الروسية بتصفية مهاجم بعد قيامه بعمليات طعن وسط مدينة سورغوت شرقي روسيا، أسفرت عن إصابة 8 أشخاص بجروح. وفي مصر طُعن كاهن مسيحي بالساطور على يد متطرف في أكتوبر الماضي.
وقد بات الإرهاب الناجم عن ظاهرة «الذئاب المنفردة» والقتل العشوائي للأبرياء والمدنيين خطراً داهماً يهدد العالم. فعدد الضحايا الذين وقعوا بين قتيل وجريح في العامين الماضيين غير مسبوق، عطفاً على حالة الحيرة والقلق التي فزعت العالم جراء العجز عن التوصل إلى الأساليب التي تقوم بها الذئاب المنفردة في تنفيذ جرائمها البشعة، أو الأسباب الحقيقية لقيام الجناة باستخدام أدوات بسيطة في قتل أكبر عدد من الضحايا الأبرياء بأسلوب وحشي ممنهج.
وحسب تعريف الأمم المتحدة، يمكن تعريف «الذئاب المنفردة» على أنهم أشخاص يقومون بعمليات مسلحة بوسائل مختلفة بشكل منفرد بدوافع عقائدية، أو اجتماعية، أو نفسية، أو حتى مرضية دون أن تربطهم علاقة واضحة بتنظيم ما، ومن دون أن يكون لهم ارتباط مباشر بشبكة على الأرض المستهدفة.

5000 أوروبي يقاتلون في سوريا والعراق!
وكشف تقرير «اليوروبول » مؤسسة تنفيذ القانون في الاتحاد الأوروبي، في تقرير مفصل عن العمليات الإرهابية والإجرامية في أوروبا لعام 2017 أن ارتفاع عدد العمليات الإرهابية حول العالم عام 2016 وصل إلى 4151 بعدما كان 3633 عام 2015 فيما تم اعتقال أكثر من 700 شخص هذا العام. كما كشف تقرير «اليوروبول» عن تراجع الهجمات الإرهابية في أوروبا من 17 هجوما في 2015 إلى 13 هجوماً عام 2016، ستة منها فقط مرتبطة بما يسمى بتنظيم داعش. ولفت التقرير إلى أن 56 من منفذي العمليات الإرهابية كانوا من مواطني البلد الذي تعرض لهذه العمليات الإرهابية، أي ما يشكل 73 في المائة من مجموع المنفذين، وتضاف إلى هؤلاء نسبة 14 في المائة ممن يتمتعون بإقامة دائمة في البلد الذي نفذت فيه العمليات، أو أنهم وفدوا إليه اعتياديا من بلد مجاور، ولم تتجاوز نسبة اللاجئين بين المنفذين 5 في المائة، مع نسبة 6 في المائة منهم تسللوا بشكل لا شرعي إلى البلد المعني.
وأكد التقرير وجود نحو 5000 أوروبي يقاتلون في سوريا والعراق، وعودة 20% من هذه الجماعات إلى أوروبا من شأنها استغلال حرية الحركة داخل دول شنجن لتنفيذ عمليات إرهابية فيما بعد. وطبقاً لتقرير «يوروبول» فإن أقل من 2% من العمليات الإرهابية، التي تعرضت لها الدول الأوروبية في السنوات الخمس الماضية، تم ارتكابها بسبب دوافع دينية وبنسبة أقل منها عدد العمليات التي قام بها «متطرفون»، بينما تمت العمليات الأخرى بدوافع متعددة انفصالية وعرقية وجماعات يسارية وأخرى فوضوية. وذكر تقرير «اليوروبول» السنوي لعام 2016، عن وضع الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، أنه تم إحباط 142 هجوما، في ثماني دول أعضاء بالاتحاد، شملت هجمات قامت بها تنظيمات جهادية وقومية أوروبية وجماعات أخرى. وأضاف أن 142 شخصاً لقوا مصرعهم في هجمات إرهابية، بينما أصيب 379 شخصا بجروح.
وكشف المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي في تقريره الأخير حول الإرهاب، إلى أن بنية الإرهاب شهدت عملية لا مركزية واضحة من خلال ظاهرة «الذئاب المنفردة» التي غالباً ما تتم عبر الإنترنت. كما أصبح متعذراً القبض على الجناة بفعل هذه «اللامركزية». وهذه الأرقام تؤكد أن العمليات الإرهابية من قبل ذوي الاضطرابات النفسية والاجتماعية زادت جنباً إلى جنب مع العمليات الإرهابية للذئاب المنفردة على خلفية دينية التي شهدت تطوراً نوعياً هي الأخرى، بعد أن حصلت على توجيهات مباشرة يكشفه أحد إصدارات التنظيمات المتطرفة التي حملت عنوان «استراتيجية الذئب المنفرد» لـ«أبو أنس الأندلسي» نشرت في 22 أغسطس 2015.

دوافع راديكالية وأمراض نفسية وراء الاعتداءات

وطبقاً لدراسة معهد «واشنطن إنستيتيوت» لأبحاث الشرق الأوسط فهناك نوعان من الذئاب المنفردة، النوع الأول الذي تقوده دوافع نفسية عاملهُ نفسي. فقد يكون الشخص يعاني تحديات عائلية، أو وظيفية، أو مجتمعية فيقوم بإطلاق طاقته السلبية نحو الآخرين، حيث يقوم بالانتقام من محيطه من جهة، وحتى يشار إليه بالبنان والبحث عن الشهرة من جهة أخرى. أما النوع الثاني وهو الأكثر خطورة وانتشاراً فيكون ذا توجهات عقائدية أو أيديولوجية أو قومية.
ولم يطلق اصطلاح الذئاب المنفردة إلا بعد مباغتة تنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش» الدول الأوروبية والولايات المتحدة بعمليات مسلحة على أراضيها من أشخاص لا يبدو عليهم التدين أو مظاهر التشدد كما يصفها الغرب، بل على العكس نجد أن منهم من يشرب الخمر ويتعاطى المخدرات وله علاقات مع فتيات. وبالفعل قد كشف ذلك تنظيم «داعش» في كتيب الأمن والسلامة باللغة الإنجليزية الذي وضعه أحد عناصر تنظيم القاعدة باللغة العربية سابقا، ويقدم الكتيب نصائح للخلايا النائمة والذئاب المنفردة في الدول الغربية بما يجب فعله وتجنبه حتى لا يتم اكتشافهم. وارتكز دليل الأمن والسلامة لتنظيم «داعش» على كيفية المفاجأة، وتشفير وسائل الاتصال الإلكتروني.
ولعل أكبر معضلة تشكلها «الذئاب المنفردة» هي أن أغلبهم يخرجون من أوساط غير متدينة، ولا يظهر عليهم أي مظهر من مظاهر التدين، ويصعب وضعهم في شق الإرهاب الديني، فأغلب العمليات التي حدثت في أوروبا وأميركا قام بها أشخاص، تم رصدهم عن طريق كاميرات المراقبة، مما شكل هاجساً أمنياً في كيفية تحديد هوية تلك الذئاب إذا كانت جميع المؤشرات التي يمكن تخمينها لمراقبة المشتبه فيه على غرار المنتمين إلى الجماعات الراديكالية في حال ترددهم إلى المسجد، أو إلى المراكز الخيرية فإنهم -على عكس الأفراد الذين رصدتهم كاميرات المراقبة -من السهولة مراقبتهم وتفسير سلوكهم بصورته التراكمية.
وعادةً ما يكون الانتماء إليها من خلال الشبكة العنكبوتية تأثراً بما تنتجه الجماعات والحركات الراديكالية من مواد إعلامية مؤثرة منها على سبيل المثال، نشر صورة طفل ينزف حتى الموت أو امرأة تصرخ للنجدة من ويلات الحروب فإن تلك المواد تسهل عملية الاستقطاب والتطرف وصولاً إلى تنفيذ عمليات دون أن يبعث الشك لدى أجهزة الأمن والاستخبارات لدى الدول التي تستهدف.

مراحل التخطيط والتحضير لعمليات «الذئاب المنفردة»
و?بحسب شهادات داعشية متعددة فإن ملامح عمليات الذئاب المنفردة المنتمية للتنظيم الإرهابي يتم رسمها كاملة داخل الأراضي السورية أو العراقية حتى لو لم يكن الذئب المنفرد مقيماً فيهما. وتسير عملية إطلاقها عبر مراحل أولها تقارير (لجان الرصد) والتي يكون عملها داخل الدول المستهدفة لتحديد الأهداف وفق (الأهمية- الموقع- طبيعة التأمين- نقاط الاختراق- الأوقات الأناس للاستهداف).
وتبدأ المرحلة الثانية في ضوء تحليل المعلومات الواردة من (لجان الرصد) ليتم تحديد نوعية الأسلحة المناسبة للهدف وموقعه ورقعة التأثير المطلوب وعدد الضحايا. ويلي ذلك فعل (فريق التسليح) الذي تنحصر مهمته في إعداد ما يلزم لتنفيذ مهمة الذئب المنفرد الذي يكون دوره في هذه المرحلة هو (معرفة آلية التواصل مع إمدادات التسليح -كيفية التعامل مع السلاح حال وصوله إليه). ويعقب ذلك مرحلة توفير الوثائق والهويات اللازمة حتى وصول الذئب إلى الهدف داخل الدولة المستهدفة، ثم تبدأ مرحلة الإعداد الشخصي لـ«الذئب»، وخلالها يرسم التنظيم بدقة كل ما يخص شكل الذئب المنفرد في رحلته صوب تنفيذ المهمة مثل الملابس التي يتوجب على الذئب المنفرد التحرك بها قبل التنفيذ ويوم التنفيذ، وتغيير ملامح الذئب المنفرد بما يناسب المهمة التي تتطلب أحياناً وشم صليب أو ما شابه، وأخيراً يتم (التجهيز المالي) للذئب، حيث ترصد اللجنة المالية المبالغ المطلوبة لجميع المراحل السابقة وتحدد كيفية إيصالها. وهكذا يتوجه الذئب المنفرد إلى البلد محل التنفيذ وفق الخطة المرسومة له منذ بداية خروجه من سوريا، أو العراق وصولاً إلى تنفيذ العمل الإرهابي الذي تم تكليفه به.

لائحة تشفير لإبعاد «الخلايا النائمة» عن الشكوك الأمنية
«احلقوا لحاكم وارتدوا الملابس الغربية، واستخدموا العطور العامة والعادية التي تحتوي على الكحول، شفّروا هواتفكم».. هذه بعض أهم النصائح التي وردت في دليل «داعش» لخلاياها النائمة أو ما يسمى بالذئاب المنفردة. من كتاب (الأمن والسلامة) 2015». هذا جزء من كتاب مكون من 42 صفحة أصدرته داعش مؤخراً للخلايا النائمة في أوروبا للالتزام به قبل تنفيذ أي عملية، وهو ليس بالكتاب الأول الذي يضع استراتيجية للذئاب المنفردة.
كما صدر مؤخراً نسخة بالإنجليزية للكتيب «الأمن والسلامة » باللغة الإنجليزية الذي كتبه أحد عناصر تنظيم القاعدة باللغة العربية كما يقدم الكتاب النصائح للذئاب المنفردة (the lone wolf) في الدول الغربية بما يجب فعله حتى لا يتم اكتشافهم. وأكد الكتاب على مفاجأة العدو والتخطيط المناسب والمتروي، وبحسب ما جاء في صحيفة «الديلي تليجراف» البريطانية أن الكتاب قدم لائحة التشفير التي يمكن للخلايا النائمة استخدامها لتشفير محتويات الهاتف ورسائل البريد الإلكتروني.
وتتلخص استراتيجية الذئاب المنفردة، أو وفقا لتسمية أخرى تتبناها التنظيمات المتطرفة «التطرف الشعبوي» وهو تكتيك التنظيمات المتطرفة في خلق الخلايا النائمة البعيدة عن الشكوك الأمنية وفقا لدعاية داعش في مفاجأة العدو وتشتيته عبر العمل منفرداً من غير تنظيم كبير. فالجيوش النظامية يصعب عليها مواجهة الحالات المتطرفة الشعبوية السائلة، لأنها تفقد قدرتها على التنبؤ والتوقع في هذه الحالة، كما تتشتت قدراتها الأمنية في متابعة كل هذه المجموعات المنفردة، وتكمن سياسة الأعمال الإرهابية المنفردة هي: «انفروا فرقة من بعد فرقة، ومجموعة بعد مجموعة».
وأشار الباحث محمود البازي في دراسته عن «الذئاب المنفردة» إلى أن الذئاب المنفردة يجب أن تنصهر في المجتمع المحلي الذي تعيش فيه، بحيث لا يبدو شكلهم مثل المسلمين، وهذا يعني أن يحلقوا لحاهم، ويلبسوا ملابس غريبة ولا يصلون بانتظام في المسجد. وقال ؛نعم إنه الإرهاب الجديد وسلاح داعش الأخير ..الذئاب المنفردة».

نشر مركز «البديل» للتخطيط والدراسات الاستراتيجية بحثاً عن من هو الإرهابي وكيف يمكن القضاء عليه. واقترح البحث ضرورة وضع وتنفيذ القوانين والتشريعات الخاصة بالإرهاب من حيث توصيف العمل الإرهابي، أو كيفية التعامل معه بطريقة حاسمة، وسريعة، وتطبيق الجزاءات المناسبة، وذلك لأن قانون العقوبات، والإجراءات الجنائية، وضع في الأصل للظروف العادية، أما ظاهرة الإرهاب وما تمثله من أضرار للأمن القومي فهي ظاهرة غير عادية وتتطلب نمطاً مختلفاً من القوانين في التعامل معها.
وأكد البحث أن التعاون الإقليمي، والدولي لمواجهة أخطار الإرهاب وتجفيف منابع التمويل والتسليح والقضاء عليه تماماً أهم طرق المحافظة عليه. كما أكد أن المؤسسات التعليمية من أهم المراحل التي تساهم في تشكيل شخصيته، باعتبار الفترات التي يقضيها بها، وما تقدمه من مادة علمية، وتربوية؛ لذا تقع على عاتقها المسؤولية، والعبء الأكبر، بعد الأسرة، وضرورة تجديد المناهج الدراسية الجامدة، والمنفصلة، عن الواقع والتي يعتمد أغلبها على حشو المعلومات بغض النظر عن الرسائل التعليمية الموجهة من خلاله، ونظرية حفظ المعلومات فقط لأداء الاختبار، ويُعَدُّ أبرز مثال على المواد التي يمكن إلقاء الضوء عليها، وإدراجها في المناهج التعليمية المدرسية السياسة، والثقافة العامة، وحقوق الإنسان وتاريخ وخطر، الإرهاب على الدول العربية، كل هذه الأمور من شأنها أن تقلِّل بنسبة كبيرة المتأثرين بالفكر الإرهابي، حيث سيصبح لديهم فهم سليم تجاه أي محاولات إرهابية لتدمير أوطانهم ومستقبلهم.
وشدد البحث على أهمية التغيير الشامل في استراتيجية الخطب الدينية، وتكثيفها، إضافة إلى ضرورة التفسير الصحيح للآيات القرآنية، والحديث النبوي الشريف، والرد على الكتب التي يصدرها المتطرفون، والداعمون للفكر التكفيري والإرهابي بكتب أخرى تصدر عن الدعاة والرموز الدينية، والعمل على إقامة الفعاليات، والندوات التي تجتذب الناشئين، والشباب لإبراز المعنى الصحيح للجهاد، وضوابطه، ووضع ضوابط صارمة، على معايير اختيار، أئمة، وخطباء المساجد، ووضع آليات جديدة للمتابعة، الدورية لأنشطة، المساجد، وأحوالها، ونوعية الدروس المقدمة.
وأبرز البحث دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في مكافحة الإرهاب، من خلال تكثيف حملات التوعية بالفكر الإسلامي الصحيح عبر هذه الوسائل، وجذب الشباب لها بالأساليب المبتكرة التي تبتعد عن أساليب النصح الرتيبة، والمملة التي اعتادها الشباب، ومحاولة الحد من المواد التي تتضمن مشاهد عنف حتى لا تصبح أمرًا محببًا لنفوس البعض، ويعتادها الناس.
وفي النهاية، فإنه لا يمكن التصدي للفكر الإرهابي بالقوة العسكرية فقط، وإنما بالقوة الفكرية من خلال التوعية الفكرية للمجتمع، والتنشئة الاجتماعية السليمة، والإعداد النفسي السليم للفرد، وبالتالي بناء العقول المستنيرة الواعية التي لا يمكن زعزعة أمنها، ومبادئها، مهما، تضافرت عليها جهود الإرهاب، والفكر المتطرف.
إلى ذلك، حدد الباحث السوري في شؤون الجماعات المتطرفة محمود البازي 8 أسباب لصعود الذئاب المنفردة هي:
1- الأمراض النفسية والسجلات الإجرامية، حيث ثبت بعد التحقيقات في أغلب الحوادث أن الاضطرابات النفسية والاجتماعية وحب الشهرة والظهور.
2- وعدم اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية هو سبب مزدوج، وبه خطأ من جهة المهاجرين، وتقصير الحكومات الغربية في محاولة اندماجهم وقد بلغت نسبة العاطلين عن العمل من خارج أوروبا ثلاثة أضعاف نسبة المهاجرين من أوروبا.
3- ضعف الأجهزة الأمنية في أوروبا والغرب، وعدم تبادل المعلومات فيما بينهما أدى إلى سهولة حدوث تلك العمليات، فمثلاً محمد بوهلال التونسي المولد المقيم في فرنسا كان معروفاً لدى أجهزة الأمن الفرنسية، ولكنه كان مجهولاً بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الفرنسية، ولكن لضعف التنسيق بينهما لم يتم إطلاع أجهزة الاستخبارات عليه.
4- صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة والخطاب العنصري الذي تنادي به أدى إلى صعود واضح لنجم الأحزاب اليمينية المتطرفة، مثلما حدث في سويسرا وفرنسا والنمسا وهولندا. ففي سويسرا، حقق اليمين فوزاً كبيراً، وأصبح حزب يميني آخر شريكاً في الائتلاف الحاكم في الدنمارك. وفي ألمانيا صاحبة الحصة الكبرى في أعداد اللاجئين، تنشط حركة «بيجيدا» التي ترفع شعار معاداة الإسلام والمسلمين والأجانب وتحرق مخيمات اللاجئين، وتلقي بالقنابل اليدوية على مساكنهم. كل ذلك قد يكون دافعاً إلى قيام هؤلاء اللاجئين بردود فعل معاكسة قد تتجاوز الحد المألوف.
5 - الدافع العقدي أو الديني لبعض عمليات الذئاب المنفردة قد تكون بسبب القتال مع أعضاء تنظيم داعش في معاقلهم في الرقة والموصل وسرت. فبحسب صحيفة «فاينانشال تايمز»، فإن الضربات الجوية على الرقة والتي تهدف إلى كسر عزيمتهم، ينشط من عمل الذئاب المنفردة التي تريد الانتقام وإعلاء اسم التنظيم الإرهابي «داعش».
6- التفسير الخاطئ لبعض النصوص الدينية، فالتشريعات الإسلامية لم تشرع الجهاد في الإسلام إلا لسببين الأول الدفاع عن الدولة وحمايتها والدفاع عن حرية العقيدة ورد العدوان، فعلى سبيل المثال لم تذكر كلمة سيف في القرآن ولو لمرة واحدة، ليأتي المفسرون المتطرفون ويطلقوا اسم السيف على سورة «التوبة»، مدعين أنها تأمر بقتال الناس جميعاً، ناسخين كل آيات الصفح والعفو والتعايش الواردة في القرآن الكريم.
7- اعتماد الجماعات الإجرامية على الأحاديث الضعيفة عن الرسول، عليه الصلاة والسلام، كما تستند إلى فتاوى أشخاص لديهم ضغائن وأحقاد لا علاقة لهم بالدين، وتناسوا كل النصوص الإسلامية الصحيحة التي تدعو إلى المحبة والتسامح.
8- عقيدة الأنظمة المتطرفة كافة واحدة، فعقيدة «داعش» وجبهة النصرة ومعظم التنظيمات متشابهة، والخلاف بينها هو صراع على السلطة والنفوذ ولا دخل للعقيدة.
من جهة ثانية، حددت دراسة أخرى عن «الذئاب المنفردة» 8 حلول للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة هي:
1- إيجاد حلول سياسية، وليست عسكرية ومكافحة الإرهاب، وليس الإرهابيين فقط في كل من العراق وسوريا ومساعدة هذه الدول للتخلص من الإرهاب والقضاء علي منصات داعش وجبهة النصرة وغيرهم.
2- إقامة مراكز إسلامية متسامحة في الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ليكون صوتها أعلى وتأثيرها أكبر في الأوساط السياسية.
3- الاحترام المتبادل بين الثقافات المختلفة، وهكذا الديانات والمذاهب المختلفة فالجميع مطالبون باحترام الثقافات الأخرى وعدم المساس بمعتقدات الآخرين.
4- السعي لإدماج اللاجئين المسلمين وغير المسلمين في المجتمعات التي فروا بها، وإقامة دورات تأهيلية للاندماج الكامل والحد من شعور عدم الانتماء.
5- جمع آراء إسلامية معتدلة من سائر الأقطار الإسلامية تحض المسلمين على التسامح والتعايش مع مجتمعاتهم.
6- حذف النصوص الدينية المغلوطة أو ذات التفاسير الخاطئة، الداعية للقتل والكراهية.
7- حظر المواقع الإلكترونية للتنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى تجنيد الأشخاص وحجب المواقع التي تدعو إلى القتل والكراهية
8 - مراقبة العناصر الفارة من «داعش» في سوريا والعراق وإبقائهم تحت الملاحظة الشديدة.

أبو محمد العدناني.. صانع الذئاب المنفردة
كان أول ظهور لاستراتيجية «الذئب المنفرد» الذي تبناه داعش، عام 2010 من قبل تنظيم (القاعدة) وكان يصف «الجهاد الفردي» كما ظهر في أحد فصول كتاب (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) لـ (أبو مصعب السوري)، مبتكراً فكرة اللامركزية بحيث يتحول التنظيم إلى فكرة عابرة للحدود يعتنقها ويمارس مقتضياتها من أعلن ولاءه للتنظيم ولخصها بقوله: «إن كل مسلم يجب أن يمثل جيشاً من رجل واحد».
في عام 2014، دعا أبو محمد العدناني الناطق باسم «داعش، في تسجيل صوتي له، المتعاطفين مع التنظيم إلى قتل رعايا دول الائتلاف في أي مكان وبأي وسيلة متاحة. والعدناني، هو طه صبحي فلاحة المولود في بلدة بنش بمحافظة إدلب السورية في عام 1977 ويعد من أكثر الشخصيات النافذة في داعش، واعتبر مسؤولاً عن أهم العمليات خارج مناطق وجود التنظيم، لاسيما الهجمات الأخيرة في تركيا وأوروبا تحت ما يعرف عمليات «الذئاب المنفردة».
بايع تنظيم القاعدة قبل أكثر من عشر سنوات، ووفقاً لمؤسسة «بروكينجز» فقد سجنته القوات الأميركية ذات يوم في العراق بين 2005 وعام 2010، حيث التقى لأول مرة مع أبو بكر البغدادي في سجن بوكا. والتحق بتنظيم داعش حينما كان يقوده أبو مصعب الزرقاوي في العراق تحت اسم «دولة العراق الإسلامية». وصنفته واشنطن «إرهابياً عالمياً» وكان واحداً من أوائل المقاتلين الأجانب الذين حاربوا ضد الأميركيين في العراق بعد عام 2003.
أعلن في فتوى أصدرها في سبتمبر عام 2014 عن تأسيس ما يعرف بـ«الدولة الإسلامية». ويعتبر المسؤول الأول عن العمليات الخارجية للتنظيم، وأحد أبرز من أشرفوا على العمليات الدعاية ونشر تسجيلات تحريضية وأخرى بهدف تجنيد المقاتلين أو التشجيع على شن هجمات. أصدر منشوراً في مجلة «دابق» التابعة للتنظيم الإرهابي، يحمل فتوى وتحريضاً على قتل الغربيين في البلدان الغربية التي تشارك في قوات التحالف الدولي في العراق وسوريا.
كان العدناني بين عدد قليل ممن تبقى على قيد الحياة من الأعضاء المؤسسين لتنظيم داعش، إلى جانب أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم. ويشكل مقتل العدناني ثالث ضربة يتلقاها التنظيم خلال 2016، بعد مقتل أبو عمر الشيشاني المسؤول السابق عن «القوات المسلحة» للتنظيم، في الموصل في أوائل العام الجاري، حيث أعلن البنتاجون مقتله في 16 مارس الماضي، بينما أعلن التنظيم مقتله في 13 يوليو.
وأعلن عن مقتل العدناني في غارة جوية في بلدة الباب قرب حلب السورية في 30 أغسطس 2016. حث العدناني على تنفيذ الهجمات على المصالح الغربية في كل مكان قائلاً: إن استهداف ما يسمى بالمدنيين أحب إلينا وأنجع. مضيفاً: «لا عصمة للدماء ولا وجود للأبرياء وإنْ لم تجدوا سلاحاً فادهسوهم بسياراتكم».

لاجئ صومالي: أريد تفجير الأوروبيين جميعاً!

في شهادة صادمة من لاجئ صومالي يعيش في بلجيكا وعضو سابق في حركة الشباب الإرهابية، أعرب عن كرهه للشباب الأوروبي. وقال طبقاً لما نقلته قناة «يورو نيوز» «أنا أحمد.. كنت عضواً في حركة الشباب قبل مجيئي إلى بلجيكا.. هل ترون هذه السيارة؟.. أستطيع أن أفجرها لك أقسم الآن بال.. فقط أعطني بطارية وهاتفين! أنا أريد تفجير الأوروبيين جميعاً.. فليذهبوا إلى الجحيم».

ديفيد روس: إرهاب منظم

أكد الخبير الأميركي في مكافحة الإرهاب ديفيد روس أنه يمكن إدراج هذه العمليات «الذئاب المنفردة» تحت تصنيف «الإرهاب المتوحش» الذي يستهدف قتل المدنين العزل بأدوات بسيطة وتخطيط منفرد من منفذ العملية الذي ليس بالضرورة أن يكون عضواً في داعش أو متأثراً بهم بل قد يكون لديه رغبة في الانتقام من المجتمع لسبب ما. فهناك أنواع عدة من الإرهاب في العالم، الإرهاب على خلفية قضايا دينية متطرفة وأخرى على خلفية قضايا اجتماعية وأخرى مرتبطة باضطرابات نفسية، وبالتالي فإن الإرهاب الديني ليس هو النوع الوحيد من الإرهاب.
وقال روس «عمليات القتل الواسعة حول العالم ليست جرائم فردية بل هو إرهاب ولكنه عشوائي حلّ بدلاً من الإرهاب المنظم المتعارف عليه سابقاً، والكثير من العمليات الإرهابية التي تجري في العالم، وتتحمل مسؤوليتها هذه التنظيمات ليست بالضرورة هي المسؤولة عنها، فهي شماعة في إطار صراع الاستخبارات الدولية، فهذه التنظيمات بالأساس هي صناعة استخباراتية، وكثير من عملياتها تصنع لحساب بعض الدول في صراع القوى العالمية».