الاتحاد

رأي الناس

ما فات وما هو آت

مع بداية عام جديد وتأمل لما فات وتفكر فيما هو آت، ندرك أن الميثاق الحياتي مهما تعددت السنوات وتباعدت المحطات عنوانه «عابرون»، حيث يخالجنا الحنين، وأيّام خوال أمضيناها في واحات الحياة وبريق الأفكار وشغف العيون ودفء القلوب وصدق مكنونات النفوس. مع العام الجديد نستحضر من الذاكرة مقاعد المدرسة والجامعة وساحات العلم تجمعنا، ثم منصات الطموح والشغف تحتوينا وتثرينا، نذوب فيها وتذوب فينا.
عابرون... نقفُ على أطراف شريط الذكريات والحنين يغمرنا، نمرّ عليه بعيونٍ تزاحمها المآقي بقطرات من الدموع على العمر الذي تسرّب دون أن ندري، وفرح يطرب القلب بتجدّد اللقاء مع رفقاء الزمن الجميل من شركاء مقاعد الجامعة بعد ربع قرن أو أكثر من الغياب رغم حضور الألباب، لنلملم شعثنا ونسترجع ذكرياتنا على مائدة الشوق والحنين الدفين، نتجاذب أطراف الحديث عن ترحالنا عبر دوامة زمن التهمت أعمارنا بنهم، ونحن نحثّ الخطى ونرفع الهمم بغية أن نعتلي القمم، ونحقّق الآمال ونحيل ما تحدّثنا عنه في الماضي بشغف يلمع في عيوننا اليافعة وقلوبنا الشابّة إلى واقعٍ نلمسه، وها نحن نتأمّله بعيون يملؤها التعب ووجناتٍ موشّحة بالوهن، نُسائل الزمن عمّا كلّفنا ذلك من ثمن، واليوم ومع عام جديد نلتقي من جديد مع خزائن البوح والذكرى.
عابرون... نربت على الطريق بوقع أقدامنا المتثاقلة وجروح قلوب لم تندمل، نتأمّل ونتذكر أماكن تقطر شوقاً إلينا بقدر ما ملئت في الماضي بظلّنا ومقامنا. ربع قرن وأكثر خطّ أثره على ملامحنا وقلوبنا وعقولنا وعافيتنا، وغيّر شيئاً من تعابير وجوهنا ونفوسنا ومس أرواحنا، إلّا أنّ شيئاً في الأعماق بقي على حاله لم يتغيّر، ربع قرن كلّما ألحّ علينا الشوق أسدلنا الأجفان على ذكرى الزمن الجميل، ربع قرن أو أكثر استغرقنا الطموح حتى يمنّ علينا بجلوس ذاتك الحديثة الرقمية العصرية المتعبة في حضرة ذاتك القديمة العفوية النقية الراضية، ويحلّ الحنين علينا ضيفاً ويستحضر معه عبقَ الماضي الآسر في ربوع البراءة قبل ألم التجربة، بالصدفة البحتة تدرك أنّ ما في جسدك من أسقام وأوجاع وآلام علاجها ناقوس يطرق أبواب الحاضر وذكريات العمر الممتدّ في جداريّة الزمن المنصرم.
عابرون... لقاءٌ واحد بصحبة رفقاء الزمن الجميل كفيل بأن يضعك في مواجهة ذاتك مع ذاتك، لتجد عقلك يسائلك بعد طول غياب، هل أنا ما زلت أنا؟ هل أنا غادرت أنا؟ هل أنا الأمس وأنا اليوم على خلافٍ أم وئام، وماذا عن أنا الغد؟ هل غيرت الأيّام الفتى الهمام، الملاح العتيق، السباح في فروع علوم الحياة والمرتاد لأروقة رواد الفكر الحضاري، واليوم يجلس مع رفقاء دربه الغائبين الحاضرين. هل غيّرته رحلة العمر أم أنّ جوهرة دفينة كامنة في أعماقه يجهل كنهها تلحّ عليه بالشوق إلى ذاته بين الفينة والأخرى...؟ هل غيّرته الأيّام أم فقط تركت أثرها على ملامحه وبنية جسده المتعب المثقل...؟
عابرون... نعرف للميلاد بداية ولا نعرف للرحيل موعد نهاية، ولكن تفاؤلنا بلا حدود وتوكلنا على خالق الوجود الذي أودع فينا أسرار ومكامن قوية لا نعرفها إلا حين تطحننا الحياة تحت رحاها...!
عابرون... أقرب لماضينا القريب الآسر من حاضرنا الغريب الكاسر. فمهما اكتسبنا من دروعٍ ونياشين وشهادات تقدير وتكريم، ستبقى قاسية غربة الأوطان وغربة الإنسان وغربة المكان، وغربة الذات حين تبحث عن الذات وتدرك في حديث رفقاء الدرب أن كلمة السر هي (عابرون) في حضرة عام جديد.

الدكتور - عماد الدين حسين

اقرأ أيضا