أرشيف دنيا

الاتحاد

جاسم مكي: جيلنا تربطه علاقة متينة و «الحالي» صداقته إلكترونية

جاسم مكي أثناء عمله بقسم الإصلاح والتوجيه (من المصدر)

جاسم مكي أثناء عمله بقسم الإصلاح والتوجيه (من المصدر)

قال جاسم مكي رئيس قسم الإصلاح والتوجيه بمحاكم رأس الخيمة، إن قضاء شهر رمضان مع الأجداد له طعم خاص، لم يتذوقه الأبناء، حيث التجمعات العائلية في الفريج، واصطحاب الآباء لأبنائهم إلى المساجد لأداء صلاة الفجر، كما أن الشباب كانت تجمعهم صداقة حقيقية، وينسجمون مع بعضهم بعضاً في جو تسوده الحميمية وهم يمارسون الألعاب الشعبية، وقد استمرت تلك الصداقات إلى الآن، على عكس الأجيال الحالية التي تكتفي بالتواصل عبر الأجهزة الإلكترونية. وأوضح أن الأيام وقتها، لم تعرف ما يمر علينا هذه الأيام من مشاكل زوجية، تصل إلى حد التقاضي، داعياً إلى تدخل العقلاء والمقربين من الأهل لحل المشاكل الأسرية والوصول بها إلى بر الأمان، وتخفيف معاناة الكثير من الزوجات هذه الأيام، اللاتي تتنوع شكاواهن ما بين النفقة وتربية الأبناء والطلاق وتحمل المسؤولية وسفر الأزواج، وقد تعلو أصوات بعضهن أحيانا كثيرة في ساحات المحاكم.

هناء الحمادي (رأس الخيمة)- قال جاسم مكي رئيس قسم الإصلاح والتوجيه برأس الخيمة، إن رمضان في السابق يختلف كلياً عن الآن، حيث كان يقضي أهل الفريج سابقاً شهر الصيام بالطاعة والتقرب إلى الله وقضاء معظم نهارهم بالمساجد، وبتوجه أصحاب العمل إلى أعمالهم أو بقضاء حاجاتهم من السوق، لافتاً إلى أن التواصل والتراحم كانا يسودان الأهالي ناهيك عن التلاحم الذي يجعل منهم أسرة واحدة.
وبين مكي أن أيام رمضان في السابق كانت تتسم بطابع خاص، حيث كانت تجتمع كل عائلة في البيت ليتناولوا وجبة الإفطار معاً، التي لا تخلو من اللقيمات والهريس والأرز والسمك والتمر واللبن، ومن ثم يخرج الناس للتلاقي وعادة ما يجتمع الشباب في الفريج للهو ببعض الألعاب الشعبية القديمة، تلك الألعاب المفيدة التي تنمي من قدراتهم الجسمانية والذهنية، في حين يجتمع كبار السن للتسامر، فيما تتزاور النساء فيما بينهن، وذلك حتى الساعات الأولى من الليل، موضحاً أن هناك دورا فعالا لأبوطبيلة «المسحراتي» الذي كان يجوب الفرجان لإيقاظ الأهالي لتناول وجبة السحور، المكونة من الأكلات الخفيفة وما يكون فائضاً من وجبة الإفطار.
التسامح والعبادة
وقال مكي إن شهر رمضان هو شهر الخير والكرم والمحبة والأخوة بين الأهالي في السابق، الذين كانوا يتميزون بالترابط فيما بينهم وصلة الرحم والتعاون والتكاتف فيما بينهم، ومن العادات القديمة التي كانت لا تفارقهم أداء الصلاة في أوقاتها، حيث يقوم الجميع إلى تأدية صلاة الفجر وبعدها يقومون بقراءة القرآن وكذلك يذهب البعض منهم إلى عمله، وكانوا يمتازون بالأخلاق والتسامح والزيارات فيما بينهم.
وأضاف: في السابق كانت الحياة حلوة وجميلة بحكم طيبة أهلها، ومحبتهم وتكاتفهم وتعاونهم على حلو الأيام ومرها، وإذا كان هناك أي مناسبة فرح أو حزن بالفريج أو المنطقة، فإن الكل كان يقوم بالمشاركة، وكأن هذه المناسبة له وحاصلة عنده.
ويستطرد: رمضان أيام زمان كان خالياً من أجهزة التكييف، التي تُبرد الجو، وكان الصيام في شهر رمضان وقت موسم الصيف متعباً نوعا ما وكانت الحرارة شديدة، ولكن على الرغم من ذلك كنا نؤدي هذه الفريضة والتحمل والصبر والكفاح بالصيام والعمل، حيث كان يستعيض عنها الآباء بالجلوس في العريش ووضع قطعة مبللة من القماش على أحد الأعمدة ليضربها الهواء، فتنعش الأجواء، أو يبلل البعض ملابسه بالماء ويرتديها مرة ثانية لتبرد جسمه من حرارة الجو.
الأيام الجميلة
وأضاف أيام رمضان زمان كانت من أجمل الأيام التي قضيانها في عمرنا ولا نعتقد أن تعود هذه الأيام مرة أخرى، حيث كانت هناك عادات جميلة يمارسها أهل الفريج أو المنطقة الواحدة، وهي التجمع في مكان واحد وتبادل الزيارات والأطباق الرمضانية، فضلاً عن الاحترام والتواصل المستمر ما بينهم.
وعن ذلك يقول: مع ظهور التكنولوجيا الحديثة في وسائل الاتصال أصبحت تبريكات شهر رمضان عن طريق الموبايل أو إرسال رسالة نصية، وعدم تحمل بعض الأشخاص الذهاب إلى أقرب الناس إليه وأن يبارك له بهذا الشهر الفضيل الذي يعتبر شهر الطاعة والرحمة.
وقال مكي: حتى الطعام الذي كنا نتناوله في السابق اختلف كثيرا عن هذه الأيام، حيث كانت الوجبات متشابهة نوعا ما، لأن الحياة كانت بسيطة، أما الآن فيختلف الصنف عن الآخر وتمتلأ المائدة الرمضانية بمختلف أصناف الطعام، ولكن دون مراعاة البعض لقيمة هذه النعمة، حيث توجد عائلات تتكون من ثلاثة أو أربعة أشخاص، يجتمعون على إفطار، يكفي عشرين شخصاً، ويلقى أغلبه في النهاية بسلة المهملات.
ويضيف: رمضان أيام زمان كان له طعم ومذاق مختلف،«لمة» الأهل والأحباب حول مائدة الإفطار العامرة بأشهى وأطيب الأكلات الشعبية القديمة، التي صنعتها أيادي الأمهات والأخوات وليس الخدم أو المطاعم، وكانت المائدة بها حالة من الألفة والمودة والتراحم ما بين الأسر والجيران وبعضهم البعض، القادر يساعد المحتاج من دون منة أو مصلحة في المقابل، وكان لرمضان زمان حكايات وقصص جميلة من الكفاح والأمور الإنسانية الراقية التي نفتقدها الآن في حياتنا العصرية، حيث كان ما يميز هذا الشهر الكريم هو المحبة والتواصل والزيارات ما بين «الفرجان» والأهل، ولم الشمل على مائدة إفطار واحدة، بعكس اليوم، حيث تنوعت الوسائل، التي تلهي أفراد الأسرة عن عبادة وطاعة الله عز وجل، ويقضونها في السهر على المسلسلات والأفلام وعدم زيارة الأهل والأقارب.
وعن كيفية حل المشاكل الزوجية التي تقع بين الأزواج وإن قل عددها في ذلك الوقت، يقول مكي: الحياة الزوجية في السابق كانت مبنية على الحب والتواصل والتسامح، وكانت الأدوار الزوجية مشتركة، فالكل يعمل بجانب الآخر، ومنشغل بتوفير حياة سعيدة لأبنائه، وتربيتهم أحسن تربية، وفي حالة نشوب أي مشكلة بين الزوج وزوجته، غالباً ما كانت صفة الصبر تلازم المرأة قديماً، حيث كانت تصبر على الصعوبات، ولم تكن تفشي أسرارها وخلافاتها للأهل والأقارب، ولم يكن أهلها يعلمون بذلك من شدة خوفها من أن تتسع فوهة الخلاف، لكن البعض من الرجال عندما تضيق به الدنيا ويخاف من معرفة أهله مشاكله يلجأ إلى المطوع «إمام المسجد»، الذي كان يقوم بدور المصلح الاجتماعي في حل المشاكل الزوجية.
أما اليوم فالوضع مختلف فأصبحت المشاكل الزوجية مكشوفة للجميع وفضائح على الهواء، ومن أدنى مشكلة يلجأ الأزواج للمحاكم التي تمتلئ في ملفاتها بالكثير من المشاكل الأسرية، ما بين النفقة وتربية الأبناء وسهر الزوج خارج المنزل وغيرها من المشاكل التي أصبح الزوجان طرفين فيها.
وإلى جانب عمله كرئيس لقسم الإصلاح والتوجيه في رأس الخيمة، فهو أيضا محب لكتابة الشعر منذ عام 3791، حيث يكتب قصائد شعرية، وكان من أمنياته أن يكون مأذوناً شرعياً وقد تحقق له ذلك خلال مسيرة حياته.
ذكريات الطفولة
ويقول جاسم مكي عن رحلة حياته: بدأت مرحلة تعلمي عند المطوعة في منطقة رأس الخيمة، حيث كان بيتنا قريباً من بيت الحاكم آنذاك، والذي تحول اليوم إلى متحف رأس الخيمة يجمع أصالة الماضي وعراقته بين أسواره العالية، ويضم في أركانه تحفا أثرية ومعالم تعود لعصور قديمة ويرجع بناء هذا الحصن إلى أواسط القرن الثامن عشر الميلادي.
ويواصل مكي: بعد ترددي على المطوعة التي تعلمت منها القراءة والكتابة وقراءة بعض سور القرآن الكريم، التحقت بمدرسة القاسمية في أيام الستينيات والتي تعد من المدارس القديمة في رأس الخيمة في ذلك الوقت، وأولى المدارس التي تُعلم الأطفال منهج دولة الكويت.
ومن ذكريات تلك المرحلة التي ما زالت راسخة في بالي، توزيع «السندويتشات» والتي تضم بداخلها «المربى» والجبن، وكان مشرف المدرسة يوزع على الطلبة بدلات المدرسة التي تتضمن البنطلون والقميص، وفي هذه المرحلة التي التحقت فيها بالمدرسة توفي والدي وكان عمري حينها 7 سنوات، لتجبرنا الظروف على الانتقال إلى منطقة أخرى وهي الجزيرة الحمراء مع والدتي واثنتين من أخواتي، لأواصل مرحلة تعليمي في مدرسة خالد بن الوليد.
وقال: هذا الوضع لم يستمر طويلا بل في نهاية عام 1969 انتقلنا للعيش في أبوظبي في بيت خالي، وأكملت الدراسة في مدرسة الغزالي بمنطقة البطين حتى الصف الرابع، ولكن لم يستمر البقاء طويلا في أبوظبي بل عدنا أدراجنا مرة ثالثة إلى رأس الخيمة في منطقة “الحيل” والتي تعتبر مصيف أهالي رأس الخيمة، ولنستقر أخيرا عند الجدة التي عشت في كنفها وترعرعت لأواصل مرحلة تعليمي في مدرسة المنصور بمنطقة الخران إلى الصف الخامس، ثم بعد ذلك انتقلت للدراسة في المعهد السعودي برأس الخيمة، وبعد ذلك عملت في مدرسة الشرطة برأس الخيمة لغاية 6 سنوات، ومن ثم في وزارة العدل عام 1982، ومن بعد ذلك انتقلت للعمل في محاكم الشارقة الشرعية لمدة 8 سنوات تقريبا، وفي عام 1990 انتقلت إلى محاكم رأس الخيمة منذ ذلك الوقت وحتى الآن، ليتم تعييني بحسب الخبرات التي أملكها رئيس قسم الإصلاح والتوجيه.

إضاءة

عمل جاسم مكي منذ عام 1973 خطيبا في مساجد رأس الخيمة، خاصة في جامع الحيل بمنطقة الحيل، وعمل بالرقية الشرعية، ومأذونا شرعيا عام 1985، وفي عام 2006 عين أول مستشار أسري في محاكم رأس الخيمة، وحاليا هو مدير مكتب رئيس دائرة المحاكم، بالإضافة إلى ذلك شارك في العديد من المحاضرات والندوات الزوجية والأسرية.
ورغم مشاغله الكثيرة إلا أن أسرته وأبناءه كل حياته كما يقول، حيث يقضي وقته معهم للحوار والحديث في مستقبلهم، ويحرص في رمضان على التواصل وزيارة الأرحام، وتلاوة القرآن الكريم وحضور حلقات الذكر ويعلم ذلك لأفراد أسرته.

اقرأ أيضا