التسامح، في الأصل، هو فطرة إنسانية، أودعها الله تعالى في قلوب عباده، خصيصة لا تجاريهم فيها أي من مخلوقاته الأخرى. «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات 13).
التسامح، في الراهن، هو شوق إنساني للعودة إلى الصفاء في ينابيعه الأولى، والاستظلال من جديد بطهرانية تبدو مع كل معصية واستعصاء أكثر إلحاحاً من ذي قبل.
بين الفطرة والشوق، جرت مياه عَكِرة كثيرة في أنهار المجتمعات والأوطان. فقد عصفت بالبشر حروب مدمرة ومصالح فتّاكة، ونزعات شهوانية قوامها الاستئثار والإلغاء، والتنكّر للآخر حتى ولو كان صنواً أو شريكاً. ومع شيوع سلوكيات العدوان، راح كل طرف يطرح السؤال على نفسه، وفي وجه الآخرين كل الآخرين: لماذا يكرهوننا؟ فتبدو كل محاولة للبحث عن إجابة، وكأنها تصطدم بسدود تنتصب على حين غرّة، وحوائط تنهض من حيث لا يُحتسب، فيسدّ الجميع على الجميع طاقات النور.
كأنها صرخة في واد. بهذا يمكن وصف دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في العام 1996، الدول الأعضاء إلى الاحتفال باليوم الدولي للتسامح في 16 نوفمبر من كل عام. بدا الأمر، يومها، وكأنه مجرد قرص مسكّن يقدمه طبيب غير ماهر لمريض مصاب بتصلّب في أوردة القلّب، وتجلّط في شرايين الدماغ.
والمؤسف أن الاشتغال على موضوعة التسامح، ظلّت مسألة ذهنية، يقاربها مختصون وباحثون.. وكفى!
وكاد الأمر يبقى على هذا النحو، حتى لمعت من الإمارات العربية المتحدة، بارقة استثنائية في إشعاعها وسطوعها، فقد أصبحت موضوعة التسامح، استراتيجية الدولة ومشروع الوطن.
لقد حوّلت الإمارات، السبّاقة في مبادراتها الرؤيوية، التسامح إلى قضية الدولة بقيادتها ومسؤوليها، وإلى اعتناق فردي ومجتمعي، بل يمكن القول إن الإمارات قد «مأسست» هذه القيمة الإنسانية، من خلال إنشاء وزارة التسامح في فبراير 2016، واعتماد البرنامج الوطني للتسامح يونيو من العام نفسه. واستند هذا النهج إلى قاعدة تشريعية كانت قد أرسيت منذ يوليو 2015 بإقرار «قانون مكافحة التمييز والكراهية».
من أجل هذه القيمة الإنسانية، وتحت ظلال هذا المشروع الإماراتي التأسيسي، يخصص «الاتحاد الثقافي» عدده اليوم بالكامل لـ«التسامح»، تأصيلاً مفاهيمياً، ومقاربة فكرية وفلسفية، وتتبعاً تاريخياً، مع إضاءة واسعة على تجربة الإمارات العربية المتحدة في التسامح.

"الاتحاد الثقافي"