عادة ما يتم تعريف التسامح باعتباره فضيلة أخلاقية عليا، بمقتضاها يميل المرء إلى تقبل أفكار الآخرين وسلوكياتهم، وترجيح الاعتبارات العقلية، بدل إذكاء نيران الأحقاد والضغائن. لقد أصبح التسامح اليوم مطلباً حضارياً واجتماعياً ضرورياً. ففي هذا المنعطف المفصلي والاستثنائي من تاريخ البشرية، حيث أضحى العالم متطرفاً على كافة المستويات: الحروب الأهلية، والمذابح الجماعية. التطهير العرقي للإثنيات: مسلمو البلقان والروهينغا، مذابح قبائل التوتسي والهوتو في رواندا، النازيون الجدد، ضحايا أرخبيل الغولاغ، مسوخ الإرهاب والتطرف. العشرية السوداء في الجزائر.. في كل هذه الفظاعات وغيرها، كيف يمكننا الأمل في غدٍ أفضل دون الرهان على التسامح مهما كان صعباً ومستحيلاً ؟!

لكن هل يعني التسامح أن نترك الأمور تسير كيفما اتفق، أن نتقبل سلوكيات الآخرين مهما كانت مشينة وعدوانية. مثل هذا التسامح ألا يقودنا إلى غياب العدالة؟ بطريقة أخرى نقول: إلى أي حد يمكننا أن نكون متسامحين في كل شيء؟ هل يمكن أن نسامح ما هو غير قابل للتسامح مع من هو ذاته يرفض التسامح؟ يدفعنا التسامح كما تؤكد جميع الأطروحات التي تناولت هذا الموضوع خاصة في سياق الفلسفة الأنوارية {فولتير ـ جون لوك ـ..} إلى محبة الآخرين والانفتاح عليهم. ولكن ما معنى أن أحب الآخر، هل هذا الحب يقتضي مني أن أتركه يعمه في غيه وطغيانه؟
في المقابل إن لم أتسامح فيما هو صعب وغير قبل للتسامح، ففيم إذن يمكنني أن أتسامح؟ إذا كان التسامح لا يطال إلا ما هو قابل للتسامح، ألا يكون بذلك مجرد نوع من الرياء؟ تلكم هي معضلات التسامح التي يجب علينا بسطها والتفكير فيها بكل ما يمتلكه الفكر من حصافة ويقظة.

التسامح عند راينر فورست
يمكن العودة بجذور مفهوم التسامح إلى عصر الأنوار وميلاد النزعة الإنسية. عديد من المفكرين خلال هذه الفترة أكدوا على ضرورة الإعلاء من قيمة الإنسان والحرية الدينية، وذلك ضد النظرة الأحادية للحقيقة والمعتقد الديني التي كانت تفرضها الكنيسة. لقد أكد جون لوك وفولتير من بين آخرين على ضرورة تجاوز الانغلاق الذهني والتعصب الديني وعلى عدم تدخل الدولة في الاعتقادات الدينية للأفراد. تم اعتبار التعصب الديني دافعاً أساسياً للتمزق الاجتماعي والحروب الأهلية، لذلك تمت الدعوة إلى أن يتسامح المرء مع من يخالفه الرأي.
أما في الفلسفة المعاصرة فقد تجاوز موضوع التسامح النقاش حول العقائد الدينية، خاصة الصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية، كي يطال الفلسفة السياسية والحقوق القانونية. إن هذا هو ما نلاحظه عند جانكليفتش وجاك دريدا وراينر فروست Rainer Forst هذا الأخير يعتبر من بين كل الفلاسفة المعاصرين المفكر الذي انكب على تحليل إشكالات التسامح أكثر من غيره. كتابه «التسامح في الصراع» يؤخذ كمرجع لا غنى عنه في هذا الموضوع. يؤكد هذا الفيلسوف الألماني سليل مدرسة فرانكفورت أن التسامح كمفهوم وكممارسة لا يتم استدعاؤه واللجوء إليه، إلا في زمن الصراعات والمواجهات التي تحدث، سواء بين الأفراد أو الجماعات. معنى هذا أنه علينا أن نغير نظرتنا للتسامح كما لو أنه عصا سحرية يمكنها أن تمحي كافة الاختلافات، بل بالعكس من ذلك لا يحل التسامح النزاعات، بل هو بالأحرى ينزع فتيل الخصومات ويدفع الأطراف المتنازعة إلى تبني موقف متسامح، بحيث لا تنمحي أسباب الصراع بصفة كلية، بل فقط يتم خلق نوع من التسويات والموازنة بين المواقف. يقول: «إن وعد التسامح هو أن التعايش المشترك ممكن في الشقاق» (ص1).
هكذا لا يعني التسامح ـ فض الخلاف وإلغائه كلياً، أو تجاوز النزاع الحاصل بين الأفراد، ذلك أن الخلافات والنزاعات في نظره تظل قائمة، وإنما كل ما يمكن عمله هو إيمان هذه الأطراف بضرورة تدبير هذه الخلافات، بدل أن تجعل منها مبرراً للصراع والاقتتال الدائم. بهذا المعنى فالتسامح يحيل إلى ميل المجتمع المعاصر إلى التعايش وقبول الاختلاف والتعدد. إدراك ما إذا كانت الحياة تستحق أن تعاش، والوقوف على الفهم الصحيح للهوية والاختلافات التي تطبع الوجود البشري. (ص 11).
تتجاوز الأطروحة التي يدافع عنها راينر فورست التصور الأخلاقي المبسط أو «الشكل الكلاسيكي المطلق» لمفهوم التسامح. سيصبح هذا الأخير ليس مجرد إلزام أخلاقي فوقي، بل هو ظاهرة تنبثق من داخل الصراعات، رغم أنه لا يلغي ما يمكن أن يتضمنه هذا المفهوم من دلالة أخلاقية. هكذا يحدد راينر فورست بعدين مميزين لمعنى التسامح: الأول له طابع اجتماعي ومؤسساتي، فهو ممارسة تقوم بها الدولة من أجل الحفاظ على النظام العام وضمان الحريات والحقوق. أما الثاني فهو أفقي يجري بين الأفراد أنفسهم، إنه فضيلة أخلاقية تتجلى في تصرفات الناس اتجاه بعضهم البعض. وعلى العموم يظل موضوع التسامح في المجتمعات المعاصرة، مرتبطاً بالبناء الديمقراطي لهذه المجتمعات وبقدرتها على تقبل الاختلاف واحتضانه داخلها، وبحق الآخرين في صياغة الحجج الكفيلة بتبرير مواقفهم.

العالم بحاجة ماسة إلى التسامح في ظل العنف المتفجر (الصورة لأطفال من مسلمي الروهينجا الذين تعرضوا للتطهير الديني)

العفو والمغفرة والصفح
نحن إذن أمام مفهوم مركب تتجاور داخله عديد من الدلالات بينها اتصالات وانفصالات. وعلى العموم يمكننا أن نميز بين ثلاثة معانٍ : المغفرة، العفو أو الصفح ثم التسامح. فالمغفرة أو الغفران يظهر كما لو أنه مفهوم ديني خالص. هنا يقف الإنسان الخطاء تائباً يرتعد خوفاً وقلقاً أمام الله، الذي وحده من يرجو غفرانه ويطلب رحمته. إن مثل هذا الفعل قد لا يكون في استطاعة الإنسان اتخاذه. إننا نتركه ليوم الدينونة، ذلك أن الخطأ هنا ليس شيئاً بسيطاً مما يمكن أن يدخل ضمن هفوات حسن النية، أو الحماقات الصغيرة الناتجة عن الطيش وقلة الانتباه. موضوع المغفرة هو الشر المحض، الخطايا الشنيعة التي يتعذر إصلاحها. «المسامحة ماتت في معسكرات الموت» يقول جانكيليفتش. تلكم الآلام الجسيمة التي لا يغفرها إلا الله، فهو وحده الذي بإمكانه أن يعطينا ما لا نستحقه. أما بالنسبة لنا فهذه الأرواح الشريدة التي لا تعترف بأخطائها ـ كشرط ضروري للمسامحة ـ ليس لها مكان فوق الأرض والله هو من يتولى أمرها. ألا يخدم التسامح في هذه الحالة غياب العدالة وإدامة الشر؟ أن نسامح إذن هو أن نواجه الغير بالحقيقة، أن نخضعه لقوة القانون.
ورغم أن جانكليفتش رفض التسامح في موضوع المحرقة، فإن جاك دريدا يقدم مفهوماً مطلقاً للتسامح. إنه في نظره عطاء من دون شروط أو حدود، إلى درجة أن التسامح الحقيقي يصل إلى الصفح عما نعتبره عادة غير قابل للصفح:«ما يمكننا دائماً أن نصفح عنه ليس هو الصفح». (1)
هكذا فالغفران يمكنه أن يكون إنسانياً أيضاً. ذلك أن مهمة الإنسان هي تمثيل خيرية السماء على الأرض.
لكن الصفح Le pardon قد يتجاوز المجال الديني كي يصبح شأناً اجتماعياً خالصاً. إنه إسقاط العقوبة والتجاوز عن الذنب، اعتبار الخطأ المرتكب كأنه بات شيئاً من الماضي لا يستحق التوقف عنده، سواء كان ذلك بشكل شخصي {التخلي مثلاً عن الثأر} أو بشكل مؤسساتي {تجاوز الدولة عن المتابعة القضائية وإلحاق العقوبة}. مثل هذا المعنى هو ما لا حظنا حضوره بقوة لدى كل الدول التي عاشت ما يعرف بالانتقال الديمقراطي، حيث فرضت عملية طي صفحة الماضي الأليم، العفو عن كل الخروقات والتجاوزات التي حدثت. فالإصرار على إلحاق العقوبة قد يدخل المجتمع في نفق مظلم لا نهائي، والتشبث بالانتقام يشبه عملية ملاحقة الساحرات. هذا هو ما حدث على سبيل المثال في جنوب أفريقيا والأرجنتين والمغرب والجزائر.
يظهر العفو/‏ الصفح كما لو أنه الوسيلة الفعالة كي يستعيد المجتمع عافيته ووضعه الطبيعي. غير أن هذا العفو لا يحدث إلا بشروط محددة، منها الاعتذار الرسمي للدولة اتجاه الضحايا وجبر الضرر مادياً ومعنوياً.
يقع مفهوم التسامح ضمن الدائرة الملتبسة لكل هذه الدلالات. إنه يتضمن نعمة ورحمة الغفران، وفي الآن ذاته عطاء العفو {كلمة العفو Le pardonne بالفرنسية تتضمن فعل العطاء Donner}. في التسامح يعاين الإنسان اللمسة الإلهية La touche devine في أعماق ذاته، حيث يختبر حالة من الوعي الذي يعلو بواسطته على محدودية أناه المتناهية. في هذا المعنى بالذات قال الشاعر الإنجليزي ألكسندر بوب كلمته التي طالما نستشهد بها: «الخطأ إنساني والعفو إلهي». لكن إلى جانب الضمير الديني هناك مسائل السلطة السياسية والبناء الديمقراطي للمجتمعات المعاصر. وسواء تعلق الأمر بما هو ذاتي أو بما هو مؤسساتي، تجد الكائنات البشرية نفسها في مواجهة مباشرة مع ما يخص جوهرها الإنساني. إما أن تنساق وراء الأحقاد والضغائن، ومن ثمة البحث عن الانتقام وإلحاق العقوبة، وإما أن تتعالى على المهانة والإذلال الذي لحقها، متجاوزة الغيظ الذي يأكل قلبها كي تبدأ صفحة جديدة.
لا يعني هذا أننا أمام مفهوم متنافر الدلالة، بل بالعكس تماماً كل هذه المعاني تسير ضمن مراقٍ واحدة. ذلك أن تقديس الله يقتضي بالضرورة قيادة النفس بشكل جيد واحترام كرامة الآخرين. كما تقتضي أيضاً توفير المسؤولية الاجتماعية للدولة في مراعاة حقوق الناس، وهنا يتحول التسامح من مجرد ميل أخلاقي فردي، كي يصبح إلزاماً مؤسساتياً تفرضه القوانين ومواثيق حقوق الإنسان.
سنظل إذن في حاجة إلى التسامح ليس فقط من الناحية الاجتماعية {الحفاظ على الأمن العام ومراعاة حقوق الآخرين}. بل أيضاً من الناحية النفسية الخاصة {تخفيف الضغط النفسي في البحث عن الانتقام}. وإذن فالتسامح ـ خاصة في هذا العالم المعقد للألفية الثالثة ـ يعيد بناء المجتمع كي يتصالح مع تجاوزاته، كما يعيد بناء الذات الفردية نفسها، لأنه يطهرها من الغل والأحقاد والضغائن، ولا أدل على ذلك من كون موضوع التسامح أصبح يتم إدراجه بشكل علمي ضمن طرق الاستشفاء والعلاج النفسي. ولكن يبقى السؤال: هل سيرضى المركب المالي/‏ العسكري الذي ينتعش من خلال الصراعات والنزاعات بين الدول، أن تسود أجواء التسامح في العالم ؟!
...............................................
المراجع
1ـ Rainer Forst, Toleration in Conflict. Past and Present, Cambridge University Press,2013,
2ـ P 28 Jacques DERRIDA, Pardonner. L’impardonnable et l’imprescriptible, Paris, Galilée, 2012