ثمّة مفارقة عجيبة تسكن دوماً مكاناً رمزياً قصياً يختفي في لحم اللغة الحميمة لعبارة التسامح: ومفادها أنّ التسامح يولد دوماً من استحالة ما في التسامح مع شخص أو خطاب أو وضعيّة أو طائفة ما. ومعنى ذلك أنّنا لا نحتاج إلى التفكير بالتسامح إلا متى التقينا بالجهة القصوى من عدم تسامح ما أدّى إلى ضرب من الكارثة التي تبدأ غالباً بالكراهية وتصل أحياناً إلى المذبحة. وفي هذا المعنى صرّح الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا بأنّ الصفح أي الغفران لا يقال إلا على أمر ما لا يمكن غفرانه. وبالتالي فحينما نتحدّث عن التسامح أو الغفران أو الصفح بوصفها تنتمي إلى عائلة لغوية ورمزية واحدة، فإنّ ذلك يفترض ضرباً من العفو أو الاعتذار عن إساءة لا يمكن تبريرها بالعقل ولا التشريع لها بالقانون.

هكذا وُلد مفهوم التسامح تاريخيّا، وُلد من أزمة دينيّة حادّة عاشها الغرب طيلة القرن السادس عشر مع الحروب الدينية (1562-1598) التي ذهب ضحيّتها آلاف من الضحايا بسبب التعصّب الديني بين الكاثوليك والبروتستانت، والتي أرّخت لها بخاصّة مذبحة القديس بارتيليمي المشهورة التي وقعت بين 23 و29 أوت سنة 1572 و«راح ضحيّتها قرابة أربعة آلاف بروتستانتي» وفق عبارة لفولتير ضمن رسالة في التسامح. ولقد بقي الغرب المسيحي طيلة قرون يعتقد أنّه «أن تحبّ دينك معناه أن تكره ديانة الآخرين». وفي هذا السياق الدموي للحروب الدينية دعا المفكّرون إلى ضرورة التسامح من أجل إنقاذ كرامة البشر وحرمة أجسادهم وضمائرهم وعقولهم. ولقد وقّع هذا الفكر القائم على التسامح كلا من لوك وفولتير ضمن رسالتين في التسامح لجون لوك (1679) ولفولتير من بعده سنة 1763. وفي هذا السياق كتب فولتير هذا النصّ المفزع الشبيه ببعض ما يحدث في بلادنا: «نحن نعلم كم هو باهظ الثمن الذي دُفع منذ أن راح المسيحيّون يتشاحنون ويتقاتلون بسبب العقيدة. فمنذ القرن الرابع إلى أيّامنا ما فتئت الدماء تُسفك بغزارة إن على المحارق ومنصّات الإعدام وإن في ساحات الوغى.. فقد جرى نحرهم كالحيوانات الشاردة التي تُذبح في حظيرة مغلقة». ومن أجل ألاّ تتحوّل مدننا مرّة أخرى إلى حظائر مغلقة لحيوانات شاردة، حريّ بنا أن نحصّن عقولنا من ثقافة التعصّب والعنف الديني التي عاشها الغرب المسيحي، فالتاريخ لا يعيد نفسه إلاّ في شكل مهزلة.

تنوير العقول
هذا ما فهمته الإنسانية الحديثة التي انتصرت على المعارك الدينية والطائفية بانخراطها ضمن مشروع تنوير العقول وتربيتها من أجل الانفتاح على قبول الغير واحترام الثقافات الأخرى، بناء على ما سمّاه جون لوك «حريّة المعتقد» و«واجب التسامح». ولقد وقعت ترجمة هذا التسامح التنويري جماليّا في دلالات عدّة منذ كتاب كانط نقد ملكة الحكم (1790) وصولا إلى هابرماس وإعلانه عن الجماليات بوصفها حقلا من حقول المعقوليات التواصلية. وبوسعنا أن نوزّع دلالات التسامح الجمالي مثلما التقطها براديغم الاستيتيقا الحديثة من كانط إلى هابرماس وريتشارد رورتي مرورا بأدرنو على أربعة معان مختلفة: الانفتاح على الكونيّة (كانط)، الفنّ بوصفه ضربا من الإحساس بالذنب إزاء ما يحدث في المجتمع من قساوة (ثيودور أدرنو)، الفنّ بما هو حقل للمعقولية التواصلية (هابرماس)، والتضامن الجمالي مع المتألّمين في العالم عبر تحويل ما يحدث إلى سرديات صغرى (ريتشارد رورتي).
يرسم مفهوم التسامح - إذن - مساحة وسيعة من المعاني تجمع بين الاحترام وقبول الاختلاف والتنوّع الثقافي والتضامن مع المتألّمين والضحايا ومن لم يقع انصافهم، والإيمان بالكونيّة كباحة رمزيّة لاحتضان مفهوم الإنسانية بعامّة. ويمكن للفنّ أن يجمّع كلّ هذه المعاني المتجاورة بوصفه أفقا للخيال الحرّ وفضاء لجماعة ابداعيّة رمزيّة تضمن إمكانيّة تخيّل مستقبل ممكن كلّما ضاق الحاضر وغصّ من بؤس المنتمين إليه.
إنّ الفنّ تجربة كونيّة أو لا يكون. وتلك هي الخطوة الأولى التي تجعل إمكانيّة التسامح ممكنة: أن يؤمن جميع البشر بأنّهم ينتمون إلى إنسانيّة واحدة.. حينها فقط تسقط الحدود التي تغذّي الكراهية والعنف.. وعليه حينما نتقن الانتماء إلى حقل الكونيّة، تنهزم كل الطوائف والديانات العنيفة..وهذا وحده كفيل بتأسيس فكرة التسامح الجمالي على نوع من الانفتاح على الآخرين والاعتراف بهم بوصفهم ينتمون معنا إلى نفس العالم الذي نتقاسمه جميعا، أي العالم بوصفه أفق المعنى الوحيد الذي بحوزتنا. لقد كتب طوني نيغري الفيلسوف الإيطالي يقول: لا نملك غير هذا العالم. ولا يمكننا أن نهرب منه إلى أيّ مكان آخر». ولقد وقّع الفيلسوف الألماني ايمانوال كانط مفهوم الكونيّة الجماليّة في معنى دقيق مفاده أنّ الذات هي قدرة على الحكم أي على التمييز بين ما هو جميل وما هو قبيح. لكنّ معايير الذائقة الجمالية رغم كونها تنبع من الذات فهي تنخرط دوما في نوع من الكونيّة الجمالية. وهنا يظهر معنى التسامح الجمالي عبر انفتاح الذات في جوهرها على الآخر لأنّها تحكم على الجمال وكأنّها تحكم مكان كلّ الآخرين جميعا. فأنا حينما أقول «هذه الوردة جميلة» إنّما أتمنى وأنتظر بل وأدّعي أحيانا أنّ الجميع منخرط معي ضمن هذا النوع من الحكم.. فأنا إزاء الجمال أطلب موافقة الآخرين أي صحبتهم والانتماء اليهم لا على شكل طائفي أو ديني بل على نحو جمالي وكونيّ. فالكونيّة الجمالية هي شكل من الانتماء السلمي المدني إلى العالم بعيدا عن كلّ أشكال العنف والتعصّب وصدام الهويّات. وهذا هو المعنى الأصلي للتسامح بوصفه يعيد إلى البشر قدرتهم على محبّة بعضهم بعضا وتحريرهم من كوجيطو الكراهيّة الملطّخ بدماء الإرهاب.
وأمّا حينما يسقط العالم في قبح معمّم هو قبح الحروب والهيمنة على الأفراد والسطو على مساحة المعنى الممكنة بالنسبة لهم، يتحوّل الفنّ إلى ضرب من الاعتذار عمّا يحدث في العالم من مشاهد القساوة والحروب والعنف المعولم، وهو بعبارة للفيلسوف الألماني ثيودور أدرنو، ضمن كتابه النظريّة الاستيتيقية (1970) شكل من «الإحساس بالذنب» إزاء ما يحدث في مجتمعات الهيمنة، أو هو بالأحرى ذاكرة لتخزين الآلام المتراكمة في ضمير الإنسانية حينما تُصاب بما يستحيل التسامح فيه بالقانون أو بالعقل. وحيثما يعجز العقل إذن عن التسامح، تظهر الحاجة الرمزيّة للفنّ من أجل أن يشهد على ما يحدث، ومن أجل أن يفضح أشكال البؤس والحيف، في ضرب من الإنصاف الرمزي لما استحال إنصافه بالطرق القانونية. وفي هذا السياق يكتب الفيلسوف والكاتب البولوني كالاكاوسكي (1927-2009) أنّ «الفنّ هو طريقة في الصفح عن خبث العالم وفوضاه». وذلك يعني تحديدا أنّ الأثر الفنّي بوسعه إعادة تأويل خبث العالم وشروره من أجل اكتشاف الجمال السريّ الكامن وراء مظهره القبيح. ولقد كتب الفيلسوف الألماني المعروف فريديريك نيتشه في معنى مماثل أنّ «الفنّ وحده كفيل باختراع العالم من جديد». وأنّه في هكذا اختراع للعالم يكمن معنى العفو عنه وتطهيره من قبحه.

فعل تواصل كوني
ومن أجل أن نجسّد مفهوم التسامح الجمالي في أفق الحياة الاجتماعية الحقيقية للبشر، علينا أن نتوقّف عند أهميّة الفنّ بوصفه تجربة تواصليّة قادرة على صقل العلاقات بين الناس وعلى خلق وإبداع المضامين الخياليّة الأساسية التي توسّع من آفاق التعرّف على أنفسنا وعلى الآخرين دونما الاصطدام بهم. فالأثر الفنّي ضمن المعارض الفنّية هو مناسبة للقاء بالآخرين، ولخلق جسور تواصل معهم. وهنا يكون الفنّ مساحة للاعتراف بالتنوّع الثقافي ولخلق آفاق رمزيّة مغايرة للحوار بين الثقافات بدلاً من الانخراط في منطق الحروب ضدّها. وفي هذا المعنى ينزّل هابرماس ضمن كتابه الرئيس نظرية الفعل التواصلي (سنة 1981) الفنّ ضمن دائرة المعقولية الجمالية، وذلك في معنى تنشيط العقلانية التواصلية التي دشنها كانط ضمن مفهوم الحسّ المشترك الاستيتيقي الذي يمكّننا من الانتماء جميعا إلى ضرب من الكونيّة الجمالية التي يجد فيها كل البشر مكانهم دون إقصاء لأيّ شعب أو عرق أو ثقافة. وحده الفنّ يمنحنا إمكانية أن ننتمي إلى الإنسانية، كأروع أفكار العقل البشري، دون أيّة حدود تفرضها الدول أوالديانات أو الجغرافيات الحزينة.
وحيثما ننحاز إلى الإنسانيّة التي تتألّم يكون التسامح أيضا شكلا من إمكانيّة «التضامن مع الآخرين» في نوع من الاعتراف بحقّهم في الانتماء إلينا كأنّهم أنفسنا أو هم يقومون مقام أنفسنا وفق عبارة سعيدة لفيلسوف العرب الكبير الفارابي، أو كأنّهم «الذات عينها كآخر»، وفق أحد العناوين الرشيقة للفيلسوف الفرنسي بول ريكور. وهنا نستحضر مقاربة جمالية معاصرة على أهميّة كبرى هي مقاربة الفيلسوف الأميركي ربتشارد رورتي في كتاب له بعنوان «العرضية، التهكّم والتضامن» (1989) حيث يوقّع منعرجا أدبيا للفلسفة نفسها بتحويلها إلى جنس أدبي. وفي هذا السياق يقترح رورتي أن يجعل من الأدب نوعا من «التهكّم الليبيرالي» ممّ يحدث في عصر ما بعد رومنسي، ما بعد ميتافيزيقي وما بعد إنسانوي. وذلك بوصف الأدب إمكانيّة لصناعة اليوتوبيات الصغرى في عصر نهاية اليوتوبيات الكبرى التي تبشّر بالتغيير الجذري للعالم على الطريقة الماركسية أو بالخلاص الديني على طريقة المسيحية واليهوديّة.
يحدث الفنّ دوما من جهة لامتوقّع بهيج وهو بذلك ينتصر على كلّ أشكال اللامتوقّع المفزعة والبائسة. إنّ الفنّ هو مساحة للتسامح مع ما يحدث في العالم من شرور وقساوة، لا من أجل تبرير هذه الشرور، ولا من أجل الاكتفاء بالبكاء على التعاسة المؤبّدة، بل من أجل وعد البشر بمستقبل مغاير يمكنه فيه أن يأمل السعادة على نحو ما.بهذا المعنى بوسع الفنّ أن يجعل العالم مكانا صالحا للسكن. وذلك بما يوفّره لأنفسنا التي تكاد تنحدر في ضرب من التصحّر الروحيّ المفزع من خيرات رمزيّة من دونها سينمو البؤس بيننا أكثر فأكثر.

خاتمة
- الفنّ ضرب من الاعتذار عن قساوة العالم، لكنّه اعتذار لا يصدر عن خطإ ارتكبه الفنّان بل عن بؤس معمّم لإنسانية تتقدّم على إيقاع الكارثة.
- إنّ الشعوب التي لا تتوفّر على باحة من التسامح الإبداعي في حقّ طاقاتها الإبداعية لن تنجح في الانتماء إلى المستقبل.
- إنّ الانتماء الجمالي إلى العالم هو الشكل الأكثر نجاعة في الانتصار على ثقافة العنف والإرهاب الكامنة في لاوعي كلّ ذاكرة لا تستحضر من ماضيها غير لحظاته الدموية والحالكة.
- بوسعنا الانتماء إلى ذاكرة بهيجة من أنفسنا هي ذاكرة المستقبل، بوصفه مساحة التسامح الوحيدة مع كلّ الذين سيولدون بعدنا.