الاقتصادي

الاتحاد

استشراء الفساد داخل الشركات والمؤسسات الألمانية

إعداد: محمد عبدالرحيم

كُشف النقاب في أوائل سبتمبر الماضي عن أن مئات الأطنان من اللحوم المتعفنة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي ربما تم بيعها لشركات الأطعمة والأغذية في جميع الاتحاد الأوروبية من قبل احدى الشركات الألمانية المحتالة، ولكنها فيما يبدو ليست مجرد الفضيحة الأخيرة التي توجه صفعة للشركات والأعمال التجارية الألمانية حيث إن التحقيقات مازالت تجرى في داخل ثلاث شركات أمنية بعد أن اختفت كمية هائلة من الأموال التي تنقلها هذه الشركات· أما في أروقة صناعة السيارات فقد وجهت اتهامات إلى مديري المشتروات في شركات بى ام دبليو وفولكسفاجن واودى وديملر كرايسلر بتلقيهم رشاوى مالية من الشركات المزودة لأجزاء السيارات، وهنالك اتهامات بالرشى أيضاً يتم التحقيق بشأنها في شركتي ميديا ماركت وساتيرن العملاقتين في مجال الاليكترونيات وكذلك في الأفرع الألمانية لشركتي ايكيا وفيليبس· أما ''اودو شنايدر'' المعني بتنظيم الرعاية للأحداث الرياضية الكبرى فقد تورط في قضية متهم فيها برشوة كبار التنفيذيين في شركة انفينيون المصنعة للرقائق من أجل مساعدته على استمرار تدفق أموال الرعاية·
وكما ورد في مجلة ''الايكونوميست'' اللندنية مؤخراً فإن هنالك فيما يبدو حالة من الفساد والتعفن بدأت تمسك بخناق الأعمال التجارية في جميع الانحاء الألمانية، فهل توارت تلك المبادئ الأخلاقية التي تواضعت عليها الشركات والمؤسسات لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لصالح ثقافة الطمع والجشع والفساد التي أخذت تطل برأسها مجددا؟ إلا أن المؤكد أن المكتب الفيدرالي للجريمة يتفق مع المحامين العامين في الولايات المحلية على أن الفساد فيما بين الشركات والمؤسسات أخذ في الزيادة والنمو حيث كانت معظم جهودهم تنصب في السابق على مكافحة في أوساط موظفي الحكومة والقطاع العام، إلا أن بيتر فون بلومبيرج في مكتب الشفافية الدولية فرع المانيا أي المجموعة المعنية بمكافحة الفساد طفق يحذر من مغبة الاعتماد بشدة على الأرقام الحكومية الرسمية التي اعتبرها عادة ما تخضع للتقلبات من عام إلى آخر حيث تعتمد على من هي الشخصيات التي قبض عليها متورطة والكيفية التي يؤدي بها النواب العامون في هذه القضايا·
ومضى يقول: ''إن الجرائم التي يبلغ عنها ليست سوى الجزء البارز من جيل الجليد''· أما وولف جانج شوبنشتايز كبير النواب العامين لمحاربة الفساد في فرانكفورت فيعتقد بأن 95 في المائة من الجرائم الاقتصادية يجري تنفيذها دون الكشف عنها مما يجعل الأشخاص والعامة يؤمنون بجدوى تقديم الرشاوى، وإلى ذلك فإن الشركات عادة ما تميل إلى عدم الخوض في الإبلاغ عن حالات الفساد التي يتم اكتشافها حيث إن أقل من 60 في المائة فقط من هذه القضايا ينتهي بها المطاف إلى اتخاذ إجراءات قانونية بشأنها وفقاً لدراسة أجرتها شركة كيه بى جى ام المتخصصة في شؤون محاسبة المدراء التنفيذيين في المؤسسات،وفي نفس الاثناء فإن احتدام وشدة المنافسة بدأت تلقى بالمزيد من الضغوط على كاهل المزودين من أجل إعادة تجديد عقودهم بأي ثمن كان· إذ يقول وولف جانج مبينج الذي يدير مجموعة للبحوث في مجال صناعة السيارات أن المزودين للأجزاء وقطع الغيار يمنحون زبائنهم في بعض الأحيان تخفيضاً في الأسعار يعتبرونه ''توفيراً في الحساب الجاري'' وكدفعة مقدمة في العقد المستقبلي·
وبالنسبة إلى العديد من مزودي الأجزاء وشركات السيارات وبعض باعة التجزئة والجملة فإن الرشوة أصبحت تعتبر نوعاً من الممارسة المنهجية المنظمة وجزء لا يتجزأ من السياسة التجارية، وليس أدل على ذلك من أن النائب العام لمدينة فرانكفورت أصبح مكتبه ينوء بأعداد هائلة من القضايا المتكدسة أبرزها تلك المرفوعة ضد شركتي ايكيا وفوريشيا الفرنسية المتخصصة في قطع أجزاء السيارات، إلا أنه يعلم الكثير عن العديد من القضايا الأخرى التي تفوق قدرته على التتبع، فهو يدرك على سبيل المثال وجود شبكة دولية من الشركات التي اعتادت على التهرب من الضرائب إلا أن متابعة هذه القضايا سوف يؤدي إلى تشتيت وإهدار جهود فريقه العامل، وحتى عندما ينجح في القاء القبض على المجرمين غالباً ما ينتهي الأمر بتخفيض العقوبة أو التوصل إلى تسوية من أجل توفير الوقت، وهو الأمر الذي يؤدي بشكل كبير إلى غياب عامل الردع·
بيد أن مكافحة ألمانيا للفساد ظلت تعوقها عدة عوامل أهمها الافتقاد إلى الموارد الكافية وانتهاج اللامركزية في إدارة شؤون الدولة بالإضافة إلى غياب وجود قانون خاص بجرائم المؤسسات والشركات، وهنالك مشروع قانون يجعل من الممكن المقاضاة الجنائية للشركات كان قد تم طرحه إلا أنه رفض من قبل البرلمان، وبنظرة إلى الإحصائيات التي أوردها المكتب الفيدرالي للجرائم فإن ''الجزء البارز من جيل الجليد'' ربما أصبح يخفي في أسفله كميات هائلة من الفساد حيث إن القائمة المسجلة لملتقى الرشاوى في عام 2004 تحتوي على أكثر من 100 موظف حكومي و53 عمدة في سائر المدن الألمانية·

اقرأ أيضا