الاتحاد

ألوان

العاطفة والمنطق

د. سيف علي العصري المفتي بالمركز الرسمي للإفتاء

د. سيف علي العصري المفتي بالمركز الرسمي للإفتاء

أحب أن تسود الألفة بين البشر، أن تنتشر الأخلاق الحميدة، والعادات الرشيدة، أن يَعُمَّ نور الإسلام ورحمته وهدايته الأرض، أرغب في أن نكونَ قُوَّةً كُبرى بحيث لا يُعْتَدى علينا، ونشارك بفاعلية في إرساء قواعد التعايش، أحبُّ وأحبُّ، نعم هذه عواطف وأمنيات جميلة، والواقع يُصَدِّقُ بَعْضَهَا ويُكَذِّبُ بَعْضَهَا.
العقلاء لا يعيشون على العواطف والأمنيات، وإنما يُحَوِّلُون تلك العواطف والأمنيات إلى منهاج ومشاريع وخطط واستراتيجيات.
كَثِيْراً ما نكونُ أسْرَى للعاطفة التي يغيب فيها منطق العقل، فنسعى إلى تحقيق الأمنيات بِسُلُوْكِ طريقٍ خاطئ يُبْعِدُنا عن هدفنا، وربما عاد علينا بأعظم الضرر.
لا يكفي أن يكون مقصودك موافقاً للشرع، بل لا بُدَّ أن تكون وسائلك مشروعةً أيضاً، وأن تنظر في عواقب فعلك. إن مقصود الشريعة هو جلب المصالح للعباد في الدنيا والآخرة، فإذا ترتب على المصلحة التي نسعى إليها مفسدة أكبر وجب علينا ترك تلك المصلحة، وإذا كان العاقل هو من يعرف الخير فيفعله، ويعرف الشر فيتركه، فإن الأعقل منه هو من عرف خير الخيرين، وشَرَّ الشرين.
فإذا استطاع أن يفعلَ الخيرين معاً فعلهما، فذلك أولى من فِعْلِ واحدٍ وتفويت الآخر، ومتى عجز عن فعلهما معاً لسبب من الأسباب اختار أخْيَرَهُما، وإذا استطاع أن يتجنب مفسدتين معاً وجب عليه ذلك، وإذا اضطر لفعل واحدةٍ منهما ارتكب الصغرى لِيَتَجَنَّبَ الكبرى.
الفرق بين الكريم والْمُسْرِف أنَّ الأوَّلَ حكم العقل والمنطق فبذل وأحسن على قدر الحاجة، والثاني حَكَّمَ العاطفة فتصرَّفَ بدون تقدير.
الفرق بين الشجاعة والتهور، هو الفرق بين المنطق والعاطفة، فالشجاعة صبر وثبات واستمرار في تحقيق الأمور الإيجابية النافعة، والتهور اندفاع ومجازفة بدون منطق.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، إنَّ الشجاعة أن تدرك حجم الأخطار، وتنظر في عواقب المواقف، وتتخذ الموقف الذي يُمْلِيه العقل والمنطق، إن سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه انسحب بالمسلمين في مُؤتة ولَمْ يمنعه من اتخاذ هذا القرار الشجاع أن يُقال عنه بأنه فَرَّ من المواجهة، رجع ومَنْ معه من الصحابة إلى المدينة المنورة وكان في استقبالهم الناس والصبيان، ويقولون لهم: أفررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليسوا بالفرارين ولكنهم الكرارون). وامتزاج العاطفة في قانون المنطق هو الغاية المنشودة، فالعاطفة بلا عقل صِنْفٌ من الغباء، والعقل بلا عاطفة ضَرْبٌ من الجفاء.
إنَّ من أكبر الأخطاء أن نقتصر على الخطاب العاطفي في معالجة المشكلات التي مرجعها إلى اختلال ميزان العقل والمنطق، فنعالج الشبهات العقلية بالنصائح العاطفية، إن اللازم هو دَفْعُ الحجة بحجة، كما فعل إبراهيم الخليل عليه السلام مع قومه؛ حيث وجه لهم تلك الأسئلة المنطقية المسكتة، فبعد أنْ قالوا له: {نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: 71]. قال لهم: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 72،73].
وها هو القرآن يوجه تلك الأسئلة المنطقية إلى الجاحدين: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36].
إنَّ استنقاذ شبابنا الذين وَفَدَتْ إليهم الشبهات من كل ناحية لا يكون إلا بعد معرفة تلك المسائل وإدراك حقائقها، والإجابة عليها إجابة تطمئنُّ بها القلوب، وتزول بها الشكوك. وقد يكون للخطاب العاطفي أثر كبير في إزالة الإشكالات، فإنَّ العاطفة غالبة على أكثر الناس، فتغليب خطاب العاطفة بين الأقارب أو الأزواج أو الأصدقاء قد يكون له أثره النافع، وعواقبه الحميدة، ولكن ما ليس بحميد هو أن يَعْتَبِرَ الإنسان عاطفته ومِزَاجَهُ دِيْنَاً يفرضه على الناس قبلَ أن يُخْضِعَ تلك العواطف والأمزجة لميزان الشرع الشريف. وإذا صِيْغَتْ الحكمة والمنطق والحجة والعلم بِلُغَة الحب والعاطفة كان ذلك هو السحر الحلال الذي يُلِيْنُ القلوب ويجذبها، ويُقْنِعُ العقول ويهديها.

اقرأ أيضا