تقارير

الاتحاد

إعادة تقييم حوار الأديان

خلال السنوات الخمس عشرة الماضية قمنا في منتدى الديانات الثلاث في لندن بتطوير نماذج لإيجاد التفاهم بين الناس من ديانات ومعتقدات مختلفة، بتركيز خاص على الطلبة والشباب. وقد أوجدنا خلال السنوات الماضية روابط بين مدارس الأديان المختلفة وعددها حوالي 50 مدرسة من خلال برنامجنا المسمى "ربط مدارس الإيمان".
وفي مناسبات الربط بين المدارس يلتقي صفان أو ثلاثة من مدارس دينية مختلفة في الصباح. وينقسم التلاميذ المشاركون إلى مجموعات صغيرة ويبدؤون بمهمة، مثل إيجاد مشروع فني أو التشارك في قصة. وكما هو متوقع فإنهم ينظرون إلى بعضهم بعضاً بشيء من الفضول والتردد في البداية، حيث إنهم يقابلون أناساً مختلفين عنهم جداً.
وبعد حوالي 25 دقيقة من بدء الجلسة تبدأ همسات معهودة تدور في الغرفة وتزداد مساحة التعارف. إنهم أشخاص صغار يتصرفون كيافعين، يتحدثون عما يتشاركون فيه، ويقومون باستكشاف الفروق. وقد تكون الفروق التي تبرز ذات صلة بأمور الإيمان والتدين، أو اختلاف التصورات الشخصية.
إن أحد الأمور التي تعلّمناها من هذا البرنامج هو أنه على رغم فاعلية تنظيم اللقاءات بين صغار السن من جاليات مختلفة في كسر الصور النمطية، إلا أنها ليست كافية وحدها لجمع الناس وجعلهم يشتركون الأمل بما هو أفضل. وحتى يتسنى لذلك أن يكون فاعلاً يجب أن تكون المشاركة إيجابية وصادقة ومستدامة.
ويبدأ الانخراط الجيد في مجال الديانات من خلال زيادة فهم الناس لطبيعة الآخرين المختلفين عنهم، ليس فقط من خلال عرض الحقائق بما يؤمنون، وإنما بدلاً من ذلك إيجاد فرص لمواجهة واستكشاف الأسئلة وأوجه الاختلاف معاً. وتؤدي التجارب الفردية أحياناً إلى تغييرات إيجابية في المواقف.
وحتى يتسنى تحقيق مقاصد التفاهم والتعارف بين الناس في سياق من التسامح والتعايش البناء، من المهم استخدام مواقف معتدلة والنأي عن أية تصورات مسبقة أو أحكام مجحفة بحق الآخر المختلف.
ثم إن الحفاظ على هذه الروح من التسامح والتعايش يمكن الطلبة من كل المجموعات من بناء مشاعر الاحترام والتفاهم بعمق تجاه الغير.
ويتعين أن تكون هناك عملية إعداد مسبق، وتفكير معمّق لاحق لعملية المشاركة. ومن الأهمية بمكان أن تكون لتلاميذ كل فئة أو ثقافة فرصة لتعلم شيء ما عن التلاميذ الآخرين الذين سيلتقونهم، وأن يعطوا فرصة ومساحة لتفسير ما تعلموه بعد ذلك.
ومن بين الأمور التي يُساء فهمها عادة عن تجارب الانخراط في حوار الأديان هو أن بإمكانه إضعاف إيمان ومعتقدات المشاركين. وبالنسبة لمثالنا، ومن واقع تجارب مشاركين كثيرين، بدلاً من زعزعة معتقدات المشاركين فإن استكشاف معتقدات وثقافات الآخرين يجعل التلاميذ في الواقع يشعرون بثقة وسلامة أكثر في هويتهم. وفي تفكيرهم ما بعد المشاركة يخبرنا الطلبة أحياناً بأنهم أدركوا أنه يجب ألا يشعروا بالخجل من التعبير عن دينهم وأن بإمكانهم مشاركة معتقداتهم مع أناس آخرين حتى لو كانوا ينتمون إلى ديانات مختلفة.
ويعمل منتدى الديانات الثلاث حالياً في أكثر من نصف المدارس الإسلامية في لندن، إضافة إلى مجال واسع من الديانات الأخرى والمدارس غير الطائفية. ونادراً ما عملت أي من هذه المدارس مع هيئة خارج جاليتها. ولذا فإن عملية بناء الثقة تكون بطيئة أحياناً. إلا أننا وجدنا أن استثمار الوقت (أحياناً لمدة سنة كاملة) يستحقّ التعب للتأكد من أن المدارس مستعدة للالتزام بالبرنامج على المدى البعيد.
وفي مثل هذه البيئة الإيجابية بشكل متبادل، يملك القادة الدينيون للجاليات والأساتذة ورجال الدين والأهالي والمسيّرون التربويون القدرة على التصرف كنماذج إيجابية يحتذيها للتلاميذ.
وتشكّل اللقاءات المباشرة عبر البرامج مثل ربط مدارس الأديان وسيلة للتعامل مع التحديات التي تشكّلها التعددية في المجتمعات المتنوعة. وقد يأخذ الأطفال الذين يشاركون في هذه البرامج ما تعلّموه إلى البيت ويعملون على إيصال تجاربهم الإيجابية إلى أصدقائهم وأفراد أسرهم، مشكّلين بذلك وسيلة ربط للوصول إلى المجتمع الأوسع وليصبحوا عوامل محفزة للتغيير الإيجابي والتفاهم والتسامح.

ستيفن شاشوا
كاتب بريطاني

ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند» الإخبارية

اقرأ أيضا