تقارير

الاتحاد

إسبانيا... الهجرة لمواجهة الأزمة

فيما يزداد الوضع الاقتصادي في إسبانيا قتامة وترتفع نسبة البطالة دون وجود مؤشرات على قرب انخفاضها يقرر عدد متزايد من الشباب الإسباني الهجرة إلى الخارج بحثاً عن فرص أفضل، وهرباً من جحيم البطالة الذي بات يطوقهم. فبعد عقد من النمو الاقتصادي القوي والمطرد انتهى الأمر بإسبانيا في 2008 بأزمة خانقة بعد انهيار السوق العقاري وهبوب رياح الأزمة الاقتصادية العالمية التي زادت الوضع تعقيداً، مخلفة وراءها ملايين الإسبان بدون عمل.
ولكن على رغم أن هجرة الشباب أصبحت واقعاً في المجتمع الإسباني، إلا أن الآراء حول تداعيتها تبقى متضاربة بين مَن يرى فيها بعض الفائدة، ولاسيما على المدى البعيد، ومَن يعتبرها نوعاً من استنزاف الأدمغة وحرمان الاقتصاد الإسباني من كفاءات محلية لا غنى عنها.
وعن هذا الموضوع يقول "جيرمان كوبولا" البالغ من العمر 37 عاماً والذي ينوي الانتقال إلى تكساس بالولايات المتحدة مع أسرته وأطفاله الثلاثة بعدما تلقى عرضاً للعمل بإحدى شركات التكنولوجيا: "نحن نترك البلاد بسبب هذه الأزمة، ولكنني أعتقد أن الخبرة التي سنكسبها كجيل في الخارج ستكون مفيدة في النهاية"، ويضيف كوبولا "لقد حصلت على عرض عمل جيد لا يختلف كثيراً عما أقوم به هنا، أما السوق الإسبانية فلم تعد قادرة على احتواء الشركات الصغرى لأن أغلب عملائنا ليس لديهم المال للاستثمار، أو إذا كان لديهم لا يعرفون أين يضعونه".
وبحسب معهد الإحصاء الوطني الإسباني الذي أصدر بياناته حول الجزء الأول من السنة الجارية خلال الأسبوع الماضي فقد تصاعدت موجة الهجرة الإسبانية إلى الخارج منذ عام 2009، وفي الوقت الذي زادت فيه حركة المهاجرين الإسبان بين 2009 و2010 بنسبة 5 في المئة فقد قفزت في 2011 إلى 70 في المئة، وفي الجزء الأول من 2012 صعدت النسبة إلى 45 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية.
ولكن الأرقام التي توردها الجهات الرسمية الإسبانية والتي تضع عدد من غادروا البلاد خلال 2011 في حوالي 62 ألفا، يجب أن تؤخذ بحذر بالنظر إلى صعوبة تحديد الأرقام بدقة وتعقب ظاهرة الهجرة، ولاسيما بين أرجاء أوروبا مفتوحة الحدود التي يسهل الانتقال بين دولها دون أثر. ولكن مع ذلك، عندما صدرت هذه الأرقام في الأسبوع الماضي تبنت وسائل الإعلام الإسبانية والمحللون نبرة متشائمة حول هجرة مواطنيهم إلى الخارج، محذرين من التداعيات السلبية للهجرة على الاقتصاد، معتبرين أن مغادرة خيرة أدمغة إسبانيا من الأطباء والمهندسين والعلماء تحرم البلاد من الكفاءات.
ومن بين الذين غادروا إسبانيا في 2011 كان ثلثهم ممن تتراوح أعمارهم بين 22 و35 سنة، وتشير الإحصاءات أن أغلبهم انتقلوا إلى بلدان داخل أوروبا، وبدرجة أقل نحو أميركا اللاتينية، أو الولايات المتحدة. وفي عام 2011 من بين نصف مليون هاجروا من إسبانيا إلى بلدان أخرى فإن 12 في المئة فقط كانوا إسباناً، حيث إن الباقي من المهاجرين الأجانب المقيمين في البلاد الذين اضطروا للمغادرة بعد استفحال الأزمة، ولاسيما من الاتحاد الأوروبي وشمال إفريقيا وأميركا الجنوبية الذين رجعوا إلى أوطانهم.
ولكن على رغم التخوفات يحذر البعض من أن الموضوع فيه أيضاً كثير من المبالغات، معتبرين أن قضية الهجرة إلى الخارج طبيعية وعادية في ظل الأزمة الاقتصادية التي يتوقع الخبراء أن تستمر لفترة من الزمن، وأيضاً في ظل البطالة التي تضرب المجتمع الإسباني وتطال الشباب بصفة خاصة. وفي هذا السياق يقول "خواكين أرانجو"، الخبير في شؤون الهجرة، وأستاذ علم الاجتماع بجامعة مدريد: "أعتقد أن وصف هجرة الأدمغة ينطوي على بعض المبالغة، كل ما هنالك أننا نفقد الرأسمال البشري وبشكل محدود أيضاً لا يرقى إلى التهويل الذي يحيط بالموضوع، كما أن الأرقام المتداولة هي مجرد تقديرات من الصعب تأكيدها بسبب هامش الخطأ الكبير في مثل هذه الإحصاءات".
بيد أن "خواكين" يؤكد أن موجة الهجرة الحالية من إسبانيا موجودة بالفعل ولا يمكن إنكارها، والسبب هو الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تضرب البلاد وتؤثر على الشباب، ولذا فمن الطبيعي، يقول الخبير، أن يبحث الشباب عن فرص أفضل في الخارج. ويرى البعض الآخر أنه على المدى القريب قد لا تخلو ظاهرة الهجرة إلى الخارج من بعض النقاط الإيجابية، فمغادرة الشباب للخارج بحثاً عن عمل وهرباً من البطالة ستخفف من الضغط على الحكومة وتقلص عدد العاطلين، وأكثر من ذلك أنها ستشكل جيلاً من الإسبان يمتلك خبرة أجنبية وتراكماً في التجربة والكفاءة ستستفيد منه البلاد حالما يرجع هؤلاء إلى الوطن.
وهذا ما يشير إليه "جايل آلارد"، أستاذ الاقتصاد بكلية إدارة الأعمال بجامعة مدريد قائلاً: "أعتقد أن ما يحدث في إسبانيا هو أقرب إلى المغادرة المؤقتة منه إلى الهجرة الدائمة، فأنا أعرف طبيعة الإسبان وارتباطهم ببلدهم، فمهما مكثوا في الخارج سيرجعون لا محالة ومعهم كل الخبرات التي اكتسبوها في الخارج، ولذا لا أرى سبباً للقلق". ويبدو أن هذا الرأي يتفق معه الشاب الإسباني، "كوبولا"، الذي يعتزم الهجرة إلى أميركا، حيث أكد أنه سيعود إلى الوطن ما أن تتحسن الظروف الاقتصادية وتتراجع حدة الأزمة ليجرب حظه من جديد وسط ذويه وأهله.

أندريس كالا
مدريد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«"كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا