الاتحاد

دنيا

السوق القديم·· ذاكرة تندثر

تحقيق ـ ريم البريكي:
السوق القديم حكاية سطرت تفاصيلها بمداد النهضة التجارية التي شهدتها الدولة مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، ففي عام 1971م شهدت أبوظبي ميلاد سوقها المركزي والذي تربع في قلب العاصمة لفترة طويلة، وظل لقرابة 35 عاماً يشكل أحد أبرز معالمها السياحية والمدنية، إلى أن خلعت العاصمة رداءها القديم مرتدية زيها الجديد والذي لا يقل جمالا وجاذبية عن نظرائه في الدول المتقدمة· السوق كان شاهد عيان على حركة التنقل والتطور الذي شهدته العاصمة إلا أنه ظل محتفظا بزيه القديم يجاور على استحياء شموخ المباني المجاورة له، ورغم ذلك ظل السوق القديم أحد أهم نقاط جذب المتسوقين والسواح، وعلامة من العلامات التي يستدل من خلالها على ماضي البناء في العاصمة أبوظبي، هذا السوق سيكتب في نهاية الشهر الحالي آخر سطر في حياته مودعا معه تفاصيل كثيرة لحياة الناس ممن كانوا يترددون إليه·
الاتحاد شهدت ساعات احتضار السوق وصورت بعدستها تفاصيل الأيام الأخيرة للسوق القديم، وسجلت بالقلم ما يقول الناس·
يرى خليل محمد أن وجود سوق يراعي دخل الأسر أمر مهم بالنسبة للمتسوقين من أصحاب الدخل المحدود ممن يجدون في السوق القديم ببضائعه مخرجا لهم من نصب التجار وأصحاب المحلات ذات الأسماء الرنانة، ويقول: 'السوق القديم إلى جانب كونه سوقا تجاريا يستقطب فئات وجنسيات مختلفة بالعاصمة أبوظبي، إلا أنه كذلك يعتبر مزارا سياحيا يرتاده السواح الذين تستهويهم روح الأسواق العتيقة والتي تعكس نوعية معينة من البضائع التي تحمل عبق الشعوب وعرقها'· ويضيف خليل: 'في كل دولة من العالم هناك أسواق شعبية قديمة تؤرخ قصة وحكايات اقتصاد الدولة في فترات مختلفة، وذلك تبعاً لتاريخ الأسواق واستمرار نشاطها'· ويؤكد خليل أن السوق القديم ارتبط بالكثير من الذكريات التي دونتها ذاكرة مرتاديه من حيث قدمه والتي تمتد لسنوات طويلة ارتبطت بنهضة وتطور الدولة خلال فترة السبعينيات، ويضيف: بالنسبة لي أتواجد بشكل مستمر بالسوق حيث أنني أجد جميع ما أرغب به من سلع والتي تتنوع في شكلها، و صناعتها وهذا يجعل الشخص أكثر حرية في اختيار السلع التي يرغب في شرائها ·
تسوق وسياحة
مجدي محمد الشريف (متسوق) يواظب على شراء معظم مستلزماته من السوق القديم يقول: 'كان لموقع السوق القديم أهمية كبيرة في جذب العديد من المتسوقين إليه لكونه يقع في وسط المدينة، وهو يمثل مزارا سياحيا للعديد من زوار مدينة أبوظبي، فإلى جانب قدمه وتاريخه العريق يمتاز السوق القديم بعمارته القديمة الجميلة· وربما يحتاج السوق إلى عملية ترميم وإضافات تتناسب مع طابع المدينة الحديثة الذي تتسم به مدينة أبوظبي، ويضيف الشريف أن التسوق بالسوق القديم له طعم رائع خاصة وأن طابع السوق يختلف اختلافا كليا عن الأسواق الحديثة والمنتشرة على طول رقعة المدينة·
ويرى 'ما شاء الله غلوم' أن السوق القديم حفظ خصوصية العائلات التي تود التسوق في مكان مكشوف وهو أكثر ما كان يميز السوق القديم فهذه الميزة لا نجدها في أي من المراكز الحديثة، ويضيف غلوم: السوق القديم يمثل مصدر رزق للعديد من التجار الآسيويين فهناك العديد من المحال تعيش عليها آلاف الأسر الآسيوية الفقيرة، ويعلق غلوم أن السوق القديم ارتبط لديه بالأسعار الرخيصة والبضائع المتنوعة والتي تمكن المتسوق من اختيار جميع ما يلزمه من سلع في الوقت الذي يقوم فيه بالتسوق دون الحاجة إلى التنقل المتعب من منطقة إلى أخرى كما هو الحال بالنسبة للمراكز التجارية الحديثة والتي تضم عددا معينا من السلع ومن ماركات عالمية تتناسب في أسعارها مع أصحاب الدخل العالي بينما لا تتناسب مع فئة الدخل المحدود·
مصدر رزق
محمد إقبال (تاجر فضة) بالسوق القديم يقول: رغم صغر محلي إلا أنني كنت أسترزق من ورائه ، ولا أتصور أنني سأغادره إلى الأبد، ويضيف إقبال عملت في أنواع مختلفة من التجارة ولكن في نفس المكان، فخلال 18 عاما هي عمر عملي في التجارة بالسوق القديم كونت علاقة طيبة مع زبائني الذين باتوا يعرفونني جيدا ونوعية البضاعة التي أبيعها، ويضيف إقبال أن المشكلة التي سيواجهها التجار الذين كانوا أصحاب محلات في السوق القديم هي ايجاد محلات مناسبة من حيث السعر والموقع، حيث كانت أسعار السوق القديم في مستطاعنا دفعها كتجار صغار· ويضيف: لقد حاولت جاهداً البحث عن محل يكون بنفس سعر الإيجار الذي أدفعه عن محلي الحالي أو قريباً منه،إلا أنني فشلت في العثور على بغيتي لأن إيجارات المحلات في البنايات لا تقل عن (70) ألف درهم وما فوق، وهذا بالتأكيد لا يتناسب مع إمكاناتي المادية ومع إمكانات العديد من أصحاب المحلات، كما أن المحل الجديد بحاجة إلى ديكورات وهذا مكلف للغاية· ويعلق إقبال آمالا على البلدية للنظر في موضوع التجار الصغار وتخصيص مكان مناسب يحميهم من طمع أصحاب المراكز التجارية الكبيرة والبنايات· ويقول: أتمنى أن تتم مراقبة أسعار إيجارات المحال وأن يتم تحديدها بشكل يضمن للتاجر عدم الوقوع فريسة لغلاء التجار الطماعين·
سعر زهيد
سيد مصطفى أحمد (صاحب محل ملابس) يقول: بعد أن وجه إلينا الأمر بإخلاء المحال بغاية الهدم سارع التجار إلى بيع بضائعهم بسعر زهيد، ومع هذا فإن الحركة بالسوق لم تعد كما كانت في السابق حين كانت للسوق القديم مكانة لدى الناس، ويعلق سيد أن الناس اليوم أصبحوا يبحثون عن المراكز الكبيرة، ورغم ذلك كان السوق القديم يوفر لنا قوتنا وقوت عائلاتنا، ويضيف: مثل غيري من التجار بالسوق بحثت عن محل لأقوم باستئجاره ولكنني واجهت مشكلة ارتفاع أسعار المحلات، ولهذا فإنني أفكر في نقل نشاطي إلى إمارة الشارقة حيث أسعار المحال أقل بكثير عنها هنا· ويرى سيد أن البلدية لم توفر لتجار السوق حلولا بديلة حين وجهت لهم أمر الإخلاء· ويقول: كان من المفروض أن توفر البلدية مكانا لتجار السوق، فمركز زايد التجاري الذي كان من المفترض أن ينتقل إليه أصحاب المحلات التجارية بالسوق به عدد محدود من المحلات لا تكفينا كتجار، كما أنه ليس بمستطاع جميع التجار تجهيز تلك المحلات والتي تتطلب أموالا كثيرة لفتحها بالشكل الذي يرضي البلدية، وعن اليوم الأخير له مع محله يقول سيد: أنا حزين جدا لفراقه، لقد أحببته واعتدت عليه، وبعد أن يقضي الإنسان 13 عاما هي عمر علاقتي بهذا المحل يكون من الصعب عليه أن يفقده، كما أن المرء يتألم حين يعتاد على مكان معين ثم ينتهي به المطاف لتركه والبحث عن مكان آخر، حتماً سيكون التأقلم مع الوضع الجديد صعباً ولن يحدث بسرعة·
طمع التجار
مشكلة حجي دولة خان (صاحب محل أحذية) يلخصها لنا من دون أن ينسى همه الأساسي وهو جذب الزبائن، وهكذا يحاول التوفيق بين الحديث معنا وجذب انتباه الزبائن لشراء سلعه حتى ولو اضطره الأمر إلى بيعها برأس مالها، كما يقول، فمشكلته ليست في عناء البحث عن محل جديد يحل محل القديم بل في عدم توفر المقدرة على شراء محل جديد أصلا، فقد بحث عن محل بديل لكنه اصطدم بأسعار باهظة لا تناسب إمكاناته، ووجد أن نهم التجار الكبار لا يقف عند حد المطالبة بالإيجار المرتفع بل يتعدى ذلك الى كونها غير ثابتة، فقد ترتفع في أي لحظة، وسنة بعد سنة حسب أهواء وميول التجار· ويقول حجي ماذا يضمن لنا نحن أصحاب المحال عدم ارتفاع أسعار الإيجارات من قبل أصحاب البنايات والمراكز التجارية؟ ويضيف حجي هناك العديد من التجار ممن أخلوا محالهم بالسوق القديم تعرضوا لهذا الأمر والكثير منهم اضطروا إلى إغلاق محالهم ومغادرة البلاد بعد أن خسروا أموالهم في إيجارات المحال التجارية· ويتمنى حجي أن يقام سوق بديل عن السوق القديم في أقرب فرصة وأن يتاح للتجار القدماء والذين كان لهم نشاطات تجارية بالسوق القديم العودة مجددا للاستئجار بنفس المكان، فإلى جانب ما يمثله السوق من مصدر رزق لهم، فهو مكان عزيز على قلوبهم·

اقرأ أيضا