الاتحاد

منوعات

«مهرجان الحصن».. ذاكرة وطن وحارس تاريخ

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

افتتحت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، أمس، الدورة الجديدة في نسختها الأولى من مهرجان الحصن، بكثير من التشويق ليسرد قصة الأجداد في أجواء متفردة، تضع الحدث في قالب إبداعي، يتماهى فيه القديم والحديث، ليحكي قصص الماضي والحاضر، ويتطلع إلى المستقبل على أجنحة التفاؤل والإصرار، كل العناصر حاضرة لتجعل المشهد بانورامياً، حيث تختزل قصة نجاح قل نظيرها في الأمكنة القريبة والبعيدة.
ساحة الحصن، في قلب أبوظبي، أصبحت نابضة بالحياة، عبر العديد من الفعاليات التي ترحب بالزوّار، للتعريف بالتراث الثقافي، ومشهدها الإبداعي، عبر مجموعة واسعة من صور القرون الماضية وتجليات الحاضر، تعكسها مجموعة من الفنون والتصاميم وفنون الطهي المختلفة، وغيرها من الاستعراضات، الكفيلة بأن تجعل الجمهور يعيش تجربة حية مذهلة ومتنوعة، تعيد إحياء الماضي العريق، عبر مختلف مكونات موقع الحصن الثقافي، كما يسلّط المهرجان الضوء على تراث الحرف اليدوية العريقة والمعاصرة، عبر أجنحة ومساحات تضم السوق القديم، ومحلات التجزئة العصرية، وفنون الطهي التقليدية والعصرية، وعروض الفنون الشعبية والحديثة، حيث صممت الفعاليات لتشبه قصر الحصن العريق، بما يحيط به من مبانٍ شاهقة تطاول عنان السماء، مما جعل المنطقة تتحول إلى موقع تفاعلي مبتكر، قائم على الإبداع والإلهام، من خلال التظاهرة الثقافية التي تخاطب مختلف الأجيال، وترحب بكل أفراد المجتمع، على اختلاف الثقافات للاستمتاع، بأسلوب إبداعي مبتكر، على مدار ثمانية أيام، يتخللها برنامج يومي رائع، يشمل مكونات موقع الحصن الثقافي، بما في ذلك قصر الحصن، وبيت الحرفيين، والمجمّع الثقافي، والمساحات الخارجية.

تنوع ثقافي
وخلال الجولة الصحفية التي قادتها سلامة الشامسي، مدير قصر الحصن، قالت لـ«الاتحاد»: إن الجمهور سيتعرف، خلال ثمانية أيام، على العديد من المجالات، كالفنون والتصاميم والمأكولات والعروض التي تعكس التنوع الثقافي في أبوظبي، حيث يضم المهرجان سلسلة واسعة من الفعاليات الفنية والثقافية، تشمل «المتحف الحي» الذي يُقام في قصر الحصن، بمشاركة مجموعة من الممثلين الذين يعيدون إحياء مشاهد الحياة اليومية لشخصيات من داخل القصر، إلى جانب فعالية «التراث الحي» والتي يقدم خلالها الحرفيون مقتنيات وإبداعات تقليدية، ويستعرضون أساليبهم المهارية في إنتاج هذه السلع، ومنها العطور والمنسوجات والملابس، بالإضافة إلى «مسابقة الطهي الإماراتي» التي تستضيف لفيفاً من الطهاة لتقديم أطباق إماراتية تقليدية ومعاصرة، أما محلات التجزئة فتسلّط الضوء على علامات تجارية إبداعية محلية وعالمية، إلى جانب تقديم عروض موسيقية متنوعة، بين الكلاسيكية والجاز والفلكلور، والفنون الأدائية العصرية، كحفل فرقة الروك الأردنية «جدل»، إلى جانب مجموعة من العروض الشعبية المتمثلة في التغرودة والعيالة والنهمة والرزفة، وغيرها من المشاهد التي ترسخ الثقافة الإماراتية، سواء في البيئة البحرية أو الزراعية أو الواحة أو الصحراء.
وأضافت الشامسي، أن الحدث الذي يستمر حتى 19 ديسمبر الجاري، يحتفي بفرادة الموقع، وأبعاده التاريخية والتراثية والمعاصرة، بمشاركة مختلف شرائح المجتمع والمبدعين، موضحةً أن الفعاليات تسلط الضوء على تاريخ العاصمة أبوظبي، منذ نشأتها إلى أن أصبحت اليوم مدينة عصرية، ومركزاً للإبداع الحديث، حيث يعكس مهرجان الحصن التراث الثقافي في أبوظبي، من خلال برنامج غني بالفعاليات المتنوعة.

تراث غني
وترى الشامسي أن للمهرجان أهمية كبيرة لمنطقة الحصن الثقافية التي تشكل رمزاً نابضاً بالحياة، وعنواناً للتراث والثقافة الإماراتية، ومثالاً حياً على عراقة الإمارات، وأصالة شعبها وتقاليدها المتجذرة في عمق التاريخ والحضارة، كما تعكس تطلعات وطموح شعب الإمارات نحو المزيد من الإبداع، كما يشكل المهرجان جسراً يربط بين تراث أبوظبي الغني وحاضرها النابض بالحياة، بدايةً من مشاهد إعادة إحياء الشخصيات التي عاشت بين أركان قصر الحصن، ووصولاً إلى عروض الحرف اليدوية في بيت الحرفيين، ومكونات الإبداع المعاصر حولنا، وهو ما يتجسّد جلياً في العروض المقامة في المجمّع الثقافي، وغيرها من مساحات التجزئة والأعمال التركيبية الفنية، عبر مساحات منطقة الحصن الخارجية.

رسم في الفضاء
أما ريم فضة، مديرة المجمع الثقافي، فقالت: «إن المهرجان يتضمن العديد من الفعاليات الثقافية والفنية»، موضحة أن المجمع الثقافي يتضمن العديد من الفعاليات الحيوية التي تبهج محبي الفنون وعروض الأداء التي تحييها مجموعات فنية محلية وعالمية، بالإضافة إلى معرضين فنيين للفن المعاصر، كما ينظم المجمع الثقافي عدة ورش فنية إبداعية، ناهيك عن أعمال فنية مبدعة، منها «سفر الأمكنة.. اتجاهات 2019» للفنان محمد كاظم، إضافة إلى عمل للفنانة الكورية جيونجمون شوي، بعنوان «الرسم في الفضاء»، وهو رسم للعالم الافتراضي، من وجهة نظر الفنانة.

رمز ثري.. شاهد على الإبداع
قصر الحصن تاريخ عريق من الأمجاد والثقافة والفن، يجسد رحلة طويلة من المسيرة التاريخية والسياسية لإمارة أبوظبي، بدأت منذ بنائه في القرن الثامن عشر الميلادي، لحماية مصادر المياه، إلى أن تحول البرج إلى حصن منيع، وأصبح شاهداً على مراحل تاريخية مديدة، ليروي حكاية أقدم المباني العمرانية العريقة في أبوظبي، بما يحمله من دلالات رمزية عميقة.
وقصر الحصن من الرموز الثرية على المستوى التاريخي الذي يرسم صورة لطبيعة الحياة التي سادت مجتمع الإمارات، وهو الذي يقف شامخاً حارساً ذاكرة المدينة وأحلامها، حاملاً خبايا رحلتها الممتدة في الزمان.

روح الذاكرة
تقول الفنانة التشكيلية خلود الجابري، عن قصر الحصن، إن المكان يسكن روحها ومخزون ذكرياتها الطفولية والمهنية والفنية، منذ انطلاقتها نحو الفن، ناهيك عن رمزيته الكبيرة في وجدانها، لاسيما أنه ارتبط بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ويعتبر من المعالم الأساسية الصامدة على مر السنين، ويشكل متحفاً مفتوحاً أمام الناس للتعرف عليه واستكشافه من جديد.
وأضافت الجابري: «هذا المكان يعتبر أول عهدها مع الفن، فعندما تخرجت في الجامعة عملت بالمجمع الثقافي الذي كان امتداداً لعراقة المكان، وشكل بداية ولادة مركز يجمع الثقافة والأدب والفنون، لا يشبه أي مركز بفخامته وضخامته ودوره، حتى أصبح حلماً لكل مثقف وفنان وموسيقي، وكان مفتاح الشهرة لجميع من مروا عليه في تلك الفترة، ويمثل أهمية كبيرة في الإمارات وخارجها، حتى ذاع صيته في العالم».

يبقى حاضراً
وقصر الحصن يسكن ذاكرة كثير من الكتاب والأدباء والفنانين، ومن هؤلاء الكاتبة ريم المتولي التي قضت طفولتها في أحضانه، فهي تحفظ طيوره وجدرانه، ولا تزال أصوات شخصياته تسكن روحها، وقالت: «العلاقة التي تربطني بهذا القصر ترتكز على إحساسي بالمكان، ومن المؤكد أن ارتباطي بالمجمع الثقافي – منذ بداية الثمانينيات - حثني على اختيار قصر الحصن ليكون جانباً من جوانب موضوع رسالة الماجستير التي أعددتها آنذاك، تلك الدراسة سمحت لي بتفحّص حجرات القصر بدقة، وتعرّفت على أسلوب عمارته، ودوّنت قصص بعض من عاشوا فيه لأخرج بمادة علمية توضح الكثير من تفاصيله».
وأضافت المتولي: «أثناء عملي في المجمع الثقافي كمسؤولة في مؤسسة الثقافة والفنون، حرصت على إقامة معارض فنية في الحصن ليبقى حاضراً في ذاكرة مرتادي تلك المعارض، فلي في هذا القصر ذاكرة جميلة، مع نخيله الشامخ في فنائه، والرسومات الفطرية التي زيّنت جدرانه الداخلية، وأبوابه الكبيرة والصغيرة، ونوافذه التي تطل على المدينة من جهات أربع، كل ما سبق مكنني من اتخاذ قرار بإصدار كتاب (قصر الحصن - مسح هندسي)، كجزء من ردّ الجميل له، وقد أُنجزت الطبعة الأولى من الكتاب عام 1995، وإلى اليوم أذكر حفل التوقيع، فتلك كانت المرة الأولى التي يتم توقيع كتاب في قصر الحصن».
وعن أهمية قصر الحصن للعاصمة أبوظبي، قالت ريم المتولي: «قصر الحصن ملازم لأبوظبي، فهو أساس قيام المدينة وأول بناء حجري يُنشأ فيها، ومن هنا تنبع أهميته، خاصة أنه كان مرتبطاً بأحداث سياسية مهمة في ذلك الوقت، عندما تم اتخاذ القرار ببنائه نهاية القرن الثامن عشر، ليكون مقر الحكم ومكان الإقامة، ومن خلاله تتم مراقبة الساحل لحماية الجزيرة، وذلك خلال الفترة التي كان صيد وتجارة اللؤلؤ هو نشاط معظم سكان أبوظبي».

قصة نجاح
وكثير من الأدباء والخبراء والفنانين على صلة روحية مع قصر الحصن، ويثمنون عودة المجمع الثقافي إلى دوره الكبير وإحياء إشعاعه ومجده، ومن هؤلاء الخبير التراثي سعيد بن كراز المهيري الذي قال: «إن قصر الحصن يحكي قصة نجاح خالدة، وسيرة حكم آل نهيان وقصة اللؤلؤ في الإمارات، خاصة أبوظبي التي مرت بأكثر من حقبة تاريخية، بحيث يعتبر المعلم التاريخي الرئيسي والسياسي منذ بنائه في القرن الثامن عشر ميلادي، وقد توسع قصر الحصن مجدداً ليعكس هذه الثروة والسلطة، ومع اكتشاف النفط تسارعت وتيرة التغيير في أبوظبي». وأضاف المهيري: «يشكل قصر الحصن بالنسبة لي حالة خاصة، لاسيما أنه كان بداية تبلور معرفتي الثقافية والاجتماعية، حينما دخلته كطالب ضمن رحلة الكشافة سنة 1983، حيث عقدنا اجتماعاً في رحاب القصر، وعملت به بعدما حصلت على الثانوية العامة سنة 1987، بدار الكتب الوطنية، وانتقلت للدراسة سنة 1990 في الجامعة، ورجعت إلى المجمع الثقافي كرئيس قسم شؤون الموظفين».

برنامج ملهم
يجمع المهرجان ما بين التقاليد القديمة، والمبادرات الإبداعية، ووجهات النظر الفنية الملهمة التي تضفي أجواءً احتفالية على العاصمة الإماراتية أبوظبي، عبر برنامج حيوي، تتخلله سلسلة من عروض الأداء والفنون والحرف اليدوية وفنون التصميم، لتتحول منطقة الحصن إلى موقع تفاعلي مبتكر قائم على الإبداع والإلهام، ضمن تظاهرة ثقافية تخاطب مختلف الأجيال، وترحب بكل أفراد المجتمع على اختلاف خلفياتهم.
وأضافت الشامسي: «يقدم الحصن منظوراً جديداً عن تراث إمارة أبوظبي العريق، والمشهد الثقافي المتنامي في أبوظبي، لبث روح الفخر والاعتزاز بهذا التراث وتجلياته المعاصرة، من خلال برنامج ملهم، يشجع الجميع على التفاعل والمشاركة، ويقدم رؤية جديدة عن الواقع الثقافي في الإمارة إلى العالم».

بين الماضي والحاضر
قالت ريم النيادي، مديرة قسم البرامج الثقافية بالحصن، إن المهرجان يرصد الماضي والحاضر، من البيئة البحرية والصيادين المنهمكين في فلق المحار ورمي الشباك، مروراً بالسوق القديم والطهي التقليدي، وصولاً إلى زهبة العروس، وصبغ الملابس والخيم البدوية. وفي الجانب الآخر، يوجد كل ما هو عصري، من منتجات بيت الحرفيين، وألوان وأشكال معاصرة، من وحي قصر الحصن والمجمع الثقافي.

اقرأ أيضا

على هامش «العين السينمائي».. «روشتة» علاج لأوجاع السينما الخليجية