الاتحاد

الاقتصادي

في ظل بوادر عودة الحمائية: دعوات تحرير التجارة العالمية في مهب الريح

محمد شمس الدين (أبوظبي)

عندما نتحدث عن تحرير التجارة العالمية وفلسفة التحرر الاقتصادي التي تقضي بإزالة كل العوائق والحواجز أمام حرية التجارة العالمية، فإننا سنتحدث حتماً عن العولمة كثقافة داعمة لتبادل المصالح. ورغم الجهود التي قادتها دول كبرى ومنظمات دولية، في صدارتها منظمة التجارة العالمية، فإننا في نهاية المطاف نجد أن الرياح تأتي أحياناً بما لا يكون في أدنى درجات الحسبان أو المنطق. فقد أصبحت هناك بوادر لحرب قد تندلع بين الأقطاب التجارية، بسبب بوادر التوجهات الأخيرة للولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد عالمي. وكما تقول القاعدة، فإن لكل فعل رد فعل، ما يجعل تبني الأقطاب التجارية الدولية الأخرى ردود فعل تأتي في ذلك السياق بمثابة مخاطر للعودة للحمائية مرة أخرى. فقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقب توليه مقاليد الحكم أول يناير الماضي، بإعادة النظر في بنود اتفاقية «نافتا» مع الجارين المكسيكي جنوباً، وكندا شمالاً، ودعاوى تقليل تدفق العمالة المكسيكية، والانسحاب من مفاوضات التجارة عبر ضفتَي المحيط الهادئ والتهديد بفرض رسوم على الشركات الأميركية التي تذهب إلى دول الآسيوية، كلها معطيات قد تسهم في تعزيز الانعزالية التجارية، ليس للولايات المتحدة فحسب ولكن للأطراف الشريكة لها، فضلاً على الدول ذات الثقل النسبي كالصين التي تعد ثاني أكبر اقتصاد عالمي.
ولكن السؤال: إلى أي مدى ستتأثر طروحات تحرير التجارة العالمية بذلك؟ إذ من المتوقع ومن البدهي، أن لا تقف الأطراف والدول المتضررة مكتوفة الأيدي، وهو ما يعني أن أيديولوجيا تحرير التجارة وفتح الأسواق وتذليل العوائق، ستشهد انتكاسة. والسؤال الأهم: هل ستتأثر المكانة والمصالح التجارية لدولة الإمارات مع تزايد الحمائية، أو حتى إذا اندلعت حرب تجارية عالمية؟
استطلعت «الاتحاد» آراء عينة من الخبراء في هذا الصدد، ولم يستبعد الخبير الاقتصادي الدكتور هاني عطا، عدداً من المؤشرات التي قد تهدد تحرير التجارة العالمية، وبالنظر إلى ما تم من إجراءات خلال الأيام العشرة الأولى لتولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، سنجد أنه كان تنفيذاً لجزء مما وعد به خلال حملته الانتخابية، ما يمثل تغيراً جوهرياً في السياسة الاقتصادية الأميركية، التي بدأت تتبنى سياسات مضادة لاتجاهاتها الليبرالية وسياسة العولمة، وتتراجع عن المواقف التي تزعمتها طيلة العقود الأربعة الماضية، والداعية إلى تحرير التجارة العالمية.
ووقَّع الرئيس الأميركي ترامب، خلال الأيام العشرة الأولى من حكمه، أمراً تنفيذياً تنسحب الولايات المتحدة بموجبه رسمياً من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ «TPP»، التي تجمع 12 دولة (أستراليا، وبروناي، وكندا، وتشيلي، واليابان، وماليزيا، والمكسيك، ونيوزيلندا، والبيرو، وسنغافورة، والولايات المتحدة، وفيتنام) التي تمثل مجتمعة نحو 40% من الاقتصاد العالمي، وإعلان نية أميركا بدء إعادة التفاوض مع كندا والمكسيك، للحصول على شروط أفضل بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «نافتا»، المبرمة عام 1994، وأيضاً تهديد ترامب بمعاقبة الشركات التي بنت مصانع في المكسيك بدلاً من أميركا، وإمكانية فرض ضرائب ورسوم الجمركية على البضائع المستوردة لحماية السوق الأميركي.
وأكد عطا أن هناك الكثير من الآثار السلبية المحتملة على الاقتصاد العالمي بشكل عام والاقتصاد الأميركي بشكل خاص ستتضح خلال الفترة المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الإدارة الأميركية الجديدة في تعطيل سير بعض الاتفاقيات التجارية العالمية، وإيقاف تحرك نظام العولمة، واتباع نهج الحمائية الذي بدأت في الحديث عنه في الأيام السابقة، والذي يهدف إلى فرض الضرائب والرسوم الجمركية على البضائع المستوردة بشكل عام أو المستوردة من بعض الدول، خصوصاً الحدودية، أو الصين، دون الالتزام بالضوابط التي وضعتها منظمة التجارة العالمية لفرض أي ضرائب جمركية أو رسوم أعلى من الواردة بجداول التزاماتها.
وأضاف الخبير الاقتصادي هاني عطا، أنه إزاء تلك المؤشرات المقلقة فإنه من الممكن أن يدخل النظام الاقتصادي العالمي في حالة فوضى، وأن تتعرض المنتجات الأميركية للمعاملة بالمثل، ما قد يسوق العالم في النهاية إلى حرب تجارية، قد تنتهي بعزلة للاقتصاد الأميركي، وفقدانه لعرش قيادته الاقتصادية للعالم، وربما تؤدي إلى انهياره في الأجل البعيد. ويرى عطا، أنه ليس من مصلحة العالم أو الولايات المتحدة اتخاذ هذا المنحى، الذي سيكلف الجميع الكثير من الخسائر، ولن يُوجد رابح في ظل الحرب التجارية التي ستنشأ، كما ستكون الولايات المتحدة من أكبر الخاسرين فيه، لأن فرض الحواجز قد يعيد بعض الوظائف إلى الاقتصاد الأميركي، ولكن ليس بالقدر الكبير المتوقع، لأن معظم المصانع الحديثة تعتمد على الآلات والمعدات الحديثة، وبالتالي فإنه ستعود بعض الوظائف ولكنها ليست بالكم الكبير جداً، كما أن معظمها سيكون من الوظائف عالية المهارات التي تحتاج إلى عمالة مؤهلة ومدربة وليست من الوظائف التقليدية، كما أن هذا النهج قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات التي ستباع في السوق الأميركي، ما سيؤثر سلباً على رفاهية المستهلكين.
من جهة أخرى، قال الدكتور أحمد البنا، الخبير الاقتصادي، إن الاتجاه الحالي لإدارة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، لن يكون له أثر ملموس أو كبير على التجارة العالمية. وأضاف «ليس معنى انسحاب الولايات المتحدة من مفاوضات اتفاقية التجارة بين ضفتي المحيط الهادئ أو إعادة النظر في بنود اتفاقية النافتا، أنها ضد فلسفة التجارة الحرة، بل هي إعادة هيكلة لحساباتها مع الأطراف الأخرى بما يضمن لها تحقيق المزيد من المصالح والمكاسب».
وأوضح أن هناك أنواعاً عديدة من الاتفاقيات التجارية، بدءاً بالثنائية بين دولتين، مروراً بالاتفاقيات الإقليمية (دول مجلس التعاون أو الاتحاد الأوروبي)، وصولاً إلى الاتفاقيات متعددة الأطراف أو الدولية (اتفاقية منظمة التجارة العالمية)، هذا التعدد يعني أيضاً تعدد المسارات والسيناريوهات، ما يدفع إلى استبعاد أي تأثير لانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات ثنائية أو حتى إقليمية كمفاوضات التجارة الحرة بين جانبي أو ضفتي المحيط الهادئ. وأشار إلى أن الولايات المتحدة لديها منذ فترة طويلة اعتراضات على بعض البنود الرئيسية في اتفاقية منظمة التجارة العالمية ذاتها، إلا أن هذا لم يضر كثيراً بحركة أو أيديولوجيا التجارة العالمية.
وحول أي تأثيرات سلبية مرتقبة تطال الوضع الاقتصادي لدولة الإمارات؟ أكد الخبير الاقتصادي أحمد البنا، أن دولة الإمارات تمتلك بفضل الله تعالى شبكة واسعة من الشركاء التجاريين، ما يمنع تعرضها لأي تأثيرات تنتج عن صراعات تجارية بين دول أو حتى تكتلات، لأن الفلسفة الاقتصادية لدولة الإمارات، هي الانفتاح على الجميع والسعي لتحرير الأسواق العالمية، كما تحتفظ بعلاقات متوازنة في ذلك الصدد بما يتيح لها الاختيار وتعظيم حسابات المكسب وفقاً لتعاملها مع كل طرف بمفرده.
من جانب آخر، يرى الخبير الاقتصادي رضا مسلم، أن ما حدث من تحركات أحادية الجانب صادرة من الولايات المتحدة عقب تولي دونالد ترامب مقاليد السلطة، تدعو للقلق حول مستقبل التجارة العالمية بداهةً، متوقعاً تراجع ترامب عن «الوعود الانتخابية» في الفترة المقبلة، في إطار مراجعة الموقف وقياس ودراسة التأثيرات المرتقبة على الاقتصاد والمصالح الأميركية.
وأكد مسلم، أن الولايات المتحدة الأميركية تعلم أن لكل فعل رد فعل، كما تعلم جيداً أن الأطراف المتضررة لن تقف مكتوفة الأيدي، خصوصاً الصين، والدول الآسيوية وكذلك المكسيك، وكل تلك الأطراف في حالة ترقب على كل المستويات الاقتصادية والسياسية، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستتراجع عن كل هذه التحركات، ما يعيد دفة الاستقرار لسفينة التجارة العالمية ويعزز آليات التحرر التجاري بناءً على أن الجميع يسعون لتبادل المنافع والمصالح.
واستبعد مسلم، أن يؤثر التناطح الاقتصادي المرتقب بين القوى التجارية العالمية خصوصاً الولايات المتحدة والصين، إذا اندلع، على المصالح والمكانة الاستراتيجية لدولة الإمارات العربية المتحدة لتنوع شركائها ولأنها بوابة عالمية للتجارة الدولية في الشرق الأوسط، ولتوافر تسهيلات لوجستية غير مسبوقة، تجعل كل الدول تحرص على تعزيز علاقاتها التجارية ويحد من أي تأثيرات سلبية غير متوقعة.

اقرأ أيضا

كيف تطورت تقنيات الاتصال إلى الجيل الخامس؟