الاتحاد

رأي الناس

إنها علاقة الماء بالعطش

حبٌ غريب من نوعه، مبني على التناقضات، فهو امتزاجٌ بين الخوف والأمل، الخسارة والربح، الذهاب والإياب، الماء والعطش.. والكثير من التناقضات التي رسمت هذه العلاقة.
كيف نشأت علاقة بين اثنين تتنفس كل هذه التناقضات لتعيش؟!
إنها علاقة البحر بصاحبه البدوي ابن الإمارات.
سألته وهو يعود بذاكرته إلى الخلف، وكأنه يشُم رائحة البحر ويغوص فيه إلى الأعماق كما يغوص في ذكرياته
«كيف نشأ هذا الحب بين البحر وبحاره؟!»
فأجاب جمعة بن حثبور الرميثي الخبير في التراث البحري في دولة الإمارات العربية المتحدة «كان وسيلة العيش.. أي كان الوسيلة لكي نبقى على قيد الحياة»
فتساءلت: وكان أيضاً وسيلة ً للموت؟!
«هذا هو البحر، إنه عدونا وصاحبنا في ذات الوقت».
ثم أردف «الحياة كانت صعبة في ذلك الوقت، والموارد محدودة، لا يصبح أي رجل غواصا إلا من كان على قدر التحدي والمسؤولية، يعلم أنه سيذهب بقدميه إلى الأخطار وربما لن يعود.. رحلة ربانها الأمل والخوف معاً».
كان عمر بن حثبور تسع سنوات فقط عندما كان يتعلم عند درويش بن كرم حفظ القرآن وتلاوته، وفي ذات العمر ينظر إلى البحر من خلال عيني أخيه الأكبر الذي أخذ بيده ليبدأ معه الرحلة.
أبحرنا معاً في رحلة كنت أظنها ستطول لساعة من الوقت ولكنني نسيت أن البحار يشبه بيته البحر، حديثه مطول كطول باله الذي يحتاج إليه في مهنته، وكعمر أنفاسه التي يحبسها لأطول وقت ممكن في الأعماق.
يقول «كنت في سن الحادية عشرة عندما ذهبت في أول رحلة بحرية طويلة، استمرت مدة تسعة أشهر، وكان أجري عليها ثلاث روبيات فقط».
يعلمنا البحر قيمة الأشياء، إنه عظيمٌ في دروسه كعظمة هيجانه وعمقه واتساعه، يعلمنا قيمة الرزق ويصبح للعدد والموازين قيمة، فمثقال اللؤلؤ يختلف كثيراً إن كان خمسة أو عشرين مثقالاً تلك التي يحملها المركب، فبعض الهيرات كنز يدر على غاصته المحار الكثير فيملأ جيوب مركبهم باللؤلؤ، وبعضها الآخر قد لا يأتي بنصف مثقال حتى.
رحلةٌ قد لا يعود منها من يذهب إليها، كلها جهد وتعب وصبر ومحاربة من أجل البقاء والنصر معاً، ورغم ذلك تنتهي ببضع روبيات تعلم صاحبها القيمة المادية والمعنوية معاً.
البحر يعلمنا قيمة الوقت، فالعمر مجموعة أنفاس، وكل نفس يأتي أو يذهب للغواص محسوبٌ عليه.
يخبرني بن حثبور «كان للغواص وجبة واحدة فقط في اليوم، نصيب كل واحد تمرتان، و3 شربات من الماء فقط، كنا نحتسي فنجانين من القهوة، وإذا رأى النوخذة أحدنا يحتسي الثالث فإنه يرده».
كل شيء له قيمته، حتى رشفة القهوة أو شربة الماء، حيث على الغواص أن يبقى معدته فارغة لكي يساعده ذلك على الغوص، فهو يبقى تحت الماء منذ شروق الشمس وحتى غروبها بحثاً عن بياض اللؤلؤ في ظلمة البحر العميق.
يتحدث بن حثبور عن دور المرأة في هذه المهنة فيقول «كنا نستطيع أن نخاطر بحياتنا، ولكن ليس ببيتنا وأولادنا، إلاّ أن المرأة كانت عمود البيت ومدرسة الأولاد الأولى، كنا نثق بأنها ستسد غيابنا وستكون رجل البيت حتى عودتنا»، وهكذا يخبرنا بن حثبور، لو أن للبحر لسانا، لكان أخبر جيل اليوم عن الكثير، لأخبرهم بقصص الصبر والجد والكفاح، لأخبرهم عن التلاحم والترابط الذي كان يجمعنا نحن البحارة وأسرنا من صغيرنا حتى كبيرنا، لأخبرهم عن المعاناة التي عاشتها البنت أو الأم أو الزوجة وهي ترقب نصفها العائد من البحر أو ترثي رحيله
البحر لم يكن فقط وسيلة حياة بالنسبة لنا
بل إن البحر لخص حياتنا بأكملها..
براءة غانم

اقرأ أيضا