الاتحاد

تقارير

كاميرون.. هل يحتوي دعاة «الخروج»!

بعد أن أقنع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الزعماء الأوروبيين بإبرام اتفاق لدعم استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، واجه يوم السبت الماضي تمرداً داخلياً، حيث ظهرت حكومته منقسمة حول ما إذا كانت ستؤيد خروج البلاد من التجمع السياسي والاقتصادي الأوروبي الذي يضم 28 عضواً.
وفي اجتماع نادر لمجلس الوزراء يوم السبت- الأول منذ حرب فوكلاند العام 1982- حاول كاميرون حشد تأييد كبار الوزراء لقضية بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي عند إجراء الاستفتاء في شهر يونيو.
وجاء الاجتماع بعد ساعات من توقيع رئيس الوزراء اتفاقاً في بروكسل مع نظرائه في الاتحاد الأوروبي، قال: إن من شأنه دعم موقف بلاده في التكتل القاري.
وقد تضمن الاتفاق تقديم تنازلات في عدة مجالات، من بينها حماية العملة والهجرة، وجاء فقط بعد يومين من المفاوضات الماراثونية الحثيثة.
ولكن مع حملة الاستفتاء الجارية في بريطانيا، كانت هناك انشقاقات كبيرة في المواقف من قبل بعض كبار المسؤولين في الحكومة، ما يعكس الانقسامات المريرة في حزب المحافظين الذي يتزعمه كاميرون بشأن عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي. وتظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين ككل منقسمون تقريباً بالتساوي.
وفي حديثه يوم السبت أمام مقر الحكومة في «10 داونينج ستريت»، أعلن كاميرون أن البريطانيين سيبتون في المسألة يوم 23 يونيو، ليعطي كلا الجانبين أربعة أشهر لإقناع الناخبين. وكان كاميرون قد وعد أولًا بإجراء الاستفتاء في 2013، ليخضع لتيار قوي من المتشككين في الاتحاد الأوروبي الذين يتغلغل مدّهم في المشهد السياسي البريطاني منذ عقود، على نحو لا مثيل له في أي مكان آخر في القارة.
وجدير بالذكر أن خروج بريطانيا لو حصل سيكون هو الأول من نوعه في تاريخ الاتحاد، ويمكن أن يهدد مستقبله من خلال تعزيز مواقف قوى مناهضة للاتحاد الأوروبي في مختلف أنحاء القارة.
وهناك كذلك مخاطر عالية بالنسبة لبريطانيا في حال الانسحاب. وفي هذا الصدد، قال كاميرون: «إننا نقترب من واحد من أكبر القرارات التي واجهتها هذه الدولة في تاريخها». وأعلن أن غالبية حكومته كانت توصي بأن يصوت الشعب البريطاني من أجل البقاء، وأضاف: إن انسحاب بريطانيا سيلحق بها ضرراً بالغاً لكونها ستحرم من شركاء حيويين. وقال: إن «ترك أوروبا سيهدد أمننا القومي والاقتصادي».
ولكن بعد دقائق من حديث رئيس الوزراء، أعلن ستة وزراء في الحكومة أنهم بصدد تحدي كاميرون والتصويت لصالح «الخروج». وقد خالف كاميرون التقليد السياسي البريطاني من خلال السماح لوزرائه باختيار أي من جانبي النقاش الخاص بالاتحاد الأوروبي، بدلًا من مطالبتهم بالولاء والتزام جانب التحفظ المهني.
ولم تكن انقسامات يوم السبت مفاجئة، فقد سبق أن وجه الوزراء الستة انتقادات حادة للاتحاد الأوروبي في الماضي. بيد أن موقفهم هذا يعكس مدى الانقسام السياسي والاستقطاب الواسع الذي من المرجح أن يشهده الاستفتاء. ومن بين المنشقين وزير العدل «مايكل جوف»، وهو واحد من أكثر الساسة المؤثرين في حزب المحافظين ومن أقرب أصدقاء كاميرون.
وقال «جوف» في بيان مطول يوم السبت إنه يتألم من فكرة معارضة رئيس الوزراء، الذي يرجع له الفضل في بدء عمله السياسي. ولكنه أكد أنه لا يستطيع تجاهل قناعته بأن المملكة المتحدة ستكون «أكثر حرية وعدلًا وأفضل حالًا خارج الاتحاد الأوروبي». وكتب «جوف» أن الاتحاد هو بقايا خمسينيات وستينيات القرن الـ20 وأنه قد عفا عليه الزمن، كما أنه في الأساس مناهض للديمقراطية. وأضاف: إن «القوانين التي تحكم المواطنين صاغها سياسيون من دول أخرى لم ننتخبهم ولا نستطيع التخلص منها».
وبدوره قال كاميرون: إنه «شعر بخيبة أمل ولكنه لم يفاجأ» أيضاً بقرار «جوف». أما معظم كبار مسؤولي الحكومة فقد آثروا البقاء في الاتحاد، ومن بينهم وزير المالية «جورج أوزبورن» ووزيرة الداخلية «تيريزا ماي»، التي كان يعتقد في السابق أنه مؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد، ولكنها أعلنت يوم السبت أنها تفضل البقاء. وقالت إن القرار ينبع من «أسباب تتعلق بالأمن والحماية ضد الجريمة والإرهاب، علاوة على التجارة مع أوروبا والوصول إلى الأسواق حول العالم».
وفي المعارضة قال: «جيرمي كوربين» إن حزب «العمال» سيؤيد حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي لأن هذا «يجلب الاستثمار ويوفر فرص العمل ويحمي العمال والمستهلكين البريطانيين». ومن ناحية أخرى، قالت صحيفة «الغارديان» البريطانية: إن مفاوضات كاميرون في بروكسل كانت «موضوعية وغير سطحية».
ويشير محللون إلى أن كاميرون فاز باتفاق أفضل مما توقع كثيرون، ولكنه هو عموماً قلل من تأثير التنازلات الأوروبية.

* مدير مكتب واشنطن بوست في لندن
** مراسلة في مكتب واشنطن بوست في لندن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا