الاتحاد

ملحق دنيا

«الكيبوب».. غزو ناعم بآلات بشرية راقصة

أحمد النجار (دبي)

على مدار ربع قرن عكفت على إنتاج «سلاح فتاك» لغزو الشعوب، ليس قنبلة نووية، ولا صاروخاً بالستياً عابرا للقارات، بل إنه أشدّ قوة، ففي وقت انشغال جارتها الشمالية، بتصنّيع قدرات تسليحية مدمرة، كانت كوريا الجنوبية تتهيأ لـ«غزو ثقافي» جديد، يتمثل بنمط موسيقي معاصر، هو «الكيبوب» إعصار الترفيه الناعم الذي أغرق ذائقة الملايين، طارحاً مفاهيم سمعية وبصرية وحسّية برؤية ديناميكية مؤثرة. و«الكيبوب» هي مزيج من حرف وكلمة، فحرف الـ «كي» بالإنجليزية نسبة إلى كوريا، وكلمة «بوب» هي نوع من أنواع الموسيقى، وهي «البوب الكوري»، الذي يشمل جميع أنواع الموسيقى المعروفة «كالروك» و«البوب» و«الهيب هوب» و«الأر آند بي» و«الراب». مهتمون بالشأن الموسيقي العربي اعتبروا «الكيبوب موسيقى إدمانية»، ألحانها تخترق الوعي، وتعكس مفاهيم متنوعة جاذبة للحواس.

تأثير عابر
إنه «زمن الكيبوب»، الظاهرة المثيرة للجدل والتي أصابت الملايين من فتيان الثورة الرقمية بالإدمان على منتجها المرئي الآسر، واستطاع الكوريون عبر «الكيبوب» نيل براءة اكتشاف صناعة موسيقية مكثفة بفيديوهات شرسة في مهاجمة مشاعر اليافعين، وفي حين كان «الكيبوب» أحد أقوى عناصر الترويج السياحي، وشكلاً من أشكال الدعاية البيضاء لدغدغة عواطف الشعوب واجتذابهم إلى بلاد «أحفاد الشمس»، فإنه ساهم أيضاً في تعريف العالم بنمط الحياة والتقاليد الكورية، وقد دفع باتجاه النبش في ثقافة هذا الشعب، ومحاكاة طبائعه، وتعلم لغته والتأثر بأصناف قيمه المجتمعية، بحثاً عن أرضية مشتركة.
وقد اكتسح الكيبوب آسيا كاليابان والصين وتايوان ثم زادت معدلات انتشاره في العام 2008، عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي، واتسعت قواعد نفوذه لتغزو أوروبا وأميركا وكندا، وبعد عامين فقط، استحوذ «الكيبوب» على اهتمام دول الشرق الأوسط، مخترقاً أستراليا، وممتداً نحو نيوزيلندا، ناثراً هالات سحره في وجدان المراهقين والشباب.
ووصف مثقفون ظاهرة «الكيبوب» بأنها قوة مخملية لها مفعول السحر في إحداث تأثير عابر للحدود والقلوب، أصابت جماهير مليونية من جيل الألفية الثالثة بالشغف حد الإدمان على مفاهيمها المعاصرة، ناسجة بساطاً سحرياً من «الهاليو» (محبو الثقافة الكورية). وفي غضون سنوات من تصنيعها، نجحت في تحقيق معادلة الانتشار، فاتسعت رقعة أندية «الهاليو» في أكثر من 113 دولة حول العالم، وبلغ عددها في أميركا الشمالية والجنوبية نحو 712 نادياً، وفي آسيا 457 نادياً، وفي أوروبا 534 نادياً، أما أفريقيا والشرق الأوسط ففيها 140 نادياً.

نجوم أنيقون
نجوم الكيبوب شباب أنيقون يتمتعون بإطلالات فاتنة، وجوههم بشوشة ومهذبة، يظهرون بقصات مواكبة للموضة، يتحركون وفق إيقاع مدروس، ونمط حضور بالغ التعقيد، ووراء بسماتهم تكمن معاناة كثير منهم، فهم «ضحايا عقود الرق» كما وصفتهم لطيفة فوز اختصاصية المظهر المهتمة بـ»الكيبوب»، موضحة أن هؤلاء النجوم يتم قطف طفولتهم في عمر مبكر. وأضافت أنهم «آلات بشرية تصنع المرح»، حيث تلزمهم شركات الإنتاج الترفيهي بنمط تدريبي قاسٍ لمدة تصل إلى 10 سنوات، موضحة أنها تستغل مواهبهم في تكوين ثروة طائلة بعد صناعة نجوميتهم في أكاديميات ملحقة بشركاتهم الضخمة التي تدرسهم الغناء والرقص بأعلى المعايير الاحترافية، وتخضعهم لتدريبات شاقة وفق نظام صارم يلزمهم بالانعزال عن محيطهم في مساكن خاصة لسنوات حتى يتقنوا الأداء المرسوم قبل الاحتفاء بظهورهم الأول.
وتابعت: «إنهم يعانون كثيراً، وبالكاد يلتقطون أنفاسهم، يدرسون صباحاً، ويذهبون إلى وكالاتهم مساءً ويعودون في منتصف الليل، لا ينامون غير بضع ساعات». وربما أدى نمط الحياة هذا لانتحار «كيم جونغ هيون» قائد فرقة «شايني» في العام 2017، تاركاً رسالة صدمت عشاقه قال فيها: «أنا محطّم من الداخل، الاكتئاب يقضمني ببطء، لقد التهمني تماماً، صدقوني الشهرة لم تكن اختياري يوماً لكنها أصابتني بلعنتها إلى الأبد». كما فارقت نجمة الموسيقى الكورية سولي الحياة بعمر 25 ربيعاً، في منزلها في مدينة سيؤول، وتظن الشرطة هناك أنها ماتت «منتحرة»، وتصدر اسم سولي مواقع «سوشيال ميديا» حول العالم، وتداول المغردون اسمها أكثر من مليوني مرة، وتصدر «هاشتاغ» سولي على «تويتر» في بلدان عربية وخليجية.

أسباب الانتشار
وعن أسباب لي جونهو، مدير المركز الثقافي الكوري في أبوظبي لـ«الاتحاد»، انتشار هذه الفرق عربياً إلى أسباب عدة، منها أن فرق الكيبوب تقدم محتوى صوتياً واستعراضات ذات جودة عالية. ويقول «بشكل عام سوق استهلاك محتوى الكيبوب متطور جداً في كوريا، وذلك يدفع الناس للتطلع إلى أن يصبحوا جزءاً منه، بالإضافة إلى أنه مع تطور التكنولوجيا أصبح الوصول إلى المحتوى الكوري ومنه «الكيبوب» سهلاً عبر الإنترنت، ما ساهم في انتشاره على نطاق أوسع، وقد يكون التقارب الثقافي أيضاً سبباً لقرب فن الكيبوب من قلوب العرب، فثقافة كوريا معروفة بأنها محافظة».
ويوضح أن سوق استهلاك محتوى «الكيبوب» متقدم في كوريا، ووكالات الترفيه هناك تسعى إلى جذب الموهوبين وتطوير محتواها، لافتاً إلى أن اختيار أعضاء الفرق يتم وفق شروط صعبة، بعد وضعهم في اختبارات دقيقة، تختص بالموهبة والأداء الصوتي والاستعراضي وغيرها، كما يتم تدريبهم على أعلى المستويات قبل إظهارهم على الساحة.
واللافت أن عمر فريق الكيوب لا يتعد الـ 7 سنوات، ومن ثم يختفي ليظهر مكانه فرق جديد، ويؤكد لي جونهو أنه ليس هناك قوانين محددة للكيبوب، ولكن في ظل تطور سوق محتوى الكيبوب والإقبال عليه، ومع التنافسية العالية، تسعى وكالات الترفيه لتوفير التعليم المناسب لفناني الكيبوب في سن صغيرة لإظهار أفضل النتائج، فيخوضون التدريب وفق جداول محددة وتحت ظروف صعبة، فذلك يساعدهم على تقديم الأفضل، مع ضرورة تقديم فرق جديدة بين فترة وأخرى.

موجة جارفة
وقال الممثل والإعلامي الكوري وينهو تشونغ المقيم في دبي إن «الكيبوب» حقق جماهيرية واسعة بين أوساط اليافعين في المنطقة العربية والعالم، لأنه أوجد نوعاً موسيقياً جديداً له تركيبة وهوية ورؤية مدروسة، يضم فنانين منتقين بعناية، ذات خامات صوتية مميزة، ولديهم إطلالات جذابة تتميز بأزياء وقصات شعر وألوان صارخة، ليصنعوا حضوراً متناغماً.
ووينهو من أنصار خط الكيبوب فهو يمثل ثقافة موطنه، مشيراً إلى أنه فن يتضمن كلمات نبيلة ورقصات فنية تعبيرية. وقال لـ«الاتحاد»: «في حفل فرقتي (سفنتين)، و(إس إف 9) الذي استضافته دبي أكتوبر الماضي، ذُهلت من حجم الجمهور الذي تجاوز 5 آلاف شخص تتراوح أعمارهم بين 13 و20 عاماً، ما يؤكد سطوة (الكيبوب) على وجدان اليافعين على اختلاف أجناسهم وتنوع ألسنتهم».
وهو لا يرى أن شيئاً يقف حالياً في وجه هذا الفن الموسيقي الجارف أو يهدد انتشاره في العالم، معتبراً أن الهوس بالفن والفنانين جزء فطري من تكوين الإنسان ومرحلة تمر في حياته، معتبراً أنه «لا شيء يُخشى من الكيبوب قيمياً، فهي موسيقى نظيفة لا تهدم سلوكات ولا تتعرض لقيم أو تسيء لثقافات، فثقافة الكيبوب تقوم على قيم مثل احترام الأهل، ونزاهة العلاقات الإنسانية».
وانجذاب المراهقين إلى هذا الخط الموسيقي، وفق وينهو يعود إلى كونه «فناً مدروساً» بدءاً من تأسيس الفرقة وانتقاء أعضائها والتسويق لهم وطريقة تعاملهم مع المعجبين، موضحاً أن هناك شركات كورية كبيرة تصنع هذا الفن باحترافية إنتاجية عالية. ووفق مقال نشرته إحدى الصحف الأجنبية، فإن «إيرادات الكيبوب تفوقت مرتين على موسيقى البوب الأميركية محققة أعلى سقف للربحية».
وخلص وينهو إلى أنه «من حق كل جيل أن يُغرم بفنانين جدد، والمفارقة أن كل جيل لا يستوعب ذائقة الجيل الذي سبقه ولا يفهم انجذابه لنمط موسيقي معين»، متوقعا في المستقبل القريب أن يصبح الكيبوب هو الفن رقم واحد عالمياً.

تأثر اليافعين
رامي أحمد بن ذياب، مستشار نفسي وخبير في علم الشخصيات، صنّف موسيقى «الكيبوب» بأنها سهلة الرواج وسريعة الانتقال، مفسراً إقبال المراهقين على هذا النمط الموسيقي بارتباطه بشكل مباشر بحالتهم النفسية والجسدية، فهذه الموسيقى تسبب «ضغطاً نفسياً» قد يعرض الجهاز العصبي المركزي للخلل، وبالنتيجة يصبح الفرد عاجزاً عن تطوير قدراته الذاتية وعن القيام بمهامه اليومية، وهذا الحال ينطبق مع «الكيبوب» فهي تصنف «موسيقى صاخبة»، ولا إرادياً تزيد شعور الشخص بالآلام، كما تزيد فرص اضطرابات ضغط الدم لديه، إضافة إلى ما يسمى بـ «الارتعاش الموسيقي»، فـ «الكيبوب» تجعل العقل في حالة غير مستقرة أثناء وبعد الاستماع إليها، حيث تزيد مستويات تذبذب الدماغ، نتيجة احتوائها على ترددات عالية، الأمر الذي يُشعر المراهق بالنشاط الزائد ويدفعه إلى الحركة بصورة غير محسوبة، وتزيد لديهم الرغبة في القيام بأعمال عنيفة، قد تعرض حياتهم للخطر، ولاسيما أنهم في مرحلة عمرية انتقالية حرجة.
وتابع «يجب التنبه إلى أن مثل هذه الموسيقى تنعكس على حيوية الجهاز العصبي، وتزيد شعور المراهق بالكآبة والقلق، حيث تتصدى بشكل مباشر لذبذبات «ألفا» (إحدى الذبذبات التي تصدر من الدماغ، وتتعلق بحالة الاسترخاء والتأمل)، ومن ثم تفقده الشعور بالراحة والسعادة، لذلك يظل تأثيرها على الإنسان قوياً وملازماً على المدى البعيد».
واعتبر ابن ذياب أن انتشار السوشيال ميديا قاد الشباب إلى فخ تقليد ما يصدر عن مغنيي «الكيبوب» وسلوكات وحركات، وكأنهم قدوة لهم، معتبراً أن التثقيف مسؤولية مشتركة بين ما يقدمه الإعلام وينشره من وعي وبين ما يغرسه أولياء الأمور والمربين في نفوس النشء من قيم نبيلة.

ارتدادات نفسية
التربية الموسيقية لها دور مؤثر في تأسيس وتحصين وجدان المراهقين، تلك هي قناعة فرات قدوري، خبير وأستاذ موسيقا، ومدير مركز فرات قدوري للموسيقا في الشارقة، والذي يشير إلى أن الطفل العربي مظلوم موسيقياً، فهو لا يحصل على أدنى حقوقه السمعية منذ صغره. وينصح الآباء بحماية أطفالهم من إدمان فرق «الكيبوب» والتأثر بسلوكاتهم التي قد تتنافى مع القيم والتقاليد العربية، فعند اكتشافهم شغفاً زائداً لديهم تجاه نمط موسيقي صاخب، يتعين توجيه هوايتهم نحو تعلم الموسيقى عبر المعاهد أو اقتناء الآلات لتفريغ طاقاتهم عليها، معتبراً أن ذلك يساهم في بناء حاجز صد ضد أي «لوثة موسيقية» لها ارتدادات نفسية سلبية.
وحول أعراض إدمان الموسيقى السريعة مثل «الكيبوب»، قال الطبيب النفسي الدكتور علي الحرجان إنها كالفخ الذي يلتهم عاطفة المراهق حيث يعيش فيها حالة من الانسجام تدفعه نحو الفرح والانفعال والنشاط الزائد، فينفصل ذهنياً عن الواقع، ويرتبط بهذه الأجواء سواء بسماع المؤثر أو من دونه، حيث يظل ذهنه ملتصقاً بالأثر الذي تتركه تلك الألحان السلبية، مضيفاً «مع اشتداد درجة الهوس، يمكن أن تظهر علامات على المراهق تبرز فيها سلوكات عدوانية، فيكون مشوش التركيز والتفكير، وغير متجاوب مع الآخرين، وخجولاً جداً، إلى جانب قصور واضح في دراسته ونشاطاته الرياضية وعلاقاته الأسرية، ويكون دائم الانزواء في غرفته، ويسهر كثيراً، ويتصفح الإنترنت باستمرار». وأرجع الحرجان وقوع كثير من الشباب في براثن «الكيبوب»، إلى كونهم يعيشون في عزلة منزلية، فلا توجد لديهم عناصر تسلية أو نشاطات اجتماعية أو رياضية، كما أنهم بعيدون عن آبائهم بسبب مشاغل الحياة.

معارك إلكترونية
أثارت حفلات فرق الكيبوب في المنطقة العربية والعالم، جدلاً واسعاً، وخلفت وراءها عاصفة من الانتقادات لأسلوبهم في التعاطي مع الجمهور، أو لضعف أدائهم اللغوي، خاصة عند غنائهم باللغة العربية، لكن نجوم «الكيبوب» في كل مرة يخرجون منتصرين من كل معركة إلكترونية، لكونهم يستندون إلى جيش جرار من المعجبين الصغار من مختلف الأجناس، يتصدى للدفاع عنهم بسيل من الردود القاسية على منتقديهم.
وهذه المرة كانت من نصيب الإعلامي نور الدين اليوسف؛ فبعد تقديم فرقة «B.I.G» أغنيات عربية بهوية الكيبوب، وتحقيق نجاحات مذهلة من خلال مؤشر عداد المشاهدات على «يوتيوب»، إذ حصدت أغنية «ثلاث دقات» 5 ملايين مشاهدة، وأغنية «إنت معلم» 3 ملايين مشاهدة خلال 5 أشهر، انتقد اليوسف أسلوبهم في تهجئتها، ونصحهم خلال برنامجه «Trending» على قناة «إم بي سي»، بالاستعانة بخبير لغوي يعلمهم مخارج الحروف قبل إطلاق أغنيات عربية. وقال نور الدين لـ»الاتحاد» بعد أن قدم اعتذاره لمعجبيهم، إنه لم يقصد إهانتهم، مشيراً إلى أنه يحترمهم لمبادرتهم ببناء جسور تقارب ثقافي مع العرب عبر بوابة الغناء، من دون أن ينكر أنه لا يحب موسيقى البوب بمختلف تياراتها. وقال إن المحتوى الذي يقدمونه، لا يتناغم مع القيم والتقاليد العربية في أسلوب الرقص وصيحات المظهر وأنماط السلوك.
وحين أغضب صحفي أميركي يدعى ستيفان ستيفنسون، عشاق «الكيبوب» حول العالم في مقالة انتقد فيها أعضاء الفرقة لارتكابهم خطأ فادحاً في اسم المدينة التي يحيون الحفل بها، شنّ معجبون هجوماً عنيفاً ضده على ساحة «تويتر»، وهددوه بالضرب في حال حضر حفلاً لفرقة «سفنتين» الكورية في تكساس.

أول ظهور
شعبية الكيبوب، وسرّ انتشارها بين أوساط المراهقين العرب، وفق محللين نفسيين، تكمن في قدرة أعضاء فرقها على تحقيق ثنائية الجذب والإبهار عبر محتوى قصير لا يتعدى 4 دقائق، يسرد قصة مشحونة بالعاطفة، ويركز في موسيقاها التصويرية على تلميع الفنان، وتلاوين أدائه وانفعالاته، أما تكلفة إنتاج الفيديو الواحد فتبدأ بـ 100 ألف وحتى مليون دولار، وفي كل عام تتنافس وكالات الترفيه الرائدة في صناعة الكيبوب، على تقديم محتوى مثالي لتحقيق صفقات رابحة في الترويج والانتشار، وهذا ما تجسده مقاطعهم التي تتصدر «الترند العالمي» على «تويتر».
ووفق دائرة دبي للسياحة، كان أول ظهور لفرقة البوب الكورية «إكسو» في الإمارات في العام 2012، لتصبح بعدها إحدى أكثر فرق الشباب شعبيةً. وقد أطلقت أغنية «Power» في شهر سبتمبر 2017، وتصدّرت الأغنية قائمة الأعلى مشاهدة في مختلف أسواق موسيقى البوب الكورية. وأمام أعلى برج في العالم، وعلى أنغام نافورة دبي الراقصة، خطف أعضاء فرقة البوب «إكسو» الشهيرة، أنظار الزوار بمختلف أعراقهم وأجناسهم. وأعتقد البعض أن عرض تلك الأغنية ضمن أجندة نافورة دبي بوصفها أيقونة سياحية عالمية، ساهم بشكل كبير في انتشار هذا النمط الفني الديناميكي الصاخب، معززاً شعبيته واتساع قاعدة معجبيه، ثم توالت بعدها عروض الاستضافة في جدول دبي الترفيهي والفني. وقال أحمد الخاجة، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة: «يتضمن جدول فعاليات دبي العديد من الحفلات والفعاليات المهمة، ولقد قمنا بإدراج عدد من حفلات موسيقى (الكيبوب) على قائمة الفعاليات الموسيقية ضمن جدول فعاليات دبي، وحظيت هذه النوعية من الحفلات بحضور لافت من فئة اليافعين، وذلك لشعبيتها الكبيرة لدى هذه الفئة العمرية. وكانت أكبر نافورة راقصة في العالم أدرجت أغنية (باور) على قائمة معزوفاتها لشهر يناير 2018 لما حققته من نجاح كبير».

جمهور شرس
ولدى نجمة «اليوتيوب» رنا هاشم قصة مع المتابعين المولعين بموسيقى «الكيبوب»، حيث تلقت طلبات ملحة لإلقاء الضوء على موسيقى الكيبوب، نظراً لكونها تملك 950 ألف متابع، وفيديوهاتها حققت 38 مليون مشاهدة، ولهذا من الطبيعي وجود عدد كبير من محبي «الكيبوب» في قناتها، مشيرة إلى أن تلك الطلبات تلخصت بإعطاء وجهة نظرها كـ«يوتيوبر» مؤثرة بنشر صور أو مقاطع فيديو توضح رد فعلها عند سماعها أغنية لفرقة BTS الكورية. وتعلم رنا حجم متابعي «الكيبوب» وتصفهم بـ «الجمهور الشرس»، الأمر الذي دفعها للتجاوب، معتبرة أن مهمتها في القناة هي إسعاد متابعيها عبر محتوى ترفيهي، وتلبية رغباتهم، من دون أن تنكر أنها لا تملك معلومات كافية عن الكيبوب أو الثقافة الكورية بشكل عام. وأوضحت أن هذا الخط الموسيقي لا يستهويها، لهذا سلمت الراية لفتاة كورية تحدثت إلى جمهورها في فيديو خاص تناول الثقافة الكورية، من بوابة الغناء والعادات والتقاليد الخاصة بهم. وفور نشره، انهالت التعليقات ما يدل على حجم عشاق الكيبوب الشغوفين به.
ومع ذلك لم تتردد رنا في القول: «هذا الخط الموسيقي، لا يروق لي، لكنني لست ضده، فأنا أحترام أذواق الآخرين، وأحب مشاركتهم فرحتهم ورغباتهم». وبحسبها، فإن معجبي الكيبوب في «تكاثر مستمر».

«وهم» بالعربية
يقول لي جونهو، مدير المركز الثقافي الكوري في أبوظبي: «فرقة الكيبوب الأولى والوحيدة التي تعلمت اللغة العربية، وأداء الأغنيات بالعربية هي فرقة B.I.G (بي. آي. جي)، وبدأ الأمر حينما استضافتهم برامج إذاعية في كوريا، تذاع باللغة العربية، ولمعرفتهم بوجود معجبين عرب لهم، قرروا أن يفاجئوهم بأداء أغنية عربية، وكانت أغنية «لا بزاف» لفرقة «ذا فايف» كهدية للجمهور العربي، وبعد أن أذيع البرنامج تلقت الفرقة ردود فعل إيجابية من الجمهور العربي، طالبتهم بالمزيد، وعندها بدأت الفرقة بإطلاق أغانٍ عربية، لاقت شهرة واسعة بين المعجبين العرب، وحصدت ملايين المشاهدات عبر «يوتيوب»، حتى قامت الفرقة بإطلاق أغنية في ألبومها الأخير «وهم»، وهي أغنية تحمل طابع موسيقى الكيبوب، ممزوجة بألحان عربية باللغتين الكورية والعربية، لتكون أيضاً أول فرقة كيبوب تطلق أغنية وفيديو كليب باللغة العربية، وقد أقامت الفرقة مؤخراً حفلاً غنائياً في المجمع الثقافي، ضمن فعاليات مهرجان كوريا 2019 في أبوظبي، أدت فيه أغنية «وهم» للمرة الأولى أمام الجمهور العربي».

فضل التأسيس
بدايات ظهور الكيبوب كانت في العام 1960 بعد نهاية الحرب وعقب تأسيسها كوريا الجنوبية بنحو 12 عاماً، لكن رحلة صناعة الموسيقى الكورية وانتشارها الفعلي يعود إلى مؤسسها «سيو تاي جي» في العام 1992، وفي العام 1995 أسس رجل الأعمال «لي سو مان» شركة «كوريان 3 للترفيه»، وأطلق من خلالها العديد من الفرق الموسيقية، ليبدأ الضخ الموسيقي الكوري على خط الكيبوب، وفي العام 2009، شهدت الكيبوب موجة انتشار واسعة أغرقت الأسواق العالمية، وفي العام 2016 استضافت دبي أول عرض لفرقة على نافورتها الراقصة أمام أعلى مبنى في العالم، لتروي قصة جديدة في فصول هذا النمط الموسيقي القادم من بلاد «أحفاد الشمس».

على الأجندات
وقال سانغ أوك بارك، المسؤول عن دعم الأعمال العالمي في كوريا الجنوبية، لـ«الاتحاد» إن استضافة نجوم الكيبوب متمثلاً في أشهر فرقتين غنائيتين هما «سيفنتين 17» و«اس اف9» في أكتوبر الماضي، يأتي ضمن أجندات المعرض الكوري للمنتجات والصناعات الإبداعية، الذي احتضنته دبي مؤخراً، بهدف الترويج للمحتوى الثقافي والفني والترفيهي والصناعي والإبداعي الكوري، مشيراً إلى أن الاحتفاء بالثقافة الكورية «الهاليو» من خلال حفلات الكيبوب تستهدف ذائقة 200 جنسية تعيش على أرض الإمارات. ووفق سانغ فإن الجمهور المحلي بكل أطيافه وأعراقه وأجناسه تدفق بطوابير طويلة لمقابلة نجوم الكيبوب للظفر بتوقيع وصورة سيلفي للذكرى.

صيحات جديدة
قال المخرج الكوري سوك جيم ليم، الذي التقته «الاتحاد» أثناء زيارته لدبي، إن صانعي المحتوى الموسيقي الكوري، يسعون إلى ابتكار صيحات جديدة تثري سوق الكيبوب، معتبراً أن الخلطة السحرية لنجاح أي عمل موسيقي في الكيبوب، يعتمد على استقاء أفكار كثيرة يتم تجميعها ودمجها برؤى مختلفة من أعمال موسيقية منافسة، ثم يتم بلورتها لإنتاج فكرة موسيقية نابضة بالفرح.

حرية شخصية
اعتبرت بطلة تحدي القراءة لعام 2019، هديل أنور، أن انجذاب الشباب والمراهقين لموسيقى الكيبوب، هو «حرية شخصية»، موجهةً رسالة للشباب في الوطن العربي، وخصّت أبناء جيلها تحديداً، بضرورة احترام مبادئنا وتقاليدنا العربية، التي يجب إعلاؤها لتسمو بفكرنا وهويتنا وتراثنا الموسيقي الأصيل والغني، وقالت لـ«الاتحاد»: «لا بد من الاحتفاء بنتاجنا، وألوان موسيقانا العربية، فنحن أهل أصالة، وأرض حضارة، أثرت في كل ثقافات العالم».

3 ساعات!
تهوى ريم بدوان (13 عاماً) الغناء، وقد خاضت تجارب فنية في هذا المجال، وهي من أشد المعجبين بألوان موسيقى الكيبوب، التي اكتشفتها قبل 3 أعوام، ومن يومها وهي تتابع نجومها المفضلين بشغف، وتوافق ريم على أن إيقاعاتها الصاخبة تتناغم مع إيقاع العصر ودينامكية التذوق الشبابي، مشيرةً إلى أن الطابع الموسيقي لأغنيات الفرق الكورية تلامس مزاجها، وتؤكد أنها تقضي نحو 3 ساعات يومياً في الاستماع إليها.

اقرأ أيضا

الابتعاث.. درس عملي في تقوية العزيمة