عربي ودولي

الاتحاد

حرب بوش على العراق.. هل هي الأذكى في التاريخ؟

فارس الخطاب:

ذكر الملياردير'' تيد تيرنر'' مؤسس شبكة ''سي·ان·ان'' التلفزيونية الاميركية ان غزو الولايات المتحدة للعراق من ''أغبى التصرفات في كل الأزمان'' وشبه هذه الحرب وقرار اتخاذها بالقصف الياباني لميناء ''بيرل هاربر'' وغزو ألمانيا النازية لروسيا في الحرب العالمية الثانية· وقال تيرنر أيضا : إن الغزو الأميركي للعراق أحدث ''ضررا لا سبيل الى تقدير حجمه'' وسيتطلب إصلاحه 20 عاما ''اذا تصرفنا بدرجة معقولة من الذكاء''··فهل حقا كانت الحرب الاميركية على العراق هي الاغبى في التاريخ أم أن فيها من الذكاء ما لا يلحظه إلا الرئيس بوش وبعض كبار معاونيه ؟
تكونت الولايات المتحدة بعد إعلان الثلاث عشرة مستعمرة انجليزية استقلالها عن التاج البريطاني إثر اجتماع ممثلوا المستعمرات يوم 4 يوليو 1776 برئاسة جورج واشنطن ، والذي كافح من أجل إقرار النظام الفيدرالي في الولايات المتحدة حتى تكللت جهوده بعقد مؤتمر دستوري أول في فيلادلفيا عام 1787والذي انتخبه كأول رئيس للولايات المتحدة في 30 أبريل عام 1789 ·
النواة والمحيط
لقد انطلقت الولايات المتحدة من نواتها باتجاه المحيط الهادئ على حساب السكان الأصليين من الهنود الحمر، واشترت لويزيانا من فرنسا عام 1803 واستولت على فلوريدا من إسبانيا عام 1819 وضمت تكساس من المكسيك عام 1848 واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تتحول من دولة صغيرة متشرنقة على سواحل المحيط الأطلسي إلى دولة قارة تسيطر على المحيطين الأطلسي والهادئ، وبدأت اتحادا كونفيدراليا قبل أن تتحول إلى فيدرالية·
وبعد انتهاء الحرب الأهلية اشترت الولايات المتحدة آلاسكا وجزر ألوشيان من روسيا ثم توسعت في الجزر الباسيفيكية على حساب إسبانيا، جزر هاولاند وبيكر عام 1857 وميدواني عام 1859 وهاواي وفينكس في نهاية القرن التاسع عشر وانتزعت الفلبين من إسبانيا واستعمرتها عام 1899 إلى أن منحتها الاستقلال عام ·1946
وفي بداية القرن العشرين بدأت تتوسع في منطقة الكاريبي فاحتلت بورتوريكو وبنما التي شقت فيها قناة بنما الواصلة بين المحيطين الأطلسي والهادي والتي تعد من أهم النقاط الإستراتيجية في تركيبتها كقوة عالمية·
لقد بدأت الولايات المتحدة من حيث انتهت أوروبا فأخذت عنها نقاط قوتها وتخلصت من نقاط ضعفها ونشأت مع الآلة البخارية والقطار متجاوزة مرحلة الإقطاع، ولم تعان من المنافسة والحروب، فجميع دول القارة تقريبا إما أنها امتداد جغرافي وبشري أو تابع مستكين يدور في فلكها تمثل مزرعة ومناجم وحدائق خلفية لها·
وكانت الولايات المتحدة في الأربعينيات قوة عظمى تكاد تحتكر التفوق والهيمنة وعبرت عن ذلك بالقنبلة الذرية امتلاكا وردعا واستخداما كما حدث في اليابان، ولكن الاتحاد السوفياتي بدأ ينافسها في الخمسينيات وإن بقيت متفوقة كما تجلى في الحرب الكورية والعدوان الثلاثي على مصر، وحدث تعادل نسبي في الستينيات تجلى في أزمة الصواريخ في كوبا، ثم اتجه القطبان إلى التعايش والوفاق كما تجلى في اتفاقية سالت، وإن تفوق السوفيات استراتيجيا في حرب فيتنام وحرب رمضان عام 1973 ثم في إيران عام ،1979 إلا أن احتلاله لأفغانستان في نهاية السبعينات بسبب شعوره بالتفوق أعطى الولايات المتحدة الفرصة لضربه تحت الحزام فقدمت مساعدات عسكرية ومالية هائلة للأفغان وباكستان، كان من أهمها صواريخ ستينجر التي تصيدت الطائرات السوفياتية كالذباب وشلت قدرة القوات السوفياتية الجوية·
وبعد أكثر من ثلاثة عقود كررت الولايات المتحدة الخطأ السوفياتي نفسه؟ فأوقعت نفسها في عزلة وشبه مواجهة مع الصين وروسيا والهند وإيران واما أوروبا رغم تصورها الخادع بأنه ليس ثمة قوة قادرة على معاقبتها كما فعلت هي بالاتحاد السوفياتي؟ فلقد احتلت الولايات المتحدة العراق كما فعلت من قبل في أفغانستان، وأقامت أنظمة حكم تابعة لها ولكنها تحتاج إلى مواصلة الحفاظ عليه بالقوة والمال والاستخبارات إلى ما لانهاية وسوف تنهار هذه الأنظمة بمجرد تراخي رفع الحراسة عنها أو انسحابها ؟
لقد كان مجيء حركة طالبان إلى الحكم عام 1994 والعلاقة التي نشأت لاحقا مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ثم تفجير سفارتين أميركيتين في أفريقيا فتفجير السعودية فعملية 11 سبتمبر ثم موضوع المدمرة كول ، بمثابة هدية الى الادارة الاميركية المتشددة لتحقيق حلم السيطرة على آسيا وتحديد نمو الصين وتطور نفوذها ثم الهيمنة على النفط والسيطرة على مقدرات أوروبا بغزو العراق واحتلاله !
العودة إلى الوراء
كان هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية الأسبق يدعو حكومة الولايات المتحدة إلى السعي للهيمنة العالمية والتصرف كما لو أن للولايات المتحدة شركاء متكافئون معها، ولكن الإدارة الأميركية الحالية أبدت استخفافا بالعالم حتى أقرب شركائها من الأوروبيين ، لذلك فقد أبدت فرنسا وألمانيا وروسيا مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة أجبرت الولايات المتحدة من خلالها واشنطن على تجاوز الأمم المتحدة، وجعلها في عزلة عالمية، وكشف عنها غطاء الشرعية الدولية في موضوع غزو العراق، وهو ما لم تكن تريده بالطبع·
لقد استخدم الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه رونالد رامسفيلد عبارات شاملة لتبرير غزوه ثم احتلاله للعراق فيما يخص الرأي العام الاميركي الذي كان ومازال غير مقتنع بتأثير بغداد على أمن الولايات المتحدة ، حيث ركزوا على مواضيع بعينها ، مثل : ''الامن القومي '' والمصلحة الوطنية الاميركية'' في معظم خطبهم السياسية، وهذا بالطبع ليس بالامر الجديد على السّاسة الأميركان ؛ فقد ذكر ذات العبارات الرئيس هاري ترومان عام 1950 لتبرير ''عملية شرطة '' في كوريا والتي قتل فيها الملايين ، ثم استخدم ذات العبارات أيضا جونسون ونيكسون في حرب فيتنام ، وهاجم باسم الأمن القومي الرئيس ريغان غرانادا عام 1989 فبوش الاب مع العراق عام 1991 ·
وحتى يكون كلام الرئيس بوش أكثر إقناعا من سلفيه بوش الاب وكلينتون حول ضرورات غزو العراق واحتلاله قال: إن العراق يمثل خطرا حقيقيا على أمن الولايات المتحدة'' مرتكزا بذلك على مجموعة من الأكاذيب مع علمه بذلك و كالقول: بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل والعلاقة بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة ·
التخيلات ··والرحيل
ومع استمرار الاحتلال وعدم ظهور أسلحة الدمار الشامل وتصاعد أعمال المقاومة المسلحة للوجود الاميركي والأجنبي في العراق واتساع دائرة الإرهاب تزايدت أعداد الجثث الاميركية القادمة من العراق، وبدا واضحا في الكثير من المدن الاميركية زيادة عدد المعوقين من أصحاب العاهات الدائمة كبتر الساق أو اليد او التشوهات العنيفة جراء الاصابات بالعبوات الناسفة او غيرها ،بالإضافة إلى كشف عشرات المنظمات والجمعيات داخل الولايات المتحدة ومثلها في العديد من الدول الاوروبية عن حجم خسائر المدنيين العراقيين جراء الغارات الاميركية على قرى ومدن آمنة في العراق وقصفها بقنابل زنة 250 أو 500كلغ · ما يعني أن هناك هدفا كبيرا قامت من أجله الحرب ، ولا يعلمه إلا الرئيس بوش والمقربين منه·
غير أن الولايات تعلم أن القوة العسكرية ليست هي الفيصل دائما إذا ما تعلق الامر بالشعوب·· ففي العراق تسيطر أميركا سيطرة كاملة على الجو، لكن مجرد وجودها على الارض يحرض على العنف·
وبينما يحاول الرئيس بوش إقناع الاميركيين أنه نجح في ''نقل الحرب إلى أرض العدو''، إلا أن زيادة أعداد الجنود الذين لقوا ويلقون حتفهم في حرب العراق، بالاضافة الى ارتفاع معدل أعمال العنف والإرهاب إلى أربعة أضعاف ، وتقرير هيئة المخابرات القومية الأميركية الأخير فنّد محاولات الرئيس ونقل الاعتقادات الاميركية والدولية إلى واقع مرعب بعيد عن تخيلات البيت الابيض ·
لقد كان باستطاعة الولايات المتحدة أن تدك مدن فيتنام بالقنابل فتسويها بالأرض، كما تستطيع الآن أن تفعل ذلك بالمدن العراقية، لكن هذا لم ولن يحل شيئاً، كما أنه سيتسبب في وقوع خسائر هائلة في أرواح الأبرياء، وبالتالي سيؤكد النظرة إلى الأميركيين باعتبارهم محتلين لا محررين· من هنا يتعين على الولايات المتحدة أن تغادر العراق بسرعة· وبعد ذلك ينبغي عليها أن تستغل ثقلها السياسي والاقتصادي من أجل المساعدة فـي إدارة الموقف المعقد والبالغ الصعوبة، الذي ساهمت هي ذاتها وإلى حد كبير في الانتهاء منه· لا شك أن رحيل قوات الولايات المتحدة سوف يحد من نفوذ أميركا في العراق، لكن الرحيل الآن من شأنه في الواقع أن يجعل ذلك النفوذ أكثر فعالية من وضعه الحالي، كما أن تكاليفه ستكون أقل كثيراً من حيث المال، فضلاً عن أرواح الأميركيين والحلفاء والعراقيين وإلا فإن واشنطن ستتعرض لمعارك وعمليات غير محسوبة، ستجعلها في حرب ومواجهة مع أفراد وتنظيمات وأشباح لا تصلح عدوا حتى لو انتصرت عليه ·

اقرأ أيضا

الفلبين تطالب بتجنب الأعمال الاستفزازية في بحر الصين الجنوبي