صحيفة الاتحاد

أخبار اليمن

الحوطة.. لوحة فنية من التاريخ

علي سالم (شبوة)

تقع مدينة الحوطة أو حوطة الفقيه علي، كما يطلق عليها تاريخياً على ضفاف وادي عمقين الشهير، وتتبع إدارياً مديرية ميفعة بمحافظة شبوة، وتتميز هذه المدينة الكبيرة بالعمق التاريخي والتجاري، حيث إنها كانت تعد من أقدم المدن التاريخية في محافظة شبوة، حيث تجاوز عمرها السبعمائة عام.
تتبلور أهميتها التجارية منذ القدم، إذ كانت هي السوق التجاري لتبادل البضائع بين مدن شرق وغرب المحافظة، بل كانت تقام فيها أسواق سنوية تسمى «بالمولد»، والذي كان يقام مرتين في السنة الواحدة وكان التجار من مختلف محافظات الجمهورية يرتادونه، ومن كل حدب وصوب من أجل البيع والشراء.
كانت أكثر السلع التجارية التي يتم تداولها هي تجارة المواشي: من أغنام وأبقار وجمال، بالإضافة إلى بيع وشراء البخور واللبان، وغيرها من المواد الغذائية كالحبوب بأنواعها وأصنافها.
يشبّه الإعلامي ناصر جوهر، مدينة الحوطة، بالمدينة الساحرة، لجمالها الخلاب الذي يجبر زائريها في كل مرة على التوقف إجلالاً لسحرها، كما يصفها بمدينة السلام، لطيبة أهلها، وجنوحهم للسلم والألفة والمحبة، بعيداً عن النزاعات والصراعات والثارات، وقد يكون للعلماء والدعاة والبيئة الدينية دور في ذلك وعلى مختلف العصور، وهي مسالمة، تنأى بنفسها الانخراط في النزاعات، كغيرها من مدن وقرى محافظة شبوة، مترامية الأطراف، وشديدة التعقيدات اجتماعياً وقبلياً.
بمجرد تجوال قصير في أزقتها وأحيائها الموغلة في القدم، تشعرك المدينة بأنك أسير في أعماق الماضي، سيما لو كنت تعرف عن لطف أبناء مدينة الحوطة وعراقة موطنها ومخزونها التاريخي والحضاري الذي يحمل في طياته كنوزاً من حضارة تليدة ما تزال شواهدها المنتشرة خير شاهد عليها وعلى عظمة صناعها.

نمط الحياة
تحتضن مدينة الحوطة أكبر تجمع سكاني في مديرية ميفعة، وتأتي في المرتبة الخامسة على مستوى محافظة شبوة عامة، حيث يسكنها ما يزيد على 10 آلاف نسمة، وذلك في التعداد السكاني لعام 2004م، ومن المؤكد أن هناك زيادة في العدد في السنوات القليلة الماضية حيث تشتهر مدينة الحوطة بزيادة في نسبة المواليد سنوياً مع الاهتمام بزواج الشباب في سن مبكر.

التركيبة السكانية
يعتبر مشايخ «آل فقية علي»، هم أكثر سكان مدينة الحوطة وضواحيها ويشكلون نسبة كبيرة من التجمعات السكانية، ويعد الشيخ حسين بن عبدالله باحنحن، هو شيخ مشايخ حوطة الفقيه علي، وهو الرجل المرجعية في المدينة، ويعمل معظم سكان هذه المدينة في التجارة، إذا أن غالبية أهلها يعتبرون من رجال أعمال المحافظة وهم الذين يقودون حركة التجارة في مدينة عزان القلب النابض لمديرية ميفعة تجارياً واقتصادياً.
ولأهمية الحوطة، فقد دعا ممثلو التحالف العربي، والنخبة الشبوانية إلى لقاء مع وجهائها، وشخصياتها الاجتماعية، منتصف شهر سبتمبر الماضي، وتم التأكيد على أن كافة المكونات القبلية والمشايخ والشخصيات الاجتماعية بالحوطة وضواحيها على استعداد للمشاركة في تنفيذ الاستراتيجيات الأمنية التي تعمل عليها قيادة التحالف العربي بالمنطقة، بهدف خلق حالة مستدامة من الاستقرار الأمني والاجتماعي فيها، عبر تنفيذ العديد من الخطط الأمنية ودعم الجهود المجتمعية، الرامية إلى محاربة العنف والتطرف، والعمل على تأمين خطوط نقل الغاز والنفط في بلحاف والتي تمر ضمن حدود منطقة الحوطة وضواحيها.
وأبدت قوات التحالف العربي عن استعداداها لتدريب 150 جندياً من شباب الحوطة، وتدريبهم وتأهيلهم وانخراطهم ضمن قوات النخبة الشبوانية.
وأشاد الشيخ حسين بن عبدالله باحنحن، بقوات التحالف العربي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، على جهودهم المستمرة وإعادة الأمل والحياه لهذه المناطق التي تعرضت لكل أنواع التخريب من قبل قوى الشر الحوثية على دولة الشرعية في اليمن، وسبق للشيخ باحنحن أن رحب بقدوم قوات النخبة الشبوانية، لبسط الأمن والأمان في ربوع المحافظة، مؤكداً أن الحوطة بكل سكانها المشهود لهم بحب النظام والانضباط ستكون عونا ودعما، والى جانبهم في التصدي لكل من يريد زعزعت الأمن، وعدم السماح بدخول المدينة لأي عنصر من العناصر التخريبية.
تعرضت الحوطة للعديد من الحملات العسكرية، بهدف القضاء على جماعات مفترضة من تنظيم القاعدة، وفي خضم ذلك طلبت السلطات من الأهالي مغادرة مساكنهم غير مرة، لتجنيبهم مغبة ذلك الهجوم المتكرر.

نقص الخدمات
بالرغم من كل تلك الأهمية التاريخية والتجارية والاقتصادية لمدينة الحوطة، ما زالت تفتقر للكثير من الخدمات الضرورية لحياة المواطن، وذلك في كافة مجالات الحياة سواء كانت الصحية أو التربوية أو الخدماتية كالكهرباء والمياه والاتصالات والصرف الصحي.
عانت المدينة وعلى مدى سنوات طويلة من إهمال حكومي أشبه ما يكون متعمداً أو مقصوداً في توفير خدمة الكهرباء للمدينة، حيث إنها تعد من أوائل المدن التي أنشأت محطة توليد كهرباء أهلية على نفقة المواطنين أنفسهم، ومع هذا بعد دمج المحطة في القطاع الحكومي عانت المدينة من إهمال كبير في توفير الكهرباء للمواطنين.
وفي الجانب الصحي تعاني المدينة عدم وجود مركز صحي مؤهل تأهيلاً كاملاً بالكادر الطبي والمعدات والأدوية، ومما زاد الوضع سوءاً هو إغلاق المستوصف الصحي بالمدينة من قبل أحد ملاك الأرض، وذلك بعد مماطلة ووعود من الحكومات السابقة بتعويضه، لكن لم يتم تنفيذ تلك الوعود.
ويرى مواطنون أن الحاجة الملحة لمدينة التاريخ والعلم «الحوطة» تتمثل في المسارعة لإعادة افتتاح وتأهيل مستوصف المدينة الطبي الوحيد، وترميم المدارس، ووضع المصدات لحماية المدينة، ومزارعها من جرف السيول، فقد سبق وأن تعرضت لفيضانات أدت لخسائر بشرية، وجرف المزيد من الأراضي الزراعية، كان أسوأها ما حدث لها من كارثة طبيعية العام 1996م، أودت بحياة نحو 30 شخصاً، وجرف أراض زراعية واسعة.
تشتهر المدينة بتربتها الخصبة، إذ أنها تقع على ضفاف وادي عمقين المشهور بكثرة نزول السيول منه، إضافة إلى أمطاره الموسمية الغزيرة التي جعلت بعض من سكان المدينة يعملون في الزراعة وحراثة الأرض والاهتمام بها مما جعل منظر المدينة يبدو كلوحة فنية أتقنتها أيادي رسام ماهر، كما أن جبالها الشاهقة وأماكن السياحة الطبيعية فيها تجعل كل من زارها يكرر الزيارة لما تتمتع به من جمال رباني.

فن التراث المعماري
الحوطة من أشهر وأقدم المدن التي تميزت بطابع الفن المعماري الطيني الفريد، والتي تشابه فيه إلى حد كبير مدينة شبام بحضرموت «أقدم ناطحات سحاب في العالم»، حيث تعد المباني الطينية ذات الطابع التراثي الأصيل من أقدم ناطحات السحاب في شبوة عامة، مما توحي للمشاهد والزائر لهذه المدينة أنه أمام حضارة وتاريخ متجذر في أعماق الزمن التليد.
تتميز المدينة بكثرة المباني الطينية الجميلة، ويلفت انتباه الزائر لها، عند مدخلها مبنى جميل، آية في الجمال «بيت الشطري»، هو الفريد من نوعه، وبني على شكل مثلث، ويلفت انتباه كل مشاهد بحيث يعطي للمشاهد انطباعا جميلا عن مدى روعة هذه المباني ويعيد ذاكرته محلقاً بها في الزمن الماضي الجميل. كما أن طريقة تقارب البيوت في هذه المدينة وتراصها بشكل هندسي يجعلك تقف مبهوراً من جمال وروعة المنظر، حيث توجد هناك بيوت مبنية بأشكال هندسية ثلاثية الزوايا من كافة الاتجاهات وكأنك أمام إحدى عجائب الدنيا السبع وتضاهي أهرامات الجيزة بمصر «أم الدنيا»!.
اللافت للنظر أنه رغم السنوات الطويلة، وعوامل التعرية المتواصلة من أمطار وصواعق رعدية ورياح عاتية، إلا أن هذه الناطحات لا تزال شامخة وثابتة كالجبال الرواسي، متحدية كل تلك الظروف والأيام وعوامل التعرية، مما يدل على أن طريقة بنائها لم تكن طريقة عشوائية، وإنما كانت بطرق هندسية وفن معماري متطور رغم أنها أنشأت في العهد القديم.
يقول أمجد بوداحس، أحد هواة التصوير في المدينة، عن الأهمية التاريخية والحضارية لمدينة حوطة الفقية علي، إنها تستمد تلك الأهمية كونها واحدة من أشهر المدن اليمنية تاريخاً، وليس على مستوى محافظة شبوة فحسب، مشيراً إلى أن الفضل يعود لمؤسسها العلامة الفقيه علي محمد بن عمر الحباني الخولاني سنة 727هـ، كما جاء في كتب التاريخ، مضيفا أن الزائر للمدينة التاريخية العريقة يحس بالارتياح منذ الوهلة الأولى، ويترك العنان لناظريه ليطوف ويمعن في ذلك الجمال الساحر.