إبراهيم سليم (أبوظبي)

أكد المشاركون في مؤتمر «حوارات المواطنة الشاملة» الذي تستضيفه أبوظبي، ضرورة الارتقاء بتأصيل مفهوم المواطنة العلمي؛ من كونها شراكة تعاقدية، إلى مستوى المؤاخاة الإنسانية المتكاملة بالسراء والضراء، المكفولة بالقوانين والدساتير، وبشكل ملزم على مستوى العالم. وأن المواطنة في المفهوم الإسلامي تضمن لجميع المواطنين حقوقهم على قاعدة العدالة والمساواة، لافتين الى أن اضطهاد الإرهابيين للأقليات الدينية مخالف لقيم الإسلام.
وثمنوا سياسة دولة الإمارات في ترسيخ مبادئ المواطنة، مؤكدين أن الإمارات تلعب دوراً مهماً في تعزيز السلم والأمن في العالم.
جاء ذلك، خلال افتتاح مؤتمر «المواطنة الشاملة»، الذي ينظمه منتدى تعزيز السلم؛ بالشراكة مع وكالة «ويلتون بارك» التابعة لوزارة الخارجية والكومنولث البريطانية، ومركز «كساب» للحوكمة الثقافية التابع لمؤسسة «أديان» اللبنانية في أبوظبي على مدى ثلاثة أيام، بحضور ما يزيد عن 100 شخصية من العلماء والمفكرين وممثلي الأديان في الشرق الأوسط، بينهم اللورد طارق أحمد وزير الحريات الدينية في الكومنولث البريطاني، ومعالي محمد بن عبدالكريم العيسى أمين عام رابطة العالم الإسلامي، ومعالي عبدالله المعتوق المستشار في الديوان الأميري بالكويت، ومعالي فيصل بن معمر رئيس مركز الملك عبدالله لحوار الحضارات.
وأكد الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي»، رئيس «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» ضرورة الارتقاء بتأصيل مفهوم المواطنة العلمي؛ من كونها شراكة تعاقدية، إلى مستوى المؤاخاة الإنسانية المتكاملة بالسراء والضراء، المكفولة بالقوانين والدساتير، وبشكل ملزم على مستوى العالم.
وثمن فضيلة الشيخ عبدالله بن بيّه، سياسة دولة الإمارات في ترسيخ مبادئ المواطنة، مشيراً إلى أنها تتسم بالواقعية في مراعاة خصوصية السياق المحلي، لافتاً إلى أن ذلك يتجلى بوضوح في سنها القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة التمييز وخطاب الكراهية وازدراء الأديان، والذي يعمل على تحصين المجتمع من خطابات الكراهية والتحريض على العنف.
وقال ابن بيه: سنعمل على تشخيص العراقيل والتحديات التي تحول دون تحقيق مفهوم المواطنة الشاملة والعقبات التي تعترضه في بلدان الشرق الأوسط، وإن اهتمامنا بتعزيز السلم ليس وليد اللحظة بل يعود لسنوات، لافتاً إلى أن فقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها حق المواطنة الذي لا يمكن تصوره بالمعنى الذي نبحث عنه في بيئة متشنجة.
وأضاف، أن اضطهاد الأقليات الدينية وكافة أشكال العدوان عليها التي يقترفها الإرهابيون مخالفة لقيم الإسلام، مشيراً إلى أن الإساءة إلى المقدس لا يمكن اعتبارها وجهاً من وجوه حرية التعبير، لأن المسيء هدفه إيذاء الآخرين والإساءة إليهم، ولا يحقق خيراً أو نفعاً له ولغيره، لافتاً إلى أن السلم يوجد بيئة الحب والسعادة والانتماء إلى الأمة والوطن والانخراط في مصالحه.
وقال ابن بيه: من دون السلم الاجتماعي يصبح الوطن حلبة للصراع وساحة للنزاع، وميداناً للدماء والأشلاء، وإن روح التسامح تحصن الأوطان، مشيراً إلى أن المواطنة رباط أو رابطة اختيارية معقودة في أفق وطني يحكمه الدستور، وأن المواطنة تتسامى على الفئوية، ولكنها لا تلغيها، والمطلوب أن تتواءم معها وتتعايش معها تعايشاً سعيداً.

للمواطنة خارطة طريق
وقال الدكتور محمد عبدالكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، إن عالم اليوم أصبح أكثر رفضاً لفرض القناعات بالقوة الصلبة وسادت فيه سياسة القوة الناعمة لبناء السلم المجتمعي والوئام.

وقال: للمواطنة خارطة طريق تقود للسلم الوطني وترسخ لبناء الوطن والوقوف في وجه أي تهديد له وأبرز معالمها تعزيز المناهج التعليمية بأسس المواطنة إضافة للدعم الحكومي لمشاركة الأقليات في الفعاليات الوطنية، وتفويت الفرصة على دعاة الإقصاء والكراهية، ويجب معالجة الظروف الاجتماعية السيئة التي تعيشها بعض الأقليات حول العالم لئلا تدفعهم لارتكاب أعمال انتقامية، بدافع الحقد أو اليأس.
وقال العيسى، إن المواطنة في المفهوم الإسلامي وفق نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وسير الصحابة، تضمن لجميع المواطنين حقوقهم على قاعدة العدالة والمساواة وحفظ الكرامة الإنسانية وحقن الدماء وصون الأعراض والأموال والممتلكات، مشيراً إلى اعتذار البابا يوحنا عن جرائم تاريخية.
وأضاف، إننا نرفض محاسبة طائفة أو أقلية عما فعله أسلافها بحجة الامتداد التاريخي، وإن الإنسانية أحوج ما تكون لرافعي شعار السلام والوئام لا دعاة الكراهية والتطرف، وعلينا عدم إتاحة الفرصة للإعلام المزايد على حساب أبناء الأقليات الذين ضحوا بأرواحهم وجاء التطرف ليحقق مصالحه الحزبية أو الفكرية أو العرقية والمادية على حساب القيم الوطنية الحاضنة للجميع، مستغلاً هذه التضحيات، رافعاً شعارات تدعو للتطرف والعنف.

تعزيز قيم المواطنة
وخلص العيسى إلى جملة من الأفكار والتصورات في هذا الشأن أبرزها: تعزيز المناهج التعليمية بالمواد الداعمة للمواطنة بواسطة أساليب قادرة على مخاطبة وإقناع التنوع الوطني، ومن ذلك ترسيخُ القناعة بأن القيم الوطنية ومختلف المفاهيم الدينية تؤكد تعزيز لُـحمة المواطنة. وتقديم الدعم الحكومي والأهلي للفعاليات التي تهدف لتعزيز قيم المواطنة والاندماج، ومن ذلك إشراك الأقليات، وخاصة قياداتها جنباً إلى جنب مع غيرها في كافة الملتقيات الوطنية. وتفويت الفرصة على أصوات الكراهية والإقصاء، لاسيما إثر الحوادث التي قد تثير نعرة دينية أو عرقية تجاه أي أقلية، والتأكيد على أن المكونات الوطنية بكافة تنوعها تتمتع بالاعتدال والمواطنة الصادقة والمخلصة، وأن الحالات الاستثنائية هي أعمال فردية تقتصر أخطاؤها أو جرائمها على أصحابها، وأنها ليست من طبيعة الدين أو العرق الذي تنتمي إليه، وأخيراً منع أي عزلة دينية أو ثقافية أو عرقية في التعليم أو المناشط المجتمعية التي يُفترض أن يشترك فيها الجميع.

المساواة أساس الاستقرار
وقال اللورد طارق أحمد وزير شؤون حقوق الإنسان بوزارة الخارجية البريطانية في كلمته إن المساواة أساس الاستقرار وتوفير حرية التعبير للجميع يقود للازدهار الاقتصادي وعدم تهميش الأقليات وسيلة لمكافحة خطاب الكراهية، مؤكداً أنه لا توجد دولة محصنة من خطاب الكراهية والحكومات لا تستطيع درء الحوادث الناجمة عنها إلا بالقضاء على الفرقة وتعزيز المساواة، مشيراً إلى أن أكثر من 90 ألف جريمة كراهية حدثت في بريطانيا خلال عام.

تعزيز السلم بالعالم
وأكد اللورد طارق أحمد أن الإمارات تلعب دوراً مهماً في تعزيز السلم والأمن في العالم، مشيراً إلى ضرورة العمل الجماعي لحماية المجتمعات وتحقيق المواطنة الشاملة، والتي تعد جزءاً لا يتجزأ من الأديان. وأكد أن الجميع متساوون، في بريطانيا التي بها تنوع كبير، وأنها تهتم بالمواطنة الشاملة وتحمي حقوق الجميع، فبريطانيا ملاذ آمن لكل الناس.
وقال: نواجه في بريطانيا خطابات الكراهية، مشيراً إلى ضرورة الالتزام بالحقوق للأفراد والواجبات وحرية التعبير. وأعرب عن فخره بما تقوم به بريطانيا في مجال احترام العقائد، حيث لا يوجد تمييز بين أفراد المجتمع، لافتاً إلى عدم وجود دولة بالعالم لا تعاني خطاب الكراهية، من ثم فإن المعركة مستمرة ضد مكافحة التمييز والكراهية. وأشار إلى وجود عدد من الدول تحتاج إلى اتباع إجراءات لحماية الأقليات كبورما وغيرها فلابد من وضع قوانين لحماية جميع المواطنين بتلك الدول.
وشدد على ضرورة إنهاء الخلافات والانقسامات وإعلاء القيم التي دعت إليها الأديان، مثمناً إعلان مراكش الذي تبناه «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» بأبوظبي ولابد من دعمه على الصعد كافة، وشدد على التزام المملكة المتحدة بحماية ودعم حقوق الأقليات ودعم جهود السلام.
وأكد اللورد أحمد، أننا بحاجة إلى المزيد من القوانين لحماية الأقليات، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة تهتم بتعزيز الديانات والتغيير الإيجابي وحقوق الإنسان والسلام الاجتماعي، انطلاقاً من إيمانها بالحقوق العامة للجميع، حيث تركز على المساواة في جميع النواحي، بما فيها السياسية والدينية، وهو ما يقود إلى السلام والمساواة والاستقرار.
وقدم معالي الدكتور عبدالله المعتوق المستشار في الديوان الأميري في دولة الكويت، مقاربة عن مفهوم المواطنة تنهل من روح الإسلام؛ باعتبار المواطنة في الفكر الإسلامي شكلاً من أشكال تكريم الإنسان؛ كما نص على ذلك القرآن الكريم، وكما عبرت عنه دول الإسلام الأولى التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، منتهياً إلى حقيقة أن التنوع الديني والثقافي ليس مجالاً للاختلاف، وإنما فضاء رحب للتعايش والائتلاف. فالمواطنة في المفهوم الاسلامي، حسب القرآن والسنة، تضمن لجميع المواطنين حقوقهم وتحفظ كرامتهم وتصون ممتلكاتهم.
وقال الدكتور فادي ضو رئيس مؤسسة «أديان» اللبنانية، إن انطلاق حوارات المرحلة الأولى من «المواطنة الشاملة»، تتزامن مع الاحتفاء بمرور مائة عام على الحرب العالمية الأولى. الأمر الذي يؤكد مرة أخرى ضرورة تعزيز ثقافة التنوع وترسيخ مفاهيم المواطنة الشاملة في السلوك العام في كل المجتمعات البشرية. وختم بالتعبير عن قناعاته، بأن الشراكة مع منتدى تعزيز السلم وويلتون بارك في حوارات اليوم ستخلص إلى مفاهيم جديدة للمواطنة.

القصور في إدراك المواطنة المشتركة يشكل خطراً على الجميع
تحدث معالي فيصل بن معمر رئيس مركز الملك عبدالله لحوار الحضارات بالمملكة العربية السعودية، حول وجود مفهومين للمواطنة، مفهوم الغرب العلماني، ومفهوم الشرق المتدين، ما يستدعي الجمع بينهما بآلية علمية عقلانية إبداعية، تستطيع أن تقدم المواطنة المشتركة، بوصفها ثقافة للاستقرار والتنمية والازدهار. فالقصور في إدراك المواطنة المشتركة يشكل خطراً على الجميع، وعلى الجميع أن يتكاتفوا لغرس ثقافة الشراكة في الوطن والانتماء.
وتحدث ابن معمر عن جهود مركز الملك عبدالله للحوار، خاصة لجهة إنشاء أول منصة للحوار بين المسيحيين والمسلمين؛ لأننا بحاجة إلى تنظيم حوار شفاف ومفتوح بين المجتمعات الإنسانية، مؤكداً أنه يتوجب أن يكون هناك اتفاق عالمي بأن الدين هو جزء من الحل، وليس جزءاً من المشكل.

مستشار السيسي: «الإخوان» يحيون ثقافة الموت وإماتة الوطن
أكد فضيلة الدكتور أسامة الأزهري، المستشار الديني للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أن الأزهر يرفض مفهوم الأقلية ويعتد بالمواطنة الكاملة الشاملة، واستذكر مفتي الأزهر سليم البشري، الذي أدان في بيان أزهري المذابح التي جرت بحق الأرمن عام 1909 مؤكداً أن الإسلام يمنع البغي والأضرار على أي كان. وكذلك الأمر عندما وقعت الاعتداءات على الأقباط أصدر الأزهر بياناً ينادي بالمواطنة الكاملة لكل الناس. ولاحظ الأزهري أن تيارات التطرف لم تكتف بنقض العهود وقتل التعايش، وإنما اعتدوا أيضاً على المفاهيم، فخرج «الإخوان» على الناس بفكرة موت الوطن، فصار الوطن حفنة من تراب مرة، وأخرى شعوراً مرفوضاً. وخلص إلى أن تدمير فكرة الوطن يؤدي إلى تدمير ثقافة المواطنة، ولذلك لابد من العودة إلى ثقافة الإسلام.
وقال إن بذور الكراهية والعداء أدت إلى إيقاد نيران الحرب العالمية الأولى وتسببت في وفاة الملايين من الناس، والحرب العالمية الثانية أدت إلى وفاة 60 مليون إنسان من كافة الأديان والأعراق.. وتبنى منهج الموت والتفكير فيه عدد من الفلاسفة والكتاب في أوروبا، والذين تعززت لديهم فكرة الموت، إلى أن تعهد العالم بوقف الحرب والوصول إلى سلام بين الشعوب. وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط والدول العربية والإسلامية شهدت مع نهاية القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر ظهور التيارات المتطرفة، بقيادة «الإخوان»، وأطلقت سلسلة أفكار الموت ومنها تدمير وتفكيك وموت الوطن، التي تعد مقابلة لما تم بعد وأثناء الحربين العالميتين. وقال إن «الإخوان»، وغيرهم من الجماعات المتطرفة يدعون إلى فلسفة الموت وموت الوطن والمواطنة وإشعال حروب والنظر إلى الوطن أنه مجرد حفنة تراب، وبذلك يدمرون معنى الوطن.
وتابع أن الأزهر ومنتدى تعزيز السلم يواجهان هذه الأفكار ويدعوان إلى الحفاظ على الحياه، ولذا فإننا نسير باتجاه ثقافة الإحياء والحياة واحترام مواريث النبوة والتعاليم الدينية، وإعادة التوازن بين الهوية الوطنية والهوية الدينية وهما دائرتان متداخلتان.
وأضاف: لابد من القبول المشترك للجميع في الوطن، وقضيتنا إحياء الوطن والوطنية والمواطنة وإحياء الأمل وصياغة العقول بما يمكنها من مواجهة أصحاب الفكر المتطرف.