الإمارات

الاتحاد

محمد بن زايد يشهد محاضرة حول "العطاء بذكاء"

خلال المحاضرة

خلال المحاضرة

شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بمجلسه الرمضاني الليلة الماضية، محاضرة بعنوان “العطاء بذكاء .. نحو تحقيق الفائدة القصوى من المعونات “ للبروفيسور أبيجيت بانرجي أستاذ كرسي الاقتصاديات الحالي بمؤسسة فورد الدولية في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا “ام آي تي” والباحث المنتسب بجمعية الابتكار من أجل مكافحة الفقر بولاية كونيكتيكت الأميركية.

كما شهد المحاضرة سمو الشيخ عبدالله بن راشد المعلا نائب حاكم أم القيوين، وسمو الشيخ محمد بن سعود بن صقر القاسمي ولي عهد رأس الخيمة، وسمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي ودولة فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان الأسبق رئيس كتلة تيار المستقبل في مجلس النواب اللبناني، وعدد من الشيوخ والوزراء والسفراء والعلماء وكبار المسؤولين وعدد من المهتمين .

وأكد البروفيسور أبيجيت بانرجي في بداية محاضرته أهمية مبدأ العطاء ، مشيراً إلى أنه في الوقت الذي يعتبر فيه مسألة المعونات جدية بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة فإن الجدال حولها مستمر بين الاقتصاديين في مختلف أنحاء العالم لمعرفة ما إذا كان للمعونات أن تقضي على الفقر أم لا ولماذا تخفق بعض المعونات في تحقيق الهدف منها ؟.

وقال إن الناس يتأثرون بالناحية الدعائية، خاصة الأثر الذي تتركه الصورة المنشورة لدى الناظر مستشهداً بحالة فردية لفتاة صغيرة من مالي والتي تعاني الجوع والأمراض وقد ظهرت صورتها في الإعلام لذا تبرعوا لها بمال كثير بعكس ما قدموه لملايين الفقراء في مختلف أنحاء العالم، وأعاد السؤال مجدداً هل المساعدة تنجح وتقضي على الفقر؟.. وهل من الصعب القضاء على الفقر؟

وأجاب بأن السؤال يجب أن يبدأ بالتالي .. ماهي الخبرة التي نحتاجها للتأثير على مقدمي المعونات وإقناعهم بأن العطاء هو الطريقة الأفضل ..موضحاً أن هناك مبادئ أساسية للتبرع أو العطاء: أولها أن لا تفترض معرفة السؤال بل جرب الإجابة فمثلاً التطعيم ضد الأمراض من الفوائد طويلة الأمد والرخيصة الثمن والمتوافرة مجاناً ولكن المشكلة تكمن في الخطوة الأخيرة فرغم أن كل شيء متوفر لكن لا يتم تطعيم الأطفال، ففي عام 2000م تم تطعيم 1 بالمائة فقط والسبب أن بعض الحكومات وأنظمتها المنهارة والموظفين الكسالى الذين لا يقومون بالتطعيم وهو سبب في عدم نجاح فكرة تقديم المعونات.

أما المبدأ الثاني فهو أن هناك من يقول أن أهالي الأطفال لا يريدون تطعيم أطفالهم بسبب معتقداتهم القديمة وعاداتهم الشعبية، وبالتالي فهم لا يذهبون إلى مراكز التطعيم، وأشار إلى اللجوء إلى أفكار من أجل جذبهم من خلال تجربة توزيعهم في مخيمات مختلفة وكانت النتيجة أن نسبة 95 بالمائة منهم حضروا إلى المخيم الذي قدمت فيه بعض الحوافز مثل إعطاء أكياس الفاصوليا كهدية للطفل المطعم وذلك في مقابل مخيمات تطعيم دون حوافز.

وأكد أن نتيجة هذه التجربة كانت بعد سنة ونصف تقريباً وهي زيادة في نسبة الأطفال المطعمين من 1 بالمائة إلى 6 بالمائة ثم إلى 17 بالمائة وهو تحسن كبير ولكن هناك 83 بالمائة من الأطفال غير المطعمين لم يحضروا ولكن بإعطائهم أكياس الفاصوليا زادت النسبة إلى 38 بالمائة ونتوصل إلى حقيقة مفادها أن التكلفة الحقيقية لهذه العملية هي أن تذهب إلى القرية لتطعيم أكبر عدد ممكن من الأطفال وتقديم الحوافز لهم.

ثم تحدث عن المبدأ الثالث وهو “انظر إلى الأدلة وتوقع المفاجآت” ، وقد تناول فيه المحاضر موضوع التعليم المثير للاهتمام ، حيث وجد أن بلداناً كثيرة مثل باكستان والهند وكينيا وتنزانيا وغانا ... الخ تؤكد أن هناك حقيقة مقلقة وهي أن نسبة 40 بالمائة من الطلاب في الصف الخامس يستطيعون القراءة في مقطع واحد و30 بالمائة يستطيعون التقسيم البسيط في الرياضيات، مشيراً إلى عدة عوامل تساعد على ذلك ولكن الشيء الأساسي هو أنه لكي ينجح هذا النوع من الفعل لابد من إجراء الكثير من التجارب.

وأشار بانرجي إلى أنه تم توزيع الكتب المنهجية في بعض المدارس ولكنها لم تنجح رغم وجود المدرسين الإضافيين، وقال إن الحقيقة هي أنه بدلاً من مدرس يعلم المنهج للأطفال احصل على معلم من نفس المنطقة والمهم أن عليه أن يعلمهم على الأقل تاريخ المنطقة وليس القراءة فقط لأن الطفل يريد مشاهدة الأفلام، حيث إنه لا يشعر بالفائدة من الكتب ولا عجب أن يترك المدرسة.

كما لاحظ المحاضر أن طلاب الثانوية المتطوعين الذين يساعدون الأطفال في تعلم الأساسيات أحدثوا تغييرا كبيرا لأن المسألة هي التركيز على هذه النقطة ، فالوالدان الأميان لا يستطيعان مساعدة طفلهما وقد يحرم الطفل من كثير من الفرص ومع ذلك فالمدرس ليس سبب الفشل لأنه لا توجد لديه تعليمات وإنما السبب هو النظام التعليمي المتجمد وهكذا نجد أن النقطة الرئيسة إذن ليست بتعليم الأطفال وتدريب المدرس على المنهج أو إدخال الحاسوب ولكن السؤال الصحيح هو لماذا وسنرى أننا نتجاهل الحقيقة ثم نرى ماذا يحدث ونتوقع المفاجآت ولا نستبق الإجابات.

وتحدث المحاضر بعد ذلك عن المبدأ الرابع وهو إنسانية الفقراء أي أنهم بشر مثل بقية الناس ولهم رغبات مماثلة وطموحات مشابهة، مشيراً إلى أنه في المغرب مثلاً عندما يسأل الفقير ماذا سيفعل بالمال الذي يعطى له فيجيب بأنه عند الحصول على المال يريد أن يشتري الأكل لأنه جائع ولكن في الحقيقة فإنه يشتري ببعض المال التلفاز للتسلية لأنه في نظره أهم من الطعام وهذا مهم فقريته لا شيء فيها والملل يلفها ولذلك فالفقراء ليسوا مجرد آلات آكلة وإنما هم بشر يريدون أن يعيشوا مثلنا تماما يريدون تسلية وملابس جيدة ... الخ ، وإذا أعطيت الفقير مثلا عشرة دولارات فسينفق منها ستة دولارات على الغذاء وثلاثة على المغذيات ودولار على طعام أفضل ولكن 7 بالمائة من إجمالي الأنفاق لدى الفقراء تذهب لشراء السكر والشاي لأنهم يستمتعون بذلك.

كما تحدث عن تجربة أخرى جميلة في بعض قرى الصين، والتي يزرع فيها الأرز ويصنع منه النودلز، وهو أحد أنواع المعكرونة، حيث قام الفقراء بشراء بعض الأرز بمال أقل والباقي لشراء أمور أخرى وبذلك انخفضت السعرات الحرارية لذلك فإنها تجربة تؤكد بشريتهم وضرورة ممارسة حياتهم اليومية.

وانتقل المحاضر بعد ذلك إلى المبدأ الأخير وهو أن علينا الإنصات لما يقال حول ريادة الأعمال لدى الفقراء وتمويل المشاريع الصغيرة وكيف يساعدهم ذلك لانتشالهم من الفقر، مشيراً إلى أن 12 بالمائة من سكان بعض دول أوروبا أطباء وأغنياء وهناك 40 بالمائة من فقراء الريف لديهم نوعان من العمل أحدهما زراعي والآخر غير زراعي مقابل 60 بالمائة إلى 70 بالمائة من فقراء المدن الذين لديهم أعمالهم الخاصة في حوالي 18 دولة غربية، ولكن الأمر المضلل هو أنهم يريدون أن يكونوا من رواد الأعمال.

ويتساءل المحاضر لماذا كل الاهتمام بذلك ؟ ..ويجيب بأن سياسات صناع القرار التي تصاغ بهذا الشكل ليست صحيحة والمشكلة أننا لا نميز الحقائق حيث نعتمد على الأيديولوجيا أو الأفكار المسبقة أي أن الأمور يجب أن تكون بهذا الشكل أو نتجاهل ما يريدونه فصناع القرار يتجاهلون البراهين ويتم تنفيذ الأمور دون التفكير بنجاعتها لسوء الحظ.

وأكد البروفيسور أبيجيت بانرجي في ختام محاضرته أن الرسالة التي أراد إيصالها هي أن هناك إجابات كثيرة يمكن أن تساعد على القيام بالأمور الصحيحة وليس من المستحيل أن نقوم بالصواب، بل علينا التفكير بانفتاح وننظر إلى الأدلة لأنها تحدثنا وتقدم لنا الإجابات التي نريد أو يمكن من خلالها تجنب المشاكل وجعل العطاء أفضل.

وبعد ذلك فتح المحاضر الباب للأسئلة والمداخلات، حيث قدم دولة فؤاد السنيورة مداخلة أشار فيها إلى أن أحد الأبعاد من هذه التجربة هو أن الهدف هو مكافحة الفقر وتقديم مستوى معيشة أفضل عبر التعليم، حيث إن التعليم هو المفتاح لكل ذلك، مشيرا إلى أنه في الكثير من الحالات لا تستفيد الأسرة من التعليم بسبب الأمية. وقال السنيورة إنه رغم ذلك فإنه يجب إيصال شيء آخر للمتلقين للمعونات فهم لا يدركون الأمور المهمة وعلينا أن نرسل مع المساعدات قيمة معينة في طريقة احترام العمل الجاد والنظر إلى المعونة، مشيراً إلى حديث للنبي محمد صلى الله عليه وسلم معناه أن تأكل من عمل يدك فهو أفضل من أن تكون عالة على الآخرين، مؤكداً أن هذه هي الرسالة المهمة.

وأضاف السنيورة أنه لابد أيضاً من مساعدة الفقراء في تطوير فكرة ريادة الأعمال، مؤكداً أنها قيمة محددة لابد من تدريسها للأجيال ليطوروا أنفسهم كما تساءل السنيورة عن نقطة أخرى لم يسمعها من المحاضر وهي مسألة التمكين في مجال المهارات لكي يكسب الفقراء عيشهم ويحسنوا من أوضاعهم وبالتالي تتم مكافحة الفقر وليس بالمساعدة فقط فالأمر يحتاج إلى العزم والإرادة المتواصلة من قبل الحكومات والبلدان المانحة.

وأجاب المحاضر على مداخلة دولة فؤاد السنيورة ، مشيراً إلى أن الموضوع متعدد الجوانب وأنه لم يتطرق إلى كافة القضايا في حديثه، وقال إن المثال الذي أورده السنيورة عن تطوير المهارات هو مثال ممتاز جداً، مضيفاً أنه عندما نفكر لابد من التعامل ولابد من التمكين بدلا من إعطاء الشهادات التي يتم التعامل معها بطريقة ميكانيكية وهذا هو جوهر التمكين.

كما رد على سؤال آخر حول من يجب أن يتأهل للحصول على المساعدة ، وقال إن ذلك يعتمد على المتبرع فإذا وجدت امرأة تموت أثناء الولادة والطفل سيعيش دونها فإن هذا يعتمد على القيم التي لديك كما رد على سؤال يقول هل الرأي العام ضاق درعا بهذه الأمور وهل المساعدات أصبحت قليلة ، مؤكدا أن تقديم الوعود وعدم الإيفاء بها وكذلك المال لا يحل كل المشاكل ولا توجد طريقة سحرية للقضاء عليها ولكن هناك العديد من قصص النجاح فالعطاء قد لا يحل الفقر ويجب ألا نتوقع أن نحل مشكلة الفقر غدا صباحاً ولكن علينا أن نكون ممتنين مما نحققه وستكون خيبة أمل إذا قلنا إننا سنحل غداً كل المشاكل.

ورداً على سؤال آخر حول ما قاله من أن العطاء ينقذ.. فهي المال المقدم إلى بلد يزيد من التضخم؟ وكيف يمكن منع ذلك؟.. قال المحاضر ..إن هذه قضية كبيرة بالنسبة للدول الصغيرة، وهو ما يطلق عليه الاقتصاديون “اسم المرض الهولندي” وطالب الدول الصغيرة أن توائم الأمر عن طريق التخفيف من التضخم في الاقتصاد، بحيث يكون هناك انخفاض في قيمة العملة وسعر الصرف.

وحول الطرق الأخرى التي يمكن القضاء بها على الفقر دون المساهمات والعطاءات أجاب المحاضر بأن الأمر يتعلق بتغيير السياسات، مشيراً إلى أن المساعدات تشكل جزءا صغيرا من ميزانية الدول فبنغلادش مثلا وباكستان تقدم حوالي 25 بالمائة للقضاء على الفقر ولكنها نسبة مفيدة لأنها غير مرتبطة بالسياسة ومن يقدم المساعدات إذا كان حكيما وله نظرة مستقبلية يقول إن الدول لا تريد أن تفشل والمهم هو البحث عن حلول جديدة وابتكارية وليس عيبا أن نعترف بالفشل في موضوع العطاء والمساعدات.

السؤال الصحيح والمفاهيم الخاطئة

ذكر البروفيسور أبيجيت بانرجي أستاذ كرسي الاقتصاديات الحالي بمؤسسة فورد الدولية في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا “ام آي تي” عدداً من الأفكار والمفاهيم والأسئلة الخاطئة حول هذا الأمر مثل الذي يقول أعطني المعونة وأنا أنهي الفقر أو هل المعونة تنهي الفقر؟.. وهل تعطى المعونة لكسب الولاء ؟.. وهل تنجح البرامج الحكومية عند تقديم المعونات؟ وأشار إلى أن السؤال الصحيح هو هل يمكن تقليص هذه الفجوة ؟.. أي التقليل من حدة الفقر عبر تعزيز الرعاية الصحية مثلا واستخدام أنواع من التدريب لمواجهة مشكلة الملايين الذين يعانون من الجوع والأمراض وعدم الالتحاق بالمدرسة.

الأولوية لشراء أجهزة التلفاز والبرادات

لاحظ المحاضر البروفيسور أبيجيت بانرجي أنه من أصل 140 منطقة في الهند حصلت 52 منها على تمويل لرواد الأعمال من الفقراء وعندما حصلوا على هذه الأموال اشتروا بها التلفاز والبرادات وغير ذلك ولم ينشئوا عملا خاصا بهم وعندما تسألهم ماذا يريد الفقراء لأبنائهم فإنهم يجيبون بجواب واحد وهو أنهم يريدون الحصول على وظيفة حكومية أو عمل غير حكومي ولا يذكرون العمل الخاص ، مؤكداً أن المتبرعين بالمال يعتقدون بما يقول هؤلاء ولكنهم ليسوا كذلك، أي لا يفعلون ما يقولون.

اقرأ أيضا

تكريم الفائزين بـ«جائزة محمد بن راشد».. الإمارات تحتفي برواد التسامح