ثقافة

الاتحاد

الإمارات.. وطنٌ للأخوة الإنسانية

البابا فرنسيس وشيخ الأزهر يوقعان وثيقة الأخوة الإنسانية (أرشيفية)

البابا فرنسيس وشيخ الأزهر يوقعان وثيقة الأخوة الإنسانية (أرشيفية)

على هامش الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان، في الأسبوع الأول من فبراير من كل عام، يطفو على السطح تساؤل عميق حول التجربة الإماراتية في التسامح والتلاقي بين الأديان، لا سيما وأن العام الفائت 2019 لم يكن عاماً اعتيادياً في هذا السياق، بل كان العام المخصص للتسامح، وفيه جرت المقادير بأحداث إيجابية وخلاقة، وفي مقدمها توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في فبراير شباط الماضي، وزيارة بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، الأمر الذي اعتبر بداية جديدة لزخم إنساني مغاير عما هو قائم وقادم في حاضرات أيامنا.

يستدعي الحديث عن التجربة الإماراتية في التسامح تجذير المشهد، أي الحديث عن الجذور الأصيلة، وهي دائماً وأبداً تبدأ من الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، الذي أرسى أصول العيش المشترك، ووضع لبنات التسامح الخلاق، وفتح أبواب الإمارات أمام الجميع من دون تصنيف أو تمييز، لتضحى بلاده رواق الأمم المعاصر، لتصبح رسالتها رسالة للاقتداء بقيمها المتسامحة، وبفكرها الذي يحمل السلام والمحبة للبشرية جمعاء، رسالة يجب الأخذ بها في دروب عالم يشكو من الأصوليات والقوميات، حيث الخوف من الآخر يسيطر على النفوس، في حين تمضي الإمارات في طريق الأخوة الإنسانية، غير عابئة بمخاوف الاختلاف الديني والمذهبي والثقافي، بل تعتبره إضافة وإثراء، وترى في التنوع حكمة إلهية، ذلك أنه لو شاء سبحانه وتعالى لجعل الناس أمة واحدة.

عام الحصاد
الحديث عن التجربة الإماراتية في التسامح بين الأديان، تقتضي منا أيضاً الرجوع إلى التساؤل المثير للتفكر الذي طرحه أديب فرنسا الكبير أندريه مالرو، في ستينيات القرن الماضي: «هل سيكون القرن الحادي والعشرون قرناً دينياً أم لا؟. والشاهد أنه بات قرن انفجار العنف الذي ينسب خطأ وظلماً للأديان، إنه القرن ذلك الذي يسعى فيه البعض لأن يجعلها تتصادم إلى درجة التصارع والحروب، فيما تقف الإمارات بصدق ونهج إنساني عميق، لتجعل من الأديان جسوراً تقرب البشر لا جدراناً تباعد بينهم.
لم تنظر الإمارات إلى التسامح بوصفه مسألة دعائية أو بروباجندا إعلامية، بل حرصت، وكما يشهد على ذلك المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، على إضفاء الطابع المؤسسي على التسامح، عبر تأسيس وزارة التسامح عام 2016، وكذلك تشكيل اللجنة الوطنية العليا للتسامح عام 2018، وقبلهما أصدرت الإمارات قانون تجريم الازدراء الديني، ذاك الذي سبقت به الكثير من الدول التي تتشدق بمسألة حرية الرأي وحقوق الإنسان، وغير القادرة حتى الساعة على وضع خطوط وحدود فاصلة بين حرية الرأي ومساقات الكراهية.
كان العام 2019 وعن حق عام الحصاد، حصاد التسامح الخلاق الذي أرست الإمارات قواعده في 8 يونيو 2016، وذلك حين اعتمد مجلس الوزراء البرنامج الوطني للتسامح، والذي يهدف إلى استدامة قيم التسامح واحترام التعددية، والقبول بالآخر فكرياً وثقافياً ودينياً وطائفياً من جهة، مع نبذ العنف والعصبية والتمييز والكراهية من جهة أخرى.
إن أول ركيزة من ضمن الركائز السبع، التي يستند إليها برنامجها في التسامح هو الإسلام نفسه، حيث حث الدين الإسلامي على التسامح والاحترام والتعايش والوئام، وشددت تعاليمه على نبذ العنف والتطرف والكراهية والخصام.
الإسلام يرسخ لمفهوم وتجربة التسامح بين أتباع الأديان، فهي فلسفة قرآنية عميقة «لكم دينكم ولي دين»، و«من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».
وإحدى النقاط الأساسية في نجاح التجربة الإماراتية في التسامح، موصولة بالإيمان الراسخ لدى القيادة الإماراتية، بمعنى يقين الدور الحكومي الإماراتي من أن التسامح لا بد له من قرارات ناجزة وفاعلة تحمي مقدراته.
هكذا نجحت التجربة الإماراتية في التسامح بين الأديان بنوع خاص، في ظل تعزيز دور الحكومة كحاضنة للتسامح، حيث اضطلعت مؤسسات الدولة عن بكرة أبيها بنشر قيم ومبادئ التسامح والوسطية وقبول الآخر ونبذ العنصرية والعصبية، وذلك من خلال سن التشريعات والقوانين، ووضع المؤشرات الوطنية، وكذلك ترسيخ دور الأسرة المترابطة في بناء المجتمع المتسامح، فهي النواة الرئيسة لبناء مجتمع متسامح ومتفهم ويقبل الآخر ويحترم التعددية الثقافية، إضافة إلى تعزيز التسامح لدى الشباب ووقايتهم من التعصب والتطرف، باعتبار أن الشباب هم عماد المجتمع ومستقبله المشرق، وتولي قيادة وحكومة دولة الإمارات عناية فائقة بهذه الفئة، وتفعيل أدوارهم لتعزيز قيم التسامح والتعايش، وترسيخ القيم الصحيحة لسماحة ووسطية الدين الإسلامي الحنيف.

المؤشرات الدولية
تجربة الإمارات في التسامح رصدتها المؤشرات الدولية، الأمر الذي يفيد بشهادة العالم كافة لنجاعة المشهد التسامحي الإماراتي، فقد حققت الإمارات المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر التسامح تجاه الأجانب، بحسب التقارير الأممية عام 2017، وذلك في ثلاثة تقارير دولية، وهي الكتاب السنوي للتنافسية العالمية، وتقرير مؤشر الازدهار الصادر عن ليجاتم، وتقرير مؤشر تنافسية المواهب العالمية الصادر عن معهد إنسياد.
عطفاً على ذلك، جاءت الإمارات في المرتبة الثالثة عالمياً في مؤشر الثقافة الوطنية، المرتبط بدرجة التسامح ومدى انفتاح الثقافة المحلية لتقبل الآخر، إذ صعدت الإمارات من المرتبة الثامنة عام 2015 إلى المرتبة الثالثة عام 2016، وذلك بحسب تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2016، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية العالمية في سويسرا، والذي قيم 61 اقتصاداً متقدماً.
خطوتان مضت بهما الإمارات في طريق تأكيدها على الوحدة والأخوة الإنسانية، الخطوة الأولى اكتملت بنجاح باهر، والثانية في طريقها إلى الاكتمال عام 2022.
أما الأولى فهي زيارة قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى الإمارات، هذا الحدث الذي أعاد جزءاً هاماً من مسار العلاقة الإنسانية بين الشرق والغرب، وبين المسيحيين والمسلمين حول العالم، إلى نصاب التعايش الإنساني والإيماني الواجب أن يكون.
أظهرت الزيارة والسماح للبابا بالصلاة في استاد زايد الكبير مدى الموثوقية والمصداقية اللتين تتمتع بهما الإمارات قولاً وفعلاً، وجاءت شهادات أكثر من ستين جنسية من مسيحي العالم الذين شاركوا الصلاة، لتؤكد أنهم يعيشون على أرض الإمارات تجربة حقيقية للتجانس والتعايش.
أضف إلى ذلك، أن خروج وثيقة الأخوة الإنسانية خلال تلك الزيارة، فتح الأبواب واسعة أمام اتساع روح التسامح عبر الأخوة في أرجاء العالم قاطبة، وليس في المنطقة العربية فحسب.
الخطوة الثانية التي تعزز إيمان واعتقاد الإمارات بفكرة التسامح بين الأديان، تتمثل في إنشاء بيت العائلة الإبراهيمية، والذي يضم أماكن العبادة الثلاثة لأبناء الخليل إبراهيم عليه السلام، حيث الكنيسة تلاصق المسجد ويجاورهما المعبد اليهودي، أي مجمع الأديان الذي يعكس الجهود الإماراتية التي لا تنقطع من أجل نشر قيم التسامح الديني والتعايش السلمي، ويأتي هذا المشروع تأكيداً على سعي الدولة لترسيخ سياسة الانفتاح والتسامح التي انتهجتها منذ تأسيسها.

 تصميم البيت الإبراهيمي

بيت العائلة الإبراهيمية
ما الذي يعنيه بيت العائلة الإبراهيمية؟ إنها الفكرة غير المسبوقة التي اقترحتها الإمارات العربية المتحدة، والتي تعمل عليها حتى تتبلور واقعاً حياً ومدهشاً بحلول العام 2022 في جزيرة السعديات، حيث يحدث وللمرة الأولى في التاريخ القديم والمعاصر للمسيحية والإسلام واليهودية أن يجمعها كيان عمراني واحد، يمكن للمسيحي أن يجد فيه كنيسة لأداء صلاته، وللمسلم مسجداً يؤدي فيه شعائره، ولليهودي كنيس يمارس فيه عبادته.
قطعاً هناك فلسفة رائقة وراقية، بل عمق إسلامي رصين يحمل رؤية الإسلام الوسطي القابل للآخر والمتعايش معه، رؤية تنظر إلى الأديان الثلاثة على أنها تراث روحي لأبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام.
يحمل بيت العائلة الإبراهيمية دلالات لا تغيب عن الأعين في مقدمتها إحياء عصور من التناغم المشترك سادت في أوقات فيض المودات، وقد كانت الحضارة العربية في بعض أوقاتها زاهرة بهذه المساحة من الحريات التي تحترم وتقدس إيمان وعقيدة الآخر، وتكررت التجربة لقرون في الأندلس، ورغم أن صفحات التاريخ حملت كذلك عقوداً من الصراع، إلا أن أصحاب النوايا الطيبة والأرواح النقية قادرون على تغيير الواقع.
كانت وثيقة الأخوة الإنسانية منطلقاً وركيزة أساسية في فكرة بناء هذا البيت، لا سيما وأنها أشارت إلى ضرورة الدعوة إلى التوفيق بين الناس من جميع الأديان، التوفيق على صعيد مناحي الحياة اليومية، مع احترام متبادل من كل اتباع دين معين للدينين الآخرين، الأمر الذي يقود في خاتمة المطاف إلى خدمة السلام العالمي.
دلالة أخرى غاية في الأهمية وهي إظهار وجه الإسلام الحقيقي للعالم أجمع، لا سيما بعد أن حاولت جماعات الإسلام السياسي، والجماعات الإرهابية المارقة الحديث باسم المسلمين وتقديم صورة مشوهة عن الدين الحنيف.
تصميم البيت الإبراهيمي شارك فيه مهندسون معماريون معروفون من خلفيات وديانات متنوعة من حول العالم حتى يأتي الحجر مواكباً وموافقاً لروح البشر وفي خدمتهم. ويضم بيت العائلة الإبراهيمية 3 مبان منفصلة يخصص كل واحدة منها على حدة لدين، وحديقة رئيسية خاصة للمجمع ككل.
ولعل ما يميز البيت الإبراهيمي ويصله بما هو أبعد من مجرد كونه بيتاً للعبادة على أهمية الفكرة، هو احتضانه لبرامج تعليمية، وفعاليات متنوعة هدفها تعزيز التبادل والتعاون الثقافي والإنساني، إضافة إلى وجود مبنى رابع يعمل كمتحف ثقافي يجتمع فيه الأشخاص بمختلف انتماءاتهم، بمعنى أن بيت العائلة الإبراهيمية يوفر أمرين غاية في الأهمية، الأول هو مكان للالتقاء ولتعزيز ثقافة الحوار والجوار، فالناس أعداء ما يجهلون، وحين يحدث التلاقي ويتعاظم الحوار، تسقط الجدران تلقائياً وتمتد الجسور.
أما الأمر الآخر فهو أن البيت يفتح مسارات ويشق مساقات تعليمية، وهذا أمر يخص الأجيال القادمة، ناهيك عن إتاحة الفرصة ليكون البيت نقطة انطلاق لأنشطة فكرية وذهنية مختلفة، وقد تكون مواسم الأعياد للأديان الثلاثة فرصة ذهبية لتعميق المودات وتجذير روح الإنسانية الواحدة، وغني عن القول إن يوم افتتاح هذا البيت سيكون يوماً تاريخياً في حياة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

غرف العبادة في مطار أبوظبي

غرف العبادة
غرف في المطارات أو المستشفيات في الإمارات تجسد ذات النهج الأصيل الذي تنتهجه القيادة الإماراتية في التأكيد على قيم التسامح والتآلف بين الأديان، وينص دستور دولة الإمارات العربية المتحدة على حرية ممارسة الشعائر الدينية بما يتوافق مع التقاليد المتعارف عليها، وفي يوليو تموز الماضي تم تدشين غرفة عبادة متعددة الأديان، في مبنى مطار أبوظبي الدولي، والتي تتيح للمسافرين ممارسة شعائرهم الدينية. ومثل هذه الغرف لم يعرفها عالمنا العربي ولا الإسلامي بعد، وأن كانت توجد في بعض مطارات الدول الأوروبية التي تقيم وزناً لفكرة احترام الأديان المغايرة، وقد عاش صاحب هذه السطور ذكريات مع واحدة منها في مطار أورلي في باريس في تسعينات القرن المنصرم.
ويرى الرئيس التنفيذي لمطارات أبوظبي بأن فكرة غرفة العبادة متعددة الأديان تأتي انسجاماً مع القيم التي أطلقتها الشركة احتفالاً بعام زايد أولاً، وبعام التسامح ثانياً، ومن الجلي القول إن المرتكزات الأولية التي وضع زايد الخير لبناتها عن التسامح، تقف بجذورها خلف الفكرة الخلاقة حيث وجدت طريقها للتنفيذ.
ولم يكن لعام التسامح أن ينصرم قبل أن تضع الإمارات بصمة جديدة من بصمات التسامح، عبر إنشاء غرفة عبادة متعددة الأديان في مستشفى «كليفلاند كلينيك أبوظبي»، ما يعكس احتراماً لكل مريض يقصد هذا الصرح الطبي العالمي مهما كان انتماءه الديني، لا سيما وأن المريض عادة ما يكون في حاجة ماسة إلى مدد روحي وإيماني يطرد عنه اليأس ويزيح الإحباط من طريقه للتشافي والتعافي.
الخلاصة يوما تلو الآخر تثبت الإمارات أنها رسالة ازدهار وتلاقي للبشرية، وجسراً للمحبة بين الناس أجمعين.

أسبوع الوئام العالمي بين الأديان
أسبوع الوئام العالمي بين الأديان هو حدث سنوي يُحتفل به خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير ابتداء من عام 2011. وقد أقّرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أسبوع الوئام العالمي بين الأديان في قرارها رقم 65/‏5 الذي اتخذ في 20 أكتوبر 2010. وأشارت الجمعية العامة في قرارها إلى أن التفاهم المتبادل والحوار بين الأديان يشكلان بعدين هامين من الثقافة العالمية للسلام والوئام بين الأديان، مما يجعل الأسبوع العالمي وسيلة لتعزيز الوئام بين جميع الناس بغض النظر عن ديانتهم.
واعترافاً منها بالحاجة الملحة للحوار بين مختلف الأديان، ولتعزيز التفاهم المتبادل والانسجام والتعاون بين الناس، تُشجّع الجمعية العامة جميع الدول إلى دعم هذا الأسبوع لنشر رسالة الانسجام والوئام من خلال كنائس ومساجد ومعابد العالم وغيرها من أماكن العبادة، على أساس طوعي ووفقاً للقناعات والتقاليد الدينية الخاصة بهم.

الفكرة عربية
أُعتمد أسبوع الوئام العالمي بين الأديان — بناء على اقترح جلالة الملك عبد الله الثاني، ملك الأردن، في الأمم المتحدة في 2010 — لتعزيز السلام الثقافي ونبذ العنف. وتبنت الجمعية العامة ذلك الاقتراح فاعتمدته في قرارها 5/65، معلنة الاحتفاء بالأسبوع الأول من شهر شباط/فبراير بوصفه أسبوعا عالمياً للوئام بين الأديان، ودعت الحكومات والمؤسسات والمجتمع المدني إلى الاحتفاء به بمختلف البرامج والمبادرات التي من شأنها تعزيز غايات ذلك الهدف.

اقرأ أيضا

عمران العويس.. سنديانة مؤرخي الإمارات