الاتحاد

الإمارات

الإدارة الانتخابية

محمد المزروعي

محمد المزروعي

د. محمد المزروعي*

تمت الإشارة في مقال سابق أن من بين المقومات الأربعة الرئيسية لأي عملية انتخابية هي الإدارة المشرفة عليها، بالإضافة إلى الناخبين والمرشحين وعمليات التصويت والفرز والطعون الانتخابية، وعادة ما يحدد الإطار القانوني للانتخابات الإدارة المسؤولة عنها والصلاحيات التى تتمتع بها، والمبادئ التى يجب أن تستند إليها لضمان أخلاقيات العملية الانتخابية، وتختلف الأنظمة السياسية على من تلقي بالمسؤولية عن إدارة العملية الانتخابية، فهناك دول تعهد بها إلى وزارة الداخلية، بينما تتولى وزارة شؤون البرلمان المسؤولية عند البعض الآخر، أو وزارة العدل، بل يذهب البعض إلى تحميل مكتب السجلات العامة أو هيئة البريد، لكن أكثر الاتجاهات الحديثة، والتى تعتبر أفضل الممارسات تسندها إلى لجنة وطنية مستقلة، حيث تعتبر أحد المعايير الدولية المتعلقة بالانتخابات.

ليس هذا هو التفاوت الوحيد بين الدول فيما يخص الإدارة الانتخابية، لكنها تتفاوت في جعل هذه الإدارات أو الأجهزة دائمة ومستمرة، أو مؤقتة ينتهي عملها مع نهاية الانتخابات وإعلان النتائج.
وتعتبر إدارة الانتخابات من بين أهم المسائل المؤثرة على نسب مشاركة المواطنين في الانتخابات، فهي العامل الحاسم في بعث الاطمئنان والثقة في إجراءات الانتخابات ونتائجها ونزاهتها.
ولكي تكون الإدارة الانتخابية باعثة للطمأنينة والثقة لدى الناخبين فإنه لا بد أن تأخذ بالمعايير الدولية التى أصبحت شبه مقرة من جانب العديد من الدول والمنظمات الدولية، حيث تتصف هذه اللجان الوطنية للانتخابات بسمات أساسية لسلامة عملها ومنها: الحيادية، بحيث توفر كل الظروف الممكنة لمنافسة عادلة ومتكافئة بين المرشحين، وتزويد الناخبين والمرشحين بالمعلومات اللازمة لسير العملية الانتخابية. إلى جانب الاستقلالية بحيث تستقل هذه اللجنة فور تشكيلها بكل قراراتها وأعمالها، ولا تسمح لأي تدخل من جانب أية سلطة أخرى في الدولة في أعمالها، كما يدخل في جانب هذه الاستقلالية، استقلالها المالي، بحيث تكون لها ميزانية مستقلة ضمن الميزانية العامة للدولة توضع تحت تصرفها، لإدارة أعمالها، ولعل من المهم أن يحدد القانون لها الضمانات اللازمة لاستقلالها، كما أن من هذه السمات أن يكون تشكيلها أو اختصاصاتها، وفقاً للقانون، على أن تكون هذه الاختصاصات شاملة لكل جوانب العملية الانتخابية، كما أن الاحترافية في ممارسة اللجنة لأعمالها أمر هام بحيث تكون اللجنة على مستوى عالٍ من الحرفية والمهنية، وأن تستعين بأصحاب الخبرة والتخصص، لكي تستطيع الإشراف والتنفيذ على كل مراحل العملية الانتخابية.
دولة الإمارات العربية المتحدة ومنذ اليوم الأول لبدء تجربتها الانتخابية أخذت بطريقة إنشاء اللجنة الوطنية للانتخابات كلجنة مستقلة، شكلت برئاسة وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني وعضوية العديد من الجهات الحكومية، الاتحادية والمحلية، مع تمثيل للقطاع الأهلي في عضوية اللجنة، وقد ارتفع وجود ودور القطاع الأهلي مع توالي الانتخابات، وتعتمد هيكلة اللجنة الوطنية على العديد من اللجان منها: لجنة إدارة الانتخابات، واللجنة الأمنية، اللجنة الإعلامية، لجنة الطعون، بالإضافة إلى لجان الإمارات.
وقد نظم قرار تشكيل اللجنة الوطنية للانتخابات اختصاصاتها وهي: إعلان قائمة المرشحين للانتخابات، إعلان برنامج زمني للانتخابات وتحديد مواعيد بدء الترشح، تشكيل اللجان الفرعية وتحديد مهامها، اعتماد مراكز الانتخاب في كل إمارة، رسم الإطار العام للعملية الانتخابية والإشراف العام على سير الانتخابات، تحديد الاعتمادات المالية اللازمة للعملية الانتخابية والعمل على إدراجها ضمن الميزانية العامة للدولة، تلقي تقارير اللجان الفرعية واتخاذ القرارات اللازمة بشأنها، تحديد موعد انعقاد الانتخابات وطريقة أخذ أصوات الناخبين، إعلان قائمة المرشحين لكل إماره، اعتماد مراكز الانتخابات، الإشراف على سير الانتخابات، وإعلان نتائجها وغيرها.
إن الدور الذي تضطلع به اللجنة الوطنية للانتخابات واللجان المنبثقة عنها حيوي ومحوري في العملية الانتخابية، فهي تقوم بأخطر عمل في حياة الأمة، حيث إنها مسؤولة عن إظهار إرادتها في اختيار الشعب لممثليه، لكن إذا كانت القناعة التي تنطلق منها أن العملية الانتخابية عملية مجتمعية تحتاج إلى تكاتف كل الأطراف لإنجاحها، فإن هذا الفهم يلقي بمسؤولية مضاعفة على اللجنة في تحري الكيفية المناسبة للتنسيق والتعاون مع كل الجهات الاتحادية والمحلية والقطاع الأهلي، وحتى الأفراد لإنجاح العملية، وإيجاد السبل الكفيلة للاستفادة من إمكانيات هذه الجهات.
فلا يمكن لأي جهة منفردة أن تقود عملية انتخابية ناجحة وهي تعمل بمعزل عن الآخرين، هذا مع التأكيد بأن العملية الانتخابية عملية حكومية في الأساس، وأن دور اللجنة الوطنية للانتخابات في القلب من هذه العملية، لقد أثبتت التجارب أن من يعمل وحده لا يحقق النجاح بقدر ما يتحقق هذا النجاح بإضافة فكر وجهد الآخرين، عندها فقط تتكامل صورة النجاح، في تكاتف قوى المجتمع وفاعليته لإنجاح إرادته والوصول بها إلى مبتغاها.
وإذا كان للجنة الوطنية أن تسعى لتحقيق النجاح من خلال تعاون الآخرين، فإن على الآخر مسؤولية وطنية في إنجاح العملية الانتخابية، باعتبارها خياراً وطنياً تتطلع فيه قيادة الإمارات لإشراك شعبها في عملية صنع القرار من خلال مسار متدرج.

*الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي

اقرأ أيضا

هزاع المنصوري: أتطلع لرؤيتكم جميعاًً في ندوة «الإنسان في الفضاء»