من يزور مدينة البترون على الساحل اللبناني، في طريقه إلى طرابلس، يصادف تحفة تاريخية مسكوبة بقالب جمالي، وهي عبارة عن صخرة شاهقة سميت “قلعة المسيلحة”، وقد شكلت مع قلعة بعلبك وهياكلها، أعجوبة أثرية لا مثيل لها في العالم. وهذه القلعة معروفة لدى اللبنانيين؛ لأنها كانت مطبوعة على ورقة النقد من فئة الـ25 ليرة، ويعني اسمها المكان المحصّن (المسيلح)، وهي كانت تستعمل للأعمال العسكرية والدفاعية. قلعة “المسيلحة” مبنية على تلة صخرية، تطل على الضفة اليمنى لنهر الجوز، وهي تبعد 2.5 كم عن مدينة البترون، إلى جانب الطريق الساحلي الدولي، الذي يربط بيروت بطرابلس، وهذه التحفة النادرة تعتبر نقطة استراتيجية لجودة وفنون العمارة القديمة، وهذا ليس بمستغرب في بلد مثل لبنان يزخر بالتحف الأثرية والمعمارية والطبيعية، التي تضفي جمالاً على هذه القيم النادرة. صرح تاريخي بنيت قلعة “المسيلحة” في بلدة حامات في البترون، على صخرة ضخمة وجدت من أيام الصليبيين، وتتميز بجدرانها السميكة، وبـ”كوات” متعددة كانت تستعمل للمراقبة، وهي تتألف من طابقين علوي وسفلي، والبارز في القلعة انه لا يمكن الدوران حولها، ويمكن للزائر العبور إليها من الجهة الغربية بواسطة جسر قديم، ويقال إن سماكة الجدران تتراوح بين متر ونصف المترو ثلاثة أمتار، وحجارته رملية مكونة من اللون الأصفر والبرتقالي، وأيضاً هناك حجارة كلسية يعود تاريخها إلى عهد الأمير فخرالدين. ذكر مؤرخو قلعة “المسيلحة”، ومن أبرزهم لامارتين ورنيان ولافس وشامب وبول دي شان، حيث رأى بعضهم أنها لا تعود إلى أبعد من العصور الوسطى، وبعضهم الآخر يرى أنها تعود إلى القرن الثالث عشر، وهناك من أكد أنها من العهد الصليبي، علماً بأنها تعرضت مرات عدة للانهيار والترميم وصيانة محتوياتها. الخريطة السياحية إلى ذلك، يقول مدير عام هيئة الآثار فريدريك الحسيني، إن القلعة أدرجت على الخريطة السياحية، وإن المؤسسات المعنية تتابع عملية التأهيل للموقع الأثري وتطويره، نظراً لجودة البناء وأهميته العمرانية، حيث اهتم الكثير من الباحثين بالاستراتيجية العسكرية لـ”قلعة المسيلحة”، خصوصاً بالنسبة إلى تاريخها وهندستها، مشيراً إلى أنه رغم انعدام الأدلة القاطعة على تاريخ إنشائها، لكن تقنية البناء وحجم الحجارة المستعملة وطريقة البناء والأبواب والنوافذ المقوّسة والمنخفضة، تدل على أن القرن السابع عشر هو التوقيت الصحيح لتشييد القلعة. بعد انتهاء أعمال التأهيل والتطوير، افتتحت القلعة رسمياً في 2007، بعد إهمال ونسيان من قبل الجهات المعنية، حتى أن قلعة “المسيلحة” كانت مهددة بالزوال، بسبب غياب الرقابة والإشراف، وأيضاً لنشوء عدة كسارات بجانبها، حيث الطبيعة صخرية، ولولا مسارعة مسؤولين لإغلاق هذه الكسارات لانهارت القلعة وضاع أثرها التاريخي. لوحة ابداعية وأوضح الحسيني أن أعمال التأهيل والتطوير شملت ترميم أجزاء من القلعة، وصيانة درج القلعة ووضع حماية حديدية، وتأهيل الفتحات والممرات والطاحونة، وتخصيص مسكن لحراس القلعة، ووضع لوحتين إرشاديتين عن تاريخ القلعة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية ووضع سياج حول المساحة الكاملة لها، مع تكملة عملية إنارة القلعة لإلقاء الضوء على هذا المعلم التاريخي السياحي المهم. وكل يوم عند فتح أبواب القلعة أمام الزوار، تطل جعبة من الذكريات، تبدأ بلوحة تضم لمحة تاريخية وإرشادات حول قلعة “المسيلحة” وأقسامها ومحتوياتها، وأول ما يصادف الزائر صخرة شاهقة وبارزة انتصبت فوقها قلعة كبيرة محاطة بالسياج، إلى جانب جسر حجري عتيق فوق نهر صغير يمر بمحاذاتها، ويخترق وادي تحيط به الجبال والهضاب المكسوة بالأشجار، يضفي على جمال المشهد رونقاً، حيث يغفو هذا المشهد على لوحات إبداعية تحضن تاريخ المنطقة بكل معالمه السياحية، لا سيما بعدما استعادت القلعة حياتها من جراء أعمال الترميم، فنفضت عنها غبار الإهمال الماضي والذي جعلها عرضة لقطعان الماعز ولبعض الرمي العشوائي والفوضوي للنفايات، عدا ما خلفته الكسارات من بصمات تخريبية للجبال المحيطة بها. بوابة الشمال يقول رئيس بلدية حامات مظهر كرم إن قلعة “المسيلحة” تعتبر من أهم المواقع السياحية في لبنان، والدخول إليها يستوجب بدلاً مالياً لمتابعة أعمال الصيانة حتى المراحل الأخيرة، لتصبح من أشهر المعالم الأثرية والتاريخية، خصوصاً في المناطق البعيدة عن العاصمة بيروت. ويؤكد رئيس جمعية “إنماء” جواد عدرة، أن إعادة التأهيل لـ”المسيلحة” سيعيد الزهو لأبناء المنطقة، بحيث تصبح القلعة بوابة الشمال فعلاً وقولاً. واللافت في المشروع أن الحواجز الحديدية التي وضعت على امتداد 600 متر حول القلعة هي لحماية الزوار والسياح لأن القلعة معرضة غالباً لموجات من الهواء والرياح العاتية. ويضيف أن إعادة تأهيل وصيانة قلعة “المسيلحة”، أعاد الاعتبار لهذا المعلم التاريخي، الذي كان يمثل في الماضي، رمزاً من رموز القوة العسكرية، وصخرة شاهقة حملت أسرار التاريخ، ويكفي أنه عندما يفتح باب القلعة تظهر الحصون المنيعة المتكئة على عبق الماضي وتراث الحاضر بكل ذكرياته وتجلياته، لتشكل في لوحتها الطبيعية مشاهد اخضرار تزين طريق البترون على وقع نهر لا ينقطع خرير مياهه جمالاً منقطع النظير.