الاتحاد

ثقافة

عشب «والت ويتمان» هل يخضرُّ في الخرطوم؟

الشاعر السوداني مأمون التلب (من المصدر)

الشاعر السوداني مأمون التلب (من المصدر)

عصام أبوالقاسم (الشارقة)

يحاول مبدعون شباب في الخرطوم مقاومة حالة الركود التي تعم المشهد الثقافي بابتكار مبادرات ومشاريع مستقلة لتشجيع القراءة ونشر الكتب واجتراح المنابر التي تقدم الأصوات الجديدة وتحتفي بنتاجها الواعدة، وقد تزايدت هذه الموجة على نحو ملفت في السنوات الخمس الأخيرة وبخاصة في المجال الشعري وأثارت أصداء متباينة في الوسط الثقافي المحلي.

آخر هذه المبادرات، تمثل في نداء أصدره منذ أيام الشاعر الشاب مأمون التلب، ودعا من خلاله الشعراء إلى تقديم نصوصهم وأشعارهم في الهواء الطلق وارتجال القراءات في الساحات العمومية حتى يغالبوا بذلك الواقع الثقافي المفتقر للمنابر والمناسبات الشعرية.

يقول التلب في بيان نشره على صفحته على فيسبوك انه كان فكّر في توزيع منشورات وملصقات شعرية في أنحاء مختلفة من المدن الثلاث للعاصمة السودانية، على أن «تكون قصيرة ولكن ذات قدرةٍ على إثارة التأمّل»، بيد أن خطوة كهذه قد تحفها المخاطر إذ قد تتراءى كلعبة سياسية، كما لمح إلى ذلك الشاعر الشاب نفسه، مشيراً إلى أن «.. النصوص ذات الطابع السياسي تستثير الناس بكل تأكيد، وتصنع صورة (الشاعر الشجاع/البطل)»، وبصراحة لقد فترنا من هذه الصورة الفاترة، فبتلك الصورة يخدم الشاعر حركة أخرى مكّارة، سلبته قيمته واعتداده بخياله».

ويقدّم التلب لبيانه بمقاطع من مقدمة والت ويتمان (1819/1892) في ديوان «أوراق العشب»، التي يتكلم فيها الشاعر الأمريكي عما يجب أن يشغل الشاعر من موضوعات، فيذكر: «على الشاعر ألا ينفق وقته في عمل لا لزوم له. عليه أن يعلم أن الأرض دائماً محروثة مسمّدة له... قد لا يعلم ذلك الآخرون، أمّا هو، فعليه أن يعلم. عليه أن يزّج بنفسه في عملية الخلق مباشرةً. وثقته ستتفوّق على ثقة كلّ ما يلمسه... وتستحوذ على كلّ صلة..».
ولم يتأخر التلب في تنفيذ مبادرته، ففي نهاية يوليو الماضي قرأ في ساحة «آتنيه» وسط الخرطوم، قصيدة للشاعرة نجلاء التوم وأخرى له إضافة إلى مقدمة ويتمان وسط حضور وتجاوب من العديد من شعراء وكتّاب تلك الساحة المفتوحة.
تذّكرنا مبادرة «الحركة الشعرية..» التي تسعى إلى الانتقال للولايات شهرياً عبر حافلة تسع 10 شعراء، بمبادرات عدة صدرت في أوقات سابقة، إما من مقاهٍ أو مراكز ومواقع للمثقفين والمبدعين منتشرة في أنحاء مختلفة من العاصمة أو من مدونات وصفحات على الإنترنت، وهي لا تتوافر على دعم أو سند بأي شكل من المؤسسة الثقافية الرسمية ولكن أنشطتها المتنوعة، ولكونها متنقلة ولا تعتمد على مقار عمل ثابتة أو مكاتب، لا تتعرض للحظر أو التوقيف كما حصل ويحصل مع مؤسسات أهلية راسخة، مثل «اتحاد الكتّاب السودانيين» الذي أوقفت السلطات أنشطته منذ يناير الماضي إثر أمسية للشاعر المغربي محمد بنيس، و«مركز الدراسات السودانية» الذي حظر نشاطه في وقت أبكر، فيما لا يزال «مركز عبدالكريم الثقافي» يواصل أنشطته ولكن في ظروف شديدة التعقيد قللت كثيراً من فعاليته وتأثيره على المشهد.
التلب نفسه كان واحداً من ثلة من الشعراء والقصاصين والروائيين الموهوبين في الطباعة على الحاسوب والتدقيق اللغوي والتصميم أو الإخراج الفني، أسسوا في وقت سابق ما أطلقوا عليه «مبادرة برانا» وكلمة «برانا» العامية تعني «لوحدنا» في الفصحى، وقد هدفت هذه الجماعة إلى نشر وتوزيع نتاجات المبدعين الجدد أو غير المكرسين ومن دون الاستعانة بالدعم الرسمي أو الخاص، ولكن التجربة لم تستمر طويلاً.
بيد أن مبادرة أخرى في نشر وتعزيز مكانة النصوص الإبداعية الجديدة، بخاصة الشعرية، أمكن لها أن تستمر وترسخ خلال السنوات الثلاث الماضية وهي عبارة عن كراسة شعرية تحت عنوان «إكسير» على رغم اعتمادها على موازنة ضئيلة في معظمها عبارة عن عوائد بيع نسخ إكرامية لشعراء ومثقفين تصلهم الإصدارة التي تقول ديباجتها أنها «تصدر كل لحظة.. شأنها الصيرورة والأنقاس»، عن طريق البريد أو عبر التسليم اليدوي!
وهناك أيضا منتدى «مشافهة النص الشعري» الذي قدم أكثر من خمسة وستين شاعراً وشاعرة من داخل وخارج السودان خلال العامين الماضين، وهو نظم أخيراً مهرجانه الشعري الأول، اعتمادا على تبرعات وإكراميات من عضويته.

وتتيح هذه التجارب والتجمعات الثقافية المستقلة والمتنقلة، للعديد من المبدعين الجدد فرصة اللقاء والحوار والتفاعل والاكتشاف، وهي تقلل من فداحة غياب الدعم الرسمي للحراك الثقافي أو نقصانه ولكنها أيضا تعكس دينامية عالية للحضور الشعري في المجتمع السوداني.

اقرأ أيضا

كتّاب بارزون يتنافسون على جائزة "بوكر" العالمية