الاتحاد

الملحق الثقافي

لا يعرفها إلا الراسخون فيها

راشد شرار

راشد شرار

الصحراء ليست مجموعة من التضاريس والرمال الممتدة، والأفق المفتوح على الصمت والوحشة والزرقة الطليقة، بل هي مكان معاش وذاكرة لحيوات ووجود إنساني، له تأثير رئيسي على تشكل الثقافة الإماراتية التقليدية.

كانت القبائل تجوب الصحراء بحثاً عن الكلأ والماء، وتعيش معظم الوقت في خيام أو بيوت بسيطة وتستخدم الجمال كوسيلة نقل وبقاء. وتحولت المواقع القليلة التي كانت توفر المياه، عادة المياه الجوفية، إلى مستوطنات شبه دائمة مزروعة بأشجار النخيل. وكانت هذه الواحات، بما فيها الواحات الكبيرة مثل واحة البريمي وواحة ليوا، تستفيد منها مجموعات من البدو شبه الرحل والمزارعين. ويمكن ملاحظة استمرارية ثقافة الصحراء هذه في استمرارية القيم والتقاليد البدوية وأنواع معينة من الأنشطة الترفيهية والرياضات الشعبية.

دستور وقيم
لقد لعب ابن الصحراء دوراً عظيماً في حياته اليومية في الدفاع عن نفسه وعن نسائه وأطفاله وعن آباره ومكان تواجده. لذا حرص على تعلم الفروسية وحمل السلاح وتعلم الكرّ والفرّ وكل أساليب الحرب، فكان دستوره القوة، والشجاعة، والفروسية. فأصبحت القوة الخارقة والجبروت والدفاع عن المال والنساء سمة من سمات البدوي في صحراء الوجود.

أما المرأة البدوية فشمرت عن ساعدها لتوائم وتسخر الطبيعة القاسية وتخضع قساوة الصحراء وتذلل الصعاب وتستفيد من خيرات الصحراء في حل كل المشاكل. فمن الحيوانات كان هناك الغذاء اليومي: (اللبن، الحليب، الروب، القشطة، الدهن، واليقط). والأدوات: الصميل (الرحى)، المغزل، الجربه، التاوه، والمنحاز)، وأدوات الاشتعال: (القرم، العرفج). ومن اللحوم المجففة والشحم بأنواعه. ومن الدواجن البيض، ومن الحبوب الخبز اليومي الرقاق. ومن الجمال الوبر لصناعة الخيام والبشت. ومن أصواف الماشية: السدو، السجاد وفرش الخيمة، والحقائب، والأحزمة وغيرها)، ومن أعشاب الصحاري كان التداوي ضد الأفاعي والعقارب، إضافة إلى الكثير من الحيوانات والطيور البرية التي عاشت مع أهالي الصحراء وأشجار الأثل والسدر والنخيل.
وللصحراء أسلوب حياة لا يعرفه إلا أهلها والراسخون في معرفتها، فحركة النجوم والقمر لها دلالتها لديهم، وآثار أقدام الإنسان والحيوان لها قراءتها وعلمها. هذا الأسلوب الحياتي علم أهل الصحراء كيفية تدريب واستخدام حواسهم للتعامل مع هذه الظواهر الطبيعية، كما خلق فيهم سمات كالوفاء والتفاعل مع الطبيعة بنقاء وشفافية وإبداع وثراء في الخيال والوصف.
داخل هذا الفضاء الواسع والطبيعة القاسية في جانب، والملهمة في جوانب أخرى كثيرة، عاش بدو الإمارات متنقلين لرعي حيواناتهم (الغنم، الماعز، الإبل..)، إلى جانب قيامهم بمناشط اقتصادية أخرى كالتجارة والزراعة والصناعات اليدوية التي تعتمد الخامات المحلية كسعف النخيل والتربة والأحجار وما توفره الحيوانات من مواد كصوف الغنم وشعر الماعز ووبر الإبل.. وغير ذلك.

حرّية بلا حدود
من ذلك الوسط الطبيعي، أي الصحراء بوصفها امتداداً جغرافياً ضارباً في أعماق المدى.. يعكس لدى الإنسان الصحراوي الإحساس بالحرية والانطلاق دون قيود، تشكلت الهوية الثقافية الصحراوية.

ومن المكونات الرئيسية الأخرى التي تشكل هوية إنسان الصحراء العقيدة والدين. فالإسلام لعب دوراً مهماً في صون هوية المجتمع الإماراتي بالصحراء، وحافظ على تكامل نسيجه الثقافي والاجتماعي.
زد على ذلك، النظام القبلي الذي يرسم نسق المجتمع الإماراتي البدوي ذي الطبيعة العشائرية. فالقبيلة تعد في بنية الثقافة الصحراوية مؤسسة تقوم على روابط الدم والقرابة في التشكل الاجتماعي والسياسي للمجتمع الصحراوي الإماراتي، فهناك مجالس لقادة القبيلة مهمتها البت في قضايا القبيلة وتسيير شؤونها وفق شروط وأعراف منظمة.
ويوجد إلى جانب هذا القضاء العرفي مجالس رجال الدين مهمتها البت في الأمور الدينية والخلافات التي يعجز العرف عن الحسم فيها..
وإلى جانب ما سبق، توجد العادات والطقوس الشعبية التي تعبر في عمقها الثقافي بالصحراء عن مجموعة من الخصوصيات التي ينفرد بها التاريخ الإثنوجرافي الصحراوي. ومن هذه العادات والطقوس الشعبية ما يتصل بدورة الحياة من ولادة وعقيقة وختان وخطبة وحناء وزواج وموت ودفن.. ومنها ما يرتبط بالمواسم الزراعية والشهور الدينية.. بالإضافة إلى أخرى تشمل المطبخ واللباس التقليدي والطب الشعبي، فضلًا عن طقوس الكرم والضيافة والتسلية والسمر والإبداع القولي وفنون الجسد والمسكن والعلاقة مع الحيوان.. وغير ذلك كثير..
هذه العادات والطقوس الشعبية مكون من مكونات الهوية والذات والوجود.. ترسم على اختلاف مجالاتها ومستوياتها - المعالم العامة التي ينبني عليها التاريخ الثقافي والاجتماعي الإماراتي وتجسد عمق خبرة وتجارب صناعه، بل وتشكل إطاراً شاسعاً لإشاعة القيم المثلى وترسيخ الأنماط السلوكية الراقية التي خلفها الأجداد والأسلاف من نبل وشهامة وكرم وشجاعة ومروءة ودفاع عن الشرف والكرامة.. وغيرها..
وتتسم العلاقة بين الإنسان والمكان بالتلازم والالتصاق، حيث لم تقتصر علاقات التأثير والتفاعل والانسجام بينهما على تأثر الإنسان بالمكان فحسب، بل إن المكان يُوجد في الإنسان خصائصه وملامحه وأغلب ما يقوم به الإنسان من نشاطات متنوعة هي في محصلتها صورة من صور انتمائه للمكان.
فالمكان جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان وهو مستودع ذكريات أيام الطفولة البريئة وبنك المعلومات كلما أراد الإنسان تذكر ما ينشده في حياته المستقبلية.
وكان لقيام الاتحاد دور كبير في توطين البدو في أماكنهم. وإنشاء المدارس وبناء المساكن وتوفير بنية تحتية تمكنهم من ممارسة حياتهم بشكل أفضل وأسهل مما كان عليه الأمر في السابق. ولا شك في أن هذه التحولات السريعة التي شهدتها الإمارات، في العقود الأخيرة من تاريخها، ونهوض المدن الحديثة وتوسعها على حساب الصحراء، وما خلقته من أنماط حياة جديدة وعصرية تمثل واحدة من الأسباب المباشرة لتراجع حضور هذا العمق الوجودي للعلاقة مع الصحراء، واستيحاء معانيها المشكلة لكينونة الذات، في توحدها مع المكان بوصفه مداها المفتوح على عمق حضورها الوجودي وعلى تاريخها المديد.
وللصحراء كمكان حضور في تجارب الشعراء الإماراتيين، فهي لم تكن عالماً منفتحاً وفضاء بلا حدود، أو كثباناً من الرمال المتحركة، بل رمزا للجمال والفرح، وعنواناً للحب والارتباط العميق ومكاناً توحدت معه الذات الشعرية، وأصبح الخطاب الشعري يحمل في بنيته الاستعارية والمجازية تعبيرات وأشكال مرتبطة بسماته وطبيعته وقسوته ومفرداته. استطاع الشاعر توظيفها لترسيخ بعض القيم الأساسية التي تتطلبها حياة الصحراء.
فالشعر هو مرآة تعكس واقع الحياة الطبيعية والاجتماعية عموماً، ومجتمع البادية وثقافة الصحراء خصوصاً، ويؤكد الترابط بين المباحث اللغوية والأدبية والمباحث الاجتماعية والثقافية، ويشكل مادة ترسم صورة متكاملة لثقافة الصحراء الإماراتية على مر العصور.

اقرأ أيضا