الاتحاد

الملحق الثقافي

الفتنة.. لا تنام

معركة الخلاص من العنف لا تدور على الأرض بل في العقل والوجدان (أرشيفية)

معركة الخلاص من العنف لا تدور على الأرض بل في العقل والوجدان (أرشيفية)

طريق الجحيم مفروش بالنّوايا الحسنة، لكنه مفروش بالجهل والتجاهل أيضا. غير أن بعض التجاهل يبرره الزّعم بأنّ وقوع الكارثة خيرٌ من توقّعها كما يقال؟ فما عسانا نقول بعد هذا القول المأثور؟ هل يكفي أن نحمد الله على أنّنا لم نتوقّع كل هذه الفواجع والمواجع التي أحاطت بنا من كل جانب على حين غرّة وفي غفلة منّا؟ وهل يحقّ لنا أن ننعم بترف الذّهول أمام ذواتنا والحيرة أمام ملامحنا كأنّنا وجه غريب عنّا، وجه لم نواجهه من قبل، أو نسينا على وجه التّحديد بأنّنا واجهناه بِمَرارة مرّات ومرّات؟ كأنّنا لزمن طويل اعتدنا على ارتداء قناع وسطية منزوعة المواقف قبل أن يسقط القناع فجأة فتنكشف عورة التغوّل الهمجي في كياننا. كانت بوادر السّقوط بادية لكننا قليلا ما كنا نلتفت إليها، من انخفاض منسوب الأناقة واللياقة واللباقة إلى ارتفاع مظاهر الصلافة والجلافة والخرافة.

بين فتنة وأخرى

بين الفتنة والفتنة نأخذ نفسا قصيرا لنسأل أنفسنا سؤالا عابراً: هل نحن على هذا النحو من البشاعة والفظاعة والوضاعة؟ وسرعان ما ننسى السّؤال. لا تنام الفتنة، ولم تنم الفتنة في يوم من الأيام، لكننا صرنا نحن النيام. نخفي رؤوسنا تحت الرمال، ونكتفي بأدعية الفرج عن الكرب، وداء الكرب ملازم لنا مزمن فينا. وبعد كل فتنة نحاول أن نخفف عنا من وزر المسؤولية بالوقوف موقف الحيران: لا يمكن لهذه الوجوه الشّرسة والشّرهة أن تشبهنا، لا يمكن أن نكون بمثل هذا الرّعب! بل قد لا يكون التشابه بين ماضي التراث وراهن الأحداث سوى صدفة أو مصادفة أو لوحة مفبركة أنجزها أعداؤنا الذين يحسدوننا على «نعمة الإسلام»! منتهى البلاهة. نمعن في خداع النفس طلبا للطمأنينة الكاذبة، نردد بلا خجل ولا وجل : لربّما الذي يحدث لا يحدث أساساً، لربما كل هذه المشاهد من الفظاعات مجرّد هلوسات مفبركة من نسيج خيال كافكاوي خبيث، وربّما هناك تشوّه في انعكاس الضّوء على صفحة الأحداث. لكن، عن أيّ أحداث نتكلم؟

نحاول أن نقنع أنفسنا بأنّ هذا الذي يحدث لا يحدث بالتمام، لا يحدث إلاّ من باب التمويه. فمن غير المستبعد أن تخدعنا حواسّنا في إدراك الموضوعات كما يقول ديكارت- حواسيبنا أيضا تخدعنا ويا للمصادفة!- لكن الذي لم يقله ديكارت هو أنّ حواسّنا تخدعنا في إدراك الذات أكثر ما تخدعنا في إدراك الموضوعات. من ذا الذي بوسعه أن يرى شكل عينيه؟ من يستطيع أن يميز نبرات صوته؟
تحتاج معرفة الذات إلى مسافة مع الذات. إنها المسافة التي نخشى أثناءها أو على أثرها من ضياع الذات. وهذا اعتراف أوّلي وتلقائي بأنّ الذات بالغة الهشاشة وتوشك على الضياع، بل لعلها ضائعة بالأساس وما الخوف على فقد المفقود سوى من باب التمويه. ولا شك أن كل النزعات المحافظة تُعول على نفس الفخ: إن تجييش الشعوب لأجل حماية الصندوق الفارغ يمنحها الشعور بأن الصندوق ممتلئ.

خوف
هنا يصبح الخوف من الضياع مشكلة سياسية، بل مشكلة وجودية؛ لأنّ الخوف من الضياع يُضيع فرصة التطلع إلى الغد؛ طالما الغد اقتحام للمجهول بكل ما يتطلّبه ذلك من ثقة في النّفس. هذا الشرط ليس متوفرا الآن؟ هل اعتدنا على النظر إلى المستقبل؟ من عاداتنا في السفر الجلوس على مقاعد القطار التي تنظر إلى الخلف؛ لأنّ النظر إلى الأمام يتعب العيون المحبطة. المشكلة أكبر، مما نتصور. هناك في الأخير تجليات حضارية كبرى لمثل هذه الجزئيات الصغرى. بل لا نشك لحظة في أن التجليات الكبرى تبدأ من جزئيات صغرى في حيواتنا اليومية. في هذا الباب تستبدّ بنا قناعة واضحة تقول: تموت الحضارة عندما تضعف إرادة الحياة لدى معظم أفرادها، من خادمة البيوت إلى بروفيسور جراحة الأعصاب، ومن إمام الجمعة إلى المخرج السينمائي؟ أساس كل حضارة الاندفاع الحيوي لغالبية النّاس نحو الرقي والارتقاء. وهذا ما ينقصنا.

شيء آخر..
يحتاج إدراك الذات إلى أبعد من مجرّد مسافة مع الذات، إلى استيعاب رأي الآخر، رؤية الآخر، مرآة الآخر. لكن هل تعلمنا فن الإصغاء لما يقوله الآخر، ولو من باب الحكمة التي تقول، في الخطأ بعض الصواب وجب الإصغاء إليه؟ نعزي أنفسنا بتمجيد أجوف للذات بعد أن اختزلنا الذّات في مجرّد بُعد واحد هو الدين، ثم اختزلنا الدين نفسه في آراء عدد من الفقهاء وبضع صفحات من كتب صفراء، فأصبحت ذاتنا مجرّد أنقاض لهيكل متهالك، بلا أدب، بلا فنون، بلا معلقات، بلا رباعيات، بلا لزوميات، بلا موشحات، بلا شيء يُذكر عدا أخبار أهوال القيامة وعذاب القبر في انتظار العلامات الكبرى لقيام الساعة. لذلك لسنا نرى وسط هذا الخراب الداخلي الذي يعتورنا سوى غياهب ظلماء ورايات سود تعتلي الأنقاض. ثم نكابر وننكر ولا نرى في هذه الفظاعة سوى بدعة أو محض إشاعة. إيه، مذهل هذا الجحود.

سيكولوجية الإنكار
كل ما نفعله إلى حد الساعة أنّنا نرفض تقبّل الحقيقة البادية للعيان. نمارس سيكولوجية الإنكار. إجراءٌ نفسيّ عفوي لأجل تفادي الصدمة. ومن يتحمّل كل هذا الجحيم من الرّعب الذي يجاورنا ويحايثنا كأنه ظلّنا، بل شبحنا الذي يسبقنا؟ لكن إلى أين؟

أحياناً قد يكون إنكار الواقع مجرّد تنصّل من المسؤولية، أو رد فعل دفاعي لا شعوري، ثم ماذا؟ لا بدّ من فهم آليات الإنكار أولاً. نحن نحاول أن نفسر لا أن نبرر، أو تلك نوايانا في الأخير. هل جرّب أحدكم الشّعور الذي ينتاب الإنسان حين يخبره الطبيب فجأة بأنّ أمّه مصابة بمرض مزمن أو عضال؟ الانكار هو رد الفعل العاطفي الأولي والعفوي والتلقائي. ستقول للطبيب، هذا لا يمكن، أنت مخطئ، هناك بالتأكيد شيء غير دقيق، هناك سوء فهم ما، هناك تسرّع في الاستنتاج. وقد تبحث عن طبيب آخر عساه يمنحك الوهم الذي تريد أن تسمعه : لا مشكلة، لا داعي للقلق، لربّما لم يكن التشخيص دقيقاً، سنحاول مرّة أخرى.
يلزمك كثير من الوقت حتى تستوعب الحقيقة، المرض مزمن وعضال وقد يكون قاتلا. وليس أمامك سوى خيار واحد، مواجهة الحقيقة بكل الشجاعة المطلوبة. داخل ذلك الجسد الذي حضنك طويلا هناك ورم خبيث ينتشر، هناك تعفن داخلي يطلق رائحة نتنة، نعم هي أمك، فلذة كبدك، لكن هذا الجسد يوشك أن يصبح جثة هامدة. هناك وهم عملي، التّحنيط، أو تغليف الجسد الخامل بالكفن الأسود حجباً للعطب. نحتاج إلى الكثير من الثوب الأسود لحجب عوَرنا واعوِرارنا عن أنفسنا. هنا نفهم لماذا ربط اليونانيون الحقيقة بالشجاعة. لقد بيّن أب الفلسفة السياسية أفلاطون بأن الحقيقة تعمي العيون التي اعتادت على ظلمة الكهف. لقد أوهمنا العيش الطويل في كنف الكهف بأن كل شيء على ما يرام، وبأنّ الشر لا يأتي سوى من خارج كهفنا الساكن. ذاك هو كهف المجتمعات المغلقة بالمعنى البوبري (نسبة إلى كارل بوبر). والآن، علينا أن نحذق في أجسادنا، في داخل أجسادنا، في أورامنا الدّاخلية والخبيثة، وأن نعترف بهول الدّاء قبل انطلاق رحلة العلاج التي قد تطول. فقد تأخرنا كثيراً، تأخرنا أكثر من اللزوم، بل لا نزال نعيش مرحلة الإنكار. نرخي السّمع لكل بائع أقوال أو دجال من العالم الآخر– وما أكثرهم- يبيعنا نحن المسلمين الوهم بأننا على أحسن ما يرام، وبأنّ الخطأ كل الخطأ في الاستعمار أو الإمبريالية أو الغرب الصليبي أو المؤامرة الصهيونية أو الماسونية إلخ. أولئك الذين نسميهم عقلاء الغرب، حكماء الغرب. ويا للمفاجأة، نحن الذين نضع العلامات هذه المرّة، وكيفمااتفق ! وإن كان لابدّ من رؤية عطب داخلي فلننظر– كما يوصي بعض شيوخنا الأوصياء- إلى داخل لم يعد داخلا، داخل دخيل، داخل منزاح عنا، الشيعة مثلا، الصوفية، الإيزيدية، الدروز، إلخ، المهم أن نركن واجب نقذ الذات جانبا. كم كان الزّعيم الوطني المغربي علال الفاسي عميقا يوم كتب كتابا يقول عنوانه كل شيء: «النّقد الذاتي».

ثقافة الاعتراف.. غائبة
الاعتراف فضيلة، بل أم الفضائل. فهل نملك ثقافة الاعتراف؟ أولسنا أمّة من ابتلي منكم فليستتر !؟ نفهم الأمر بهذا النحو، من ابتلي منكم بالعنف والتطرّف والكراهية والإرهاب فلينكر هذا. لكن، ماذا بعد أن تحول هذا «الابتلاء» اليوم إلى فضيحة مجلجلة !؟

شعوبنا مقبلة على أوقات عصيبة. صحيح أنّ تاريخنا مثخن بالفتن وبشتّى أشكال العنف الديني والطائفي منذ موقعة الجمل والفتنة الكبرى وحرب صفين ومعركة النّهروان ومجزرة كربلاء، إلى غاية مجازر الرقة والموصل وسنجار وكوباني والشعانبي وتومبوكتو، والأسوأ قد يكون في الانتظار. غير أنّ حجم الكارثة هذه المرّة يفوق كل مآسي العصور الماضية.
في تاريخنا القـريب والبعيد قد لا يجد المرء ما يقارن به راهننا المترهل سوى واقعة غزو المغول للحضارة الإسلامية، غير أنّ مغول اليوم لم يأتونا من الخارج، بل طلعوا علينا مـن أرضنا ورمادنا، مـن هواجسنا وأحلامنا، من كتبنا التي نقرأ، من كلماتنا التي نردد، مـن جروحنا وقروحنا، من الخلايا الخبيثة التي تسكن أجسادنا، من إفرازاتنا النّتنة، من ضغينتنا وحقدنا وغيرتنا وحسدنا، من أدعيتنا الحاقدة، من عبوسنا وكآبتنا، من داخل دواخلنا. لذلك، فإنّ المعركة الحاسمة ستكون على كل الجبهات، جبهة العقل والوجدان، جبهة التّربية والتعليم، جبهة خطب الجمعة، جبهة امتثال الفتوى لسلطة القانون، جبهة الفنون الجميلة، جبهة التّفكير الحر والحس الإنساني النّبيل، جبهة الطموح والإبداع، جبهة التنوّع والتعدد والاختلاف الجميل، جبهة المواجهة المفتوحة مع الذّات بالشجاعة المطلوبة والشهامة المرجوة.
تنتظرنا سنوات عجاف، نضطرّ أن نصارع فيها باستماتة وبلا ضمانات من أجل الحب والحرية والحياة. غير أنّ المعركة المفصلية لن تدور رحاها فوق أي أرض أو مكان، وإنما ستكون بالأولى معركة العقل والوجدان.. معركة الإنسان.

اقرأ أيضا