الاتحاد

الملحق الثقافي

إمبراطورية.. المطلقات

باولو كويلهو

باولو كويلهو

إنني أحمل رسالة من الصحراء.

**
عندما ترغب بشيء حقاً، يتواطأ الكون بأكمله بشكل يجعلك تحصل عليه.
**
كلّ ما هو تحت سطح الأرض أو فوقه، لا يتوقَّف عن التحوُّل، لأن الأرض هي كائن حيّ، ولها روح. نحن جزء من هذه الروح، ونادراً ما نعرف أنها تعمل دائماً لصالحنا. وكلّ ما هو موجود على سطح الأرض يملك، أيضاً، روحاً، أكان معدناً، أم نباتاً، أم حيواناً، أو مجرَّد فكرة.
**
إنَّ كلّ الأشياء هي مظاهر لشيء واحد وأوحد.
**
إياك ان تتخلَّى عن أحلامك. يجب أن تؤمن بالإشارات.
**
الصحراء هي امرأة متقلّبة الأطوار، تجعل الناس أحياناً مجانين.
**
العصيان في الصحراء يعني الموت.
**
في الصحراء لا توجد إلاَّ الرّياح الأبديّة، والسكون، وحوافر الحيوانات. حتى المرشدين لا يتكلمون مع بعضهم... لكن الصحراء شاسعة، والأفق بعيد، بحيث نشعر بأنفسنا صغاراً، ونلزم الصمت.
**
إن من يمخر عباب الصحراء، لا يستطيع أن يعود على أعقابه، وعندما لا يمكننا العودة إلى الوراء يجب ألا نهتمّ إلاَّ بأفضل طريقة للسير إلى الأمام، والباقي لا يعني إلاَّ الله، بما في ذلك الخطر.
**
استطعت أن أراقب القافلة التي كانت تسير عبر الصحراء.. هي والصحراء تتكلَّمان اللغة نفسها، ولهذا السبب، تسمح لها بأن تجتازها، وهي لا تتوقَّف عن الإحساس بكل خطاها لكي تتحقّق من أنها تتلاءم معها، وإذا كان هذا هو الحال، فسوف تصل إلى الواحة. أما إذا كان أحدنا لا يفهم هذه اللغة، رغم كل الشجاعة التي يمكن أن يتمتَّع بها، فسيموت، عندئذ، منذ اليوم الأول.
**
إذا تمكَّنت أن تبقى دائماً في الحاضر تكون، عندئذ، رجلاً سعيداً. وسوف تفهم أن في الصحراء حياة، وأن في السماء نجوماً، وأن المحاربين يقاتلون لأن ذلك أمر ملازم للحياة البشرية. فالحياة تصبح، إذاً، عيداً، ومهرجاناً كبيراً، لأنها حاضرة اللحظة التي نعيشها، ليس إلاَّ.
**
بالطريقة نفسها التي كان يمكن أن يتحوَّل فيها الجَمَل الذي يرغي إلى إشارة خطر، كذلك يمكن أن يشكّل صفّ أشجار النخيل معجزة.
**
إن العالم يتكلَّم أكثر من لغة.
**
ربَّما خلق الله الصحراء لكي يتمكَّن الإنسان من التمتع برؤية أشجار النخيل.
**
ما يُسمَّى الحبّ، شيء أقدم من البشر، ومن الصحراء نفسها، ومع ذلك فهو ينبثق في كل مرة بنفس القوة، وفي كل مكان تلتقي فيه نظرتان كما التقيتا في هذا الحين قرب البئر.
**
عندما نغوص في هذه اللغة (اللغة الكونية)، من السهل أن ندرك أن هناك دائماً شخصاً في العالم ينتظر شخصاً آخر، أكان ذلك في قلب الصحراء، أو في قلب المدن الكبرى. وعندما يلتقي هذان الشخصان، وتلتقي نظراتهما، يصبح الماضي والمستقبل دون أي أهمية، ولا وجود إلاَّ لهذه اللحظة الحاضرة، ولتلك الثقة التي لا تصدَّق بأن كل شيء تحت قبَّة السماء قد كتب باليد نفسها. اليد التي تولد الحب، والتي خلقت روحاً شقيقة لكل كائن يعمل، ويرتاح، ويبحث عن الكنوز تحت نور الشمس. لأنه، إذا لم يكن كذلك، فأحلام الجنس البشري لن يكون لها أي معنى.
**
تأخذ الصحراء رجالنا، قالت فاطمة، وهي لا تعيدهم دوماً. يجب أن نعتاد. ومذ ذاك يحل طيفهم في الغيوم التي تمرّ دون أن تعطي المطر. وفي الحيوانات التي تتحجر في قلب الصخر، وفي المياه السخيَّة التي تنبع من جوف الأرض. إنهم جزء من كل شيء، يصبحون روح العالم. بعضهم يعود. حينئذٍ تغمر السعادة النساء، لأن الرجال الذين تنتظرهن، يمكن أيضاً أن يعودوا ذات يوم. كنت أنظر، فيما مضى، إلى تلك النساء، وأحسدهنَّ على تلك السعادة. أمَّا الآن، فسيكون عندي مّن أنتظره. أنا امرأة من الصحراء، وأنا فخورة بذلك. أريد أن يسير رجلي، هو أيضاً، حراً كما الرياح التي تحرّك كثبان الرمال. أريد أن يتسنَّى لي أن أراه في السحب، وفي الحيوانات، وفي المياه.
**
الكثبان تتغيَّر مع تقلُّبات الرياح، لكنّ الصحراء تبقى هي إياها. هكذا سيكون حبّنا، قالت.
**
عندما نحبّ، قال، يصبح للأشياء معنى أكبر.
**
كان يجد أحياناً، بعض الأصداف، وهو يعرف أن هذه الصحراء، كانت منذ عصر غابر بحراً واسعاً.
**
الصحراء تملأ قلوب الرجال بالرؤى.
**
كل يوم يحمل في طيَّاته الأبدية.
**
إنهم رجال الصحراء. ورجال الصحراء معتادون على الإشارات.
**
الأسلحة لا يمكن أن تخرج إلاَّ للذهاب إلى المعركة. فهي نزويَّة مثل الصحراء، إذا أخرجناها من أجل لا شيء، يمكن أن ترفض إطلاق النار. وإذا لم تستخدم أيّ قطعة منها غداً، ستكون هناك واحدة على الأقل، تستخدم: ضدُّك أنت.
**
يجب أن تحبَّ الصحراء. ولكن لا تثق بها بصورة كلية. لأن الصحراء هي محكّ للرجال: تختبر كلّ واحد من خلال خطواته، وتقتل من يشرد باله.
**
ليس الشرّ هو ما يدخل في فم الإنسان، إنما الشرّ هو في ما يخرج منه.
**
لا تنسَ أن قلبك هو، هناك، حيث يوجد كنزك.
**
الصحراء هي أكبر معلّم بين كل المعلّمين.
**
الصقر يعرف جيداً لغة الصحراء.
**
لكنَّك في الصحراء، وعليك أن تغوص في أعماق الصحراء. فهي تساعد على فهم العالم أكثر من أيّ شيء آخر على سطح الأرض. لست بحاجة إلى فهم الصحراء: يكفي أن تتأمَّل في حبّة رمل فقط لترى فيها كل روائع الخلق.
**
يمكن للسعادة أن توجد في مجرَّد حبَّة رملٍ في الصحراء، كما قال الخيميائي. لأن حبَّة الرمل هي لحظة من لحظات الخلق، وأن الكون بقي ملايين وملايين السنين لخلقها.
**
كيف يجب أن أعمل لأغوص في قلب الصحراء؟
استمع إلى قلبك. فهو يعرف كلَّ شيء، لأنه يأتي من روح العالم، ولأنه سيعود إليها ذات يوم.
**
لا يستطيع أحد أن يهرب من قلبه. لهذا السبب، من الأفضل السماع لما يقول. لكي لا يتوصَّل أبداً إلى توجيه ضربة إليك لم تكن تتوقَّعها أبداً.
**
الخوف من الألم هو أسوأ من الألم نفسه.
**
لكلّ رجل على الأرض كنز ينتظره.
**
قبل أن نحقّق حلماً، تريد «روح العالم» أن نقيّم دائماً كلَّ ما نتعلّمه خلال رحلتنا. وإذا تصرَّفت على هذا النحو، فليس ذلك لسوء نيَّة تجاهنا بل لكي نستطيع، نحن وأحلامنا معاً، أن نحصّل أيضاً العِبَر التي نتعلّمها في طريقنا إليه. وهي اللحظة التي يتخلَّى فيها أكثر الناس عن حلمهم. هذا ما نسمِّيه بلغة الصحراء: الموت عطشاً عندما تصبح أشجار نخيل الواحة على مرأى منَّا في الأفق.
**
إنَّ الساعة الأكثر ظلمة هي تلك التي تأتي قبل طلوع الفجر تماماً.
**
عندما تكون، أمام أعيننا كنوز كبيرة، لا نراها أبداً. وهل تعرف لماذا؟ لأن الناس لا تؤمن بالكنوز.
**
تُظهر العينان قوّة الروح.
**
مَن يُقحم نفسه في الأسطورة الشخصية الخاصة بالآخرين، لا يكتشف أبداً أسطورته الخاصة به.
**
البحر هو، دائماً، في داخل هذه الصَدَفة لأنها أسطورته الشخصيّة، ولن يتخلَّى عنها أبداً إلى أن تغمر الأمواج الصحراء مجدَّداً.
**
لا يوجد سوى شيء واحد بإمكانه أن يجعل الحلم مستحيلاً: هو الخوف من الفشل.
**
لا تقلق، فالموت، بشكل عام، يجعلنا أكثر يقظةً لنبض الحياة.
**
ليس العالم سوى الجزء المرئي من الله. والخيمياء، ببساطة، هي إحلال الكمال الروحي على الصعيد المادي.
**
ماذا تريد منّي اليوم؟ سألت الصحراء.
تحتفظين، في مكان ما، بالتي أحبّ. لذلك، عندما أنظر إلى مساحاتك الرمليّة الشاسعة، فأنا أتأمَّلها هي أيضاً. أريد العودة إليها، وأنا بحاجة إليك لكي أتحوّل إلى رياح.
ما هو الحبّ؟ سألت الصحراء.
الحبّ، هو عندما يحلّق الصقر فوق رمالك. فأنت، بالنسبة إليه، حقل مخضوضر، وهو لا يرجع يوماً من دون فريسته. يعرف صخورك، وكثبانك، وجبالك، وأنت سخيَّة كريمة معه.
إن منقاد الصقر ينتزع منّي قطعاً، قالت الصحراء. وهذه الفريسة، أغذّيها أنا، منذ سنوات، وأرويها بالنادر من الماء الذي عندي، وأرشدها إلى حيث تجد الطعام، وذات يوم، انقضَّ الصقر من السماء تماماً عندما أحسست بمداعبة الطريدة على رمالي. وخطف الصقر ما اعتنيت به حتى كبر.
لكنك لهذا الهدف بالذات، أجاب الشاب، غذّيت الطريدة وجعلتها تكبر: لكي تطعمي الصقر. والصقر سيغذّي الإنسان، والإنسان سيغذّي ذات يوم، رمالك حيث ستولد الطريدة مرَّة جديدة. وهكذا هي حركة العالم.
هل هذا هو الحبّ؟
هذا هو، أجل، هذا ما يجعل الفريسة تتحوّل إلى صقر، والصقر إلى رجل، والرجل إلى صحراء مجدَّداً. هذا ما يجعل الرصاص يحوّل إلى ذهب، ثم يعود الذهب ليختبئ في الأرض.
**
عندما نحبّ، نريد دائماً أن نكون أفضل مما نحن عليه.
**
الشاب مخاطباً الشمس:
الحبّ لا يكمن في الاستغراق في الجمود مثل الصحراء، ولا في التجوال في العالم مثل الرياح، ولا في الرؤية عن بُعدٍ مثلكِ أنتِ. الحبّ هو القوة التي تحوّل «روح العالم» وتطوّرها.
**
لأن الخيميائي عاش في الصحراء رغم أنه يفهم «لغة العالم»، ويحوّل الرصاص إلى ذهب. وليس عليه أن يُظهر لأحد علمه وفنَّه. وبينما كان يسير إلى أسطورته الشخصيّة، تعلَّم كلّ ما كان بحاجةٍ إلى معرفته، وعاش ما كان يحلم أن يعيش. لكنه وصل إلى كنزه.

* باولو كويلهو، الخيميائي وحجر الفلاسفة، تعريب: فارس غصوب، دار الأزمنة الحديثة، 1998.

اقرأ أيضا