أرشيف دنيا

الاتحاد

نور الهداية


سعاد جواد:

أعترف بأن ما مرت به عائلتنا لم يكن شيئاً بسيطا هينا· فقد كنا على حافة الضياع· ولكن رحمة الله تداركتنا في الوقت المناسب·
إنها معجزة· فعلاً، هي معجزة· فلا أحد يصدق أن من كان يعيش عيشتنا ويفكر كما كنا نفكر تدركه الهداية ويغمره نور الصلاح· ولكن··· الله قادر على كل شيء· أحمده كثيرا··· وأشكره ليل نهار، وأدعوه أن يثبتنا جميعا، فلا نعود لما كنا عليه أبداً·
نجلس أنا وأمي وإخوتي في الحرم المكي قبالة الكعبة المشرفة· لا يمكنني أن أشرح لكم ما يعتمل بداخلي· الدقة تنقصني في وصف المشاعر· إنها مزيج روحاني عجيب يجعل روحي تعلو وتعلو وكأنها طائر يحلق في تلك الأجواء المقدسة·
أشعر وكأنني ولدت من جديد··· أتنفس بعمق شديد فتخرج مع زفيري كل آهات وتوجعات الندم على ما كان مني في الماضي··· ذلك الماضي المخزي الذي يقشعر بدني من مجرد التفكير فيه· أتمنى أن يمحو ربي جميع تلك الأخطاء فتذهب وتختفي من سجل أعمالي إلى الأبد· لا أريد أن أقف أمامه خجلة تحيط بي أعمالي السيئة وتسد علي أبواب الجنة· أملي بغفران ربي كبير··· فهو يعلم أنني قد تبت إلى الأبد توبة حقيقية من أعماقي·
فكرت بكتابة حكايتي لرغبتي بأن يقرأها من هم على شاكلتي فتكون لهم دليلاً وشمعة تنير الطريق إلى الهداية·
عشت في أسرة ثرية··· فأنا البنت الكبرى ولي أخوان توأمان أصغر مني بسنتين· والدي يعمل بالتجارة· كرس لها كل وقته وجهده فأصبحت محورا أساسيا لحياته التي تشكلها أرقام البورصة وصعود الأسهم ونزولها، وما لها من تأثير كبير على ملامح وجهه· فعندما يبتسم فذلك يدل على ارتفاع الأسهم وعندما يتجهم فإن ذلك مؤشر على نزولها·
كان كثير السفر والترحال··· وعلى الرغم من تواجده في دول العالم المختلفة إلا أنه محصور في عالم واحد لا يعرف غيره، وكأن الدنيا التي يعيشها الناس قد أغلقت أبوابها وشبابيكها أمامه فلا يراها ولا تراه· فلا دنيا له غير دنيا المال والأعمال· بالكاد يتذكرنا
ويحاول جاهدا أن يتواصل معنا ولكن انشغالاته تمنعه عنا··· حتى الاتصال بنا أصبح قليلا ونادراً· لا يدري في اي المراحل الدراسية نحن، ولا يعرف متى نمرض ومتى نشفى ولا يعلم ما هي طبائعنا وشخصياتنا؟· هو غريب عنا كما نحن غرباء عنه· لا يجمعنا به إلا المال الذي يغدقه علينا بلا حساب·

المحرك الحقيقي

والدتي هي المحرك الأساسي في البيت· هي تدبر شؤننا، توجهنا، تشرف على كل صغيرة وكبيرة في أسرتنا· تحرص على تدليلنا بشكل يفوق كل الحدود، حتى لم نعد نحب المسؤولية ولا نطيق أن يواجهنا أحد بأخطائنا· نحن على صواب دائما· الكل يخطئ إلا نحن· إننا مثاليون في كل شيء، على الرغم من أننا لا نفعل شيئا أبداً· حتى المذاكرة، لا نجيدها ونعتبرها مسؤولية كريهة وثقيلة على نفوسنا· جميعنا فاشل في دراسته··· لا ننجح إلا بتأثير الوالدة على أجهزة المدارس الأجنبية الخاصة التي كنا ندرس فيها·
على الرغم من بلوغي التاسعة عشرة من عمري إلا أنني لم استطع إكمال الثانوية· كنت ارسب كثيرا وانتقل بين المراحل الدراسية دون فهم أو علم أو استحقاق للنجاح· كل ما يشغلنا أنا وأخي هو اللهو والعبث والتمتع بمباهج الحياة· هكذا علمتنا أمي··· أن لا نكترث لشيء أبدا· فنحن مخلوقون للتمتع فقط ولا شيء غير ذلك·
لم أكن ملتزمة بلبس الشيلة والعباءة اقتداء بوالدتي· وهي لم تكن تكترث لمجتمعها ولأفراد أسرتها الذين ينتقدونها على استحياء شديد لأنها تنعم عليهم بالمال ولا أحد منهم يستطيع أن يفرض عليها ما لا تحب·
كنت أشاهد الكثير من بنات الأهل والمعارف وهن يلبسن الشيلة والعباءة، وكنت استغرب وأتساءل··· ما فائدة التقيد بمثل هذه الملابس المزعجة؟ أليس من الأفضل أن يترك الإنسان على راحته؟ كنت اردد أمامهن بأنني غير مقتنعة بهذا اللباس، ولا يمكنني أن أتقبل شيئا غير مقنع· وبالطبع لا أحد يناقشني أو يشرح لي أو يفسر لي بأن لبس الحجاب هو تنفيذ لأوامر ربانية الهدف منها فرز المسلمة عن غيرها بالشكل والمظهر· ولصيانة المجتمع الإسلامي من الانحلال··· ولحفظ كرامة جسد المرأة فلا يصبح سلعة رخيصة تلتهمها العيون· هذه الحكمة عرفتها بشكل متأخر جداً··· لأنني لم أجد من يشرح لي كل هذه الأمور أو يوضحها أمامي· ما كان يزيد في استغرابي هو مشاهدتي للكثير من بنات بلدي ممن يلتزمن بلبس العباءة والشيلة ولكن بشكل فيه الكثير من الزينة التي تتنافى مع الهدف الذي أوجدت له··· كما أن البعض منهن يقمن بخلع العباءة ويتخلصن من الحجاب أثناء السفر وبمجرد وصول الطائرة إلى بلد غريب· كنت اعتبر ذلك تناقضاً واضحاً فيه الكثير من النفاق الاجتماعي· وبشكل عام فإن أصدقاءنا كلهم تقريبا كانوا على شاكلتنا، يعيشون عيشة غربية ويتصرفون على حريتهم دون قيد أو شرط· فلا إحساس لدينا بالحرج ما دمنا كلنا في الهوا سوا كما يقولون·

حياة عابثة

كنت أتعرف على أصدقاء كثر من الشباب العرب والأجانب وأقضي معهم أوقاتا مسلية في اللهو والعبث· وبالطبع فإن والدتي لم تمنعني يوما عن ذلك· فقط هي حذرتني من عدم تجاوز الخطوط الحمراء كي أحافظ على عذريتي كما تقتضي العادات والتقاليد··· كان هذا الأمر بالنسبة لي هو كلبس العباءة والحجاب فيه تناقض غير منطقي·
في كل صيف كنا نسافر إلى دول متعددة· يبدأ برنامج السفر بجوانب تسلية كثيرة· سباحة··· رقص، ملاهي، وكما ذكرت فإن أفضل ما كان يمتعني هو الصداقات الجديدة المتعددة· حتى أنني كنت أنسى من أتعرف عليهم في بداية الرحلة لكثرتهم·
كل شيء كان يسير سيرا طبيعيا في حياتي ولم أفكر يوما بأنني على خطأ وبأن في الحياة أمورا أخرى علي أن أعرفها وأتعلمها وأنني أوجدت في هذه الدنيا لأمتحن فيها وأنها مجرد دنيا فانية زائلة تركض فيها السنين بسرعة مذهلة نحو النهاية··· فلا يبقى الشباب ولا تبقى العافية ولا يبقى المال··· كل شيء سينتهي في يوم ما وستكون الأسئلة الصعبة هي الأقوى· ماذا فعلتم في دنياكم؟ كيف قضيتم أيامكم؟ ما هو الخير الذي فعلتموه وما هو رصيدكم من العبادة؟ وما هو مقياس طاعتكم وأدائكم لفروض ربكم؟
كل ذلك كان غائبا عن عقلي بشكل كامل حتى أراد الله أن أصدم صدمة عنيفة صحوت منها على بعض الحقائق التي فوجئت بها، ثم توالت علي وعلى عائلتي المواقف الصعبة والصدمات حتى صحونا كلنا وأدركنا بأن ما كنا نعيش فيه تضييع للوقت ولا فائدة منه والمطلوب منا الكثير من العمل حتى نستعيد ما خسرناه في تلك الفترة·

بداية الصدمة

كنت في حفلة غنائية صاخبة يحييها مطرب عربي في إحدى دول الغرب· شدني الحماس للصعود على خشبة المسرح فصرت أرقص رقصا شرقيا مبتذلا وأنا ألبس الملابس الخليعة· الكل صفق لي فشعرت بالانتشاء وكأنني أمثل بلدي على هذا المنبر· فقد أجدت الانحناء والتلوي بطرق لم يعرفها الغربيون مما أثار إعجابهم فصاح السكارى مشجعين ومثنين عليّ حتى غمرني الشعور بالزهو والفخر· انتهت الرقصة وعدت الى مقعدي وسط التصفيق والتشجيع وكلمات ساخنة بلغات مختلفة·
عندما جلست في مكاني صرت أهز رأسي وأنا أحيي من حولي من المشجعين فلمحت شابا غاضبا يتجه نحوي··· يبدو أنه من بلدي· نظر إليّ باحتقار شديد وقال لي: أنت عار على وطنك ودينك··· لو كنت أختي لقتلتك بيدي·
أفزعتني أصابعه الممتدة نحو عنقي وعيناه المتقدتان كجمرتين· كلماته كانت قاسية جارحة· أحسست بطعناتها تتغلغل في أعماقي ببطء وألم· لم يحدث في حياتي أن وقف مني شخص مثل هذا الموقف· لم يقل لي أحد يوما بأنني مخطئة· لم أسمع كلمة إهانة واحدة في حياتي، فكيف يتجرأ مثل هذا الشاب على الحديث معي بهذا الشكل؟· إنها صدمة شديدة تفوق قدرتي على الاحتمال· شعرت بالضيق الشديد وبأنني سأختنق، أو أنفجر إلى أشلاء متناثرة في المكان· بصعوبة تماسكت وعدت أدراجي إلى الفندق وأنا في أسوأ وضع عشته في حياتي·
ذهبت إلى أمي··· كانت نائمة· أيقظتها··· فزعت من ارتجاف جسدي واحمرار وجهي وبكائي· حكيت لها ما حدث· سألتها: لماذا تصرف ذلك الشاب معي بهذا الشكل؟ لماذا أسمعني تلك الكلمات؟ هدأتني واتهمت الشاب بالتخلف وطلبت مني نسيان ما حدث إلى الأبد·

بداية التغيير

شيء ما بداخلي تغير· لم أعد كما كنت من قبل· لم أستطع أن أهنأ وألهو كما كنت أفعل· تراكمت الأحزان في داخلي كأنها جبال شاهقة· تعبت كثيرا وقررت أن أبحث عن ذلك الشاب، وأواجهه· أردت ان أتحداه وأقول له بأنه إنسان متخلف كما تقول أمي· أردت ان أستعيد منه ما سرقه مني··· أستعيد راحتي وسعادتي واستقراري الذي سلبه من أعماقي·
بحثت عنه في أماكن كثيرة فلم أجده حتى كدت أيأس· أخيرا وجدت شابا كان برفقته في ذلك اليوم· سألته عنه فقال: إنه طالب يدرس هنا منذ سنين··· وهو لا يحب التواجد في أماكن اللهو، ولولا إلحاح أصدقائه لما ذهب إلى الحفلة تلك الليلة· ثم اعتذر عما صدر عن صديقه وقال بأنه نصحه بعدم التدخل في شؤون الآخرين·
نظرت إليه جيدا ثم سألته: وأنت! هل تجدني مخطئة فيما كنت أقوم به؟ تردد قليلا وأشاح بوجهه عني وقال: أنت بنت بلدنا، وبالطبع فإننا نحس بالغيرة عليك··· ولكني لا أحب التدخل في أمور الآخرين، فكل إنسان سيحاسبه ربه لوحده على كل ما يقوم به·
نظرت إليه باستغراب· لأول مرة أسمع مثل هذه الكلمات الغريبة· قلت له: أرجوك خذني إلى منزل ذلك الشاب وسأكون شاكرة لك· أوصلني إلى منزل الشاب· طرقنا الباب ففتحه··· وحين شاهدني أغلقه مرة أخرى فأعدنا الطرق فاضطر لفتحه ثم أدخلنا بغير ترحيب الى شقته المتواضعة·
دار نقاش بيننا نحن الثلاثة أدركت على إثره كم كنت مغيبة عن أمور كثيرة كان علي معرفتها· وكم كان استغراب الشابين لضآلة معلوماتي وعدم معرفتي بشؤون ديني ومجتمعي، وكأنني لم أعش يوما في نفس البلد الذي يعيشون فيه· سمعت كلمات أيقظت جوارحي وأشعرتني بالخجل من نفسي ومن جميع تصرفاتي· شعرت بالندم يجتاحني فصرت منكسرة ذليلة خجلة من كل أفعالي·
زيارات ولقاءات وكتب كثيرة زودني بها الشابان ساهمت في توسيع آفاقي وفتحت أمامي الأبواب المغلقة وكشفت لي الحقائق·
جلست في غرفتي وحيدة أتأمل هذا الضياع الذي أعيشه أنا وأمي وإخوتي· بكيت حرقة وألما على كثرة الذنوب· عزمت على التوبة واغتسلت وصليت فشعرت بدفء اليقين يتسلل إلى نفسي فهدأت روحي وسكنت جوارحي·

مظهر جديد

ظهرت أمام عائلتي بلباس محتشم لم يتعودوا عليه· حاولوا أن يستهزئوا بي ولكن ملامحي الجادة أوقفتهم عند حدودهم· حكيت لهم كل ما تعرضت له وكل ما عرفته فسكت الجميع وبكت أمي· شعرت بالذنب وبأنها هي المسؤولة الوحيدة عن هذا الضياع الذي وصلنا إليه· أدركت بأنها كانت حريصة على أن تجعلنا سعداء نتمتع بدنيانا ونسيت أمر الآخرة وكيف تجعلنا مستعدين لها، وكأننا سنعيش عمرا لا ينتهي أبدا·
عدنا من سفرنا ونحن نفكر بطريقه مختلفة· بعد عودتنا بأشهر قليلة حدثت كارثة هزتنا· توفي والدي إثر أزمة قلبية أصابته نتيجة لخسارته في سوق الأسهم· ارتجت لهذه الحادثة أركان حياتنا ارتجاجا شديدا··· ليس فقط لأننا خسرنا كل ما نملك تقريبا، وليس لأننا خسرنا والدنا- فنحن لم نكن نشعر بوجوده الفعلي في حياتنا- ولكن السؤال بداخلنا صار يكبر ويكبر··· كيف سيواجه والدنا ربه؟ ماذا سيقول له؟ وكيف سيبرر كل أفعاله؟ وبماذا سيعاقبه؟
تلك الأسئلة دمرتنا تدميرا شديدا·
بعد تلك الحادثة تغيرت أوضاعنا المادية تغيرا شاملا، فاضطررنا للسكن في بيت متواضع وتنازلنا عن الكثير من مظاهر الترف والبذخ التي كنا نعيشها· ولكننا لم نكن تعساء أبدا بعد أن جمعتنا الأزمة والقرب من ربنا على قلب واحد ويد واحدة·
عدنا للدراسة بجد واجتهاد فأكملت الثانوية وصرت أعمل وأدرس في وقت واحد حتى أنهيت دراستي الجامعية وترقيت في وظيفتي وساعدت أخي على دخول الجامعة·
في كل عام نذهب سويا لأداء العمرة فنجلس في باحة الحرم المكي ونشكر ربنا على نعمة الهداية ونرجوه أن يثبت قلوبنا عليها وأن يغفر لوالدينا ولجميع المسلمين·

اقرأ أيضا