الاتحاد

دنيا

ابن الغريبة


سعاد جواد
(SUAD-JAWAD@ HOTMAIL .COM)..
كنت أتأذى كثيراً حين يعايرني احد بها، على الرغم من كونها أمي، المرأة التي انجبتني، وكانت سبباً لوجودي في هذه الدنيا، لا أدري لم تنتابني مشاعر مختلفة تجاهها؟ مشاعر متناقضة لا أول لها ولا آخر، حين أنظر إلى وجهها الدائري وإلى عينيها الصغيرتين وأنفها العريض، أكره نفسي بشدة وأتمنى لو لم اكن أشبهها، أو ان لا تكون هذه المرأة هي أمي، أعود فأستغفر ربي، فهذه الانسانة الطيبة لم تقدم لي إلا كل الحب والرعاية والحنان، وانها لم تقصر في شيء أبداً، وليست هي المسؤولة عن المشكلة التي أواجهها باستمرار في حياتي، نعم هذه هي الحقيقة، فمشكلتي ليست بيد احد وليس لها حل سوى ان اتعايش معها بإيجابية ورحابة صدر مهما كانت الظروف·
شكلي مختلف، انا لا أشبه اخوتي ولا أشبه والدي، ولا أشبه احداً ممن حولي، فقط أشبه أمي، لقد كنت غريباً، هذه هي الحقيقة، فمنذ ان دخلت الروضة وانا صغير ولا اعرف شيئاً عن عقد الناس، احسست بان الجميع ينظر إلي نظرة غريبة، بعض الصغار كانوا يلمسون شعري المنسدل بلا اعوجاج وكأنه خيوط من الحرير الناعم، البعض الآخر كان يمد أصبعه نحو أنفي ويضحك وهو يردد: ليس له أنف، انه لا يملك أنفاً، حتى المعلمات لم يتفهمن وضعي وكل واحدة منهن تطرح علي الكثير من الأسئلة يدفعها الفضول لمعرفة حكايتي، تعليقات كثيرة لا أول لها ولا آخر، كنت اسمعها كل يوم، تعايشت معها وصرت لا اكترث لها، واهتممت بدراستي وتفوقي، كنت نشيطاً متميزا، اشارك في فعاليات وأنشطة رياضية وفنية، كنت اتفوق على الجميع، وبصعوبة كنت اكسب الاخرين ولكني لم انجُ من تعليقاتهم وسخريتهم من شكلي·
كلما كبرت ازددت نفوراً من أمي، كنت أحملها الذنب لانها ولدتني نسخة عنها، لماذا لا اكون مشابهاً لأبي؟ كان قلبي ممتلئاً بالغيظ منها وصرت لا أطيق التحدث معها، كنت احس بانها تتعذب وتتألم لانني أعاملها بجفاء وقسوة ولكني لم اكترث لها، فماذا تريد مني؟ ألا يكفي انني أتعذب بسببها؟ لماذا هي بالذات أمي؟ انا لا أحبها ولا أريدها، انها سبب تعاستي·
صارحتها يوماً بعد ان ألحت علي لتعرف سبب اعراضي عنها، اخبرتها بكل ما يجول بصدري نحوها، وبكل ما أعانيه بسببها، بكت كثيراً وتألمت وابتعدت عني لفترة ثم حاولت من جديد ان تتحدث معي، بصعوبة سمحت لها بوقت بسيط لتفصح عما بداخلها، اشترطت عليها ان تقول ما تريد بسرعة وان لا تضيع وقتي الثمين، ولكنها عندما بدأت تحكي وتحكي نسيت الوقت ونسيت كل شيء وصرت استمع إليها بشغف، لانني ولأول مرة اعرف تفاصيل حياة أمي وخصوصياتها، لأول مرة في حياتي اقترب منها بهذا الشكل، وقد كنت مستغرباً طوال الوقت عندما كانت تتحدث بانفعال شديد·
حكاية غريبة
قالت لي وهي تتحسر بألم: انا من عائلة طيبة ومحترمة، والدي كان يعمل مدرساً، أمي كانت تعمل ممرضة، بعد ان انهيت الثانوية توفي والدي واصبحت أمي عاجزة عن دفع مصاريف كلية الطب التي دخلتها قبل وفاة والدي بأشهر قليلة، جلست في المنزل وعشت معاناة صعبة انا وأمي وابن خالتي الذي كان مرتبطاً بي منذ الطفولة وكنا متفقين على الزواج بعد ان يكمل كل منا دراسته ويعمل، ولكن ما أردناه لم يحصل، بسبب تلك الظروف الصعبة التي مررنا بها، صرت احاول اقناع والدتي بفكرة عملي في احدى دول الخليج لسنتين فقط أجمع فيهما مصاريف دراستي الجامعية، كانت ترفض الفكرة بشدة ولكنها رضخت أخيراً بعد الحاحي الشديد عليها·
تفهم ابن خالتي وضعي ولم يعارض فكرتي، تركت كل شيء وجئت إلى هنا للعمل·
شاءت إرادة الله ان اعمل في منزل والدك، كان إنساناً طيباً، وكذلك كانت زوجته امرأة رائعة وكأنني واحدة من أهلهم، تفهّما ظروفي ووعدا بمساعدتي قدر استطاعتهما، حاولت ان أرد لهما الجميل وان أكون عند حسن ظنهما، فأجهدت نفسي في العمل طوال اليوم وصار الاعتماد علي كبيراً في الأسرة، كسبـــت محبـــة الاطفــال وصـــرت ألاعبهــم وأمرح معهم، لقد كانوا أربعــة، ولدين وبنتين، اكبرهم كان في الســـابعــة من عمره واصغـــرهم كـــان عمــره سنتيــن·
اتممت سنتين من العمل المخلص الدؤوب وحصلت على مفاجآت تشجيعية وهدايا كثيرة وكنت انتظر موعد عودتي لوطني بفارغ الصبر، ولكن عندما حان الموعد طلبت مني المرأة البقاء سنة اخرى وتوسلت إلي وشجعتني بزيادة راتبي لان الأولاد كانوا متعلقين بي وهي لا تستطيع الاستغناء عني·
وافقتها على البقاء سنة اخرى على الرغم من معارضة أمي وخطيبي لهذا القرار وعلى الرغم من شوقي الشديد لهما، فقد كان المبلغ الذي معي لا يكفي لتغطية نفقات الدراسة وكنت احتاج للمزيد·
فاجعة غير متوقعة
بعد أشهر قليلة مرضت المرأة وبشكل غير متوقع، أخبرها الأطباء بعد مراجعات وفحوصات إصابتها بمرض خبيث، فدخلت في معاناة طويلة للعلاج داخل الدولة وخارجها، فتحملت مسؤولية الاطفال أثناء سفرهما، قبل انتهاء السنة رحلت المرأة إلى جوار ربها وتركت أيتاماً صغارا لا حول لهم ولا قوة·
لقد مرت الأسرة بحالة صعبة وقاسية لا يمكن احتمالها، فوقفت إلى جانب الاطفال اخفف عنهم واعوضهم عن فقدان امهم، فتعلقوا بي اكثر واكثر·
مرت تلك السنة ولم استطع العودة لوطني بسبب تلك الظروف، فقررت البقاء سنة اخرى لأطمئن على هؤلاء الصغار، بدأت عملية البحث من قبل الأهل عن زوجة اخرى لتحل محل أم الأولاد الراحلة·
كنت قلقة على هؤلاء الصغار واريد ان اطمئن عليهم مع زوجة أبيهم ثم أعود لوطني كي احقق احلامي المؤجلة هناك·
تزوج الرجل وبعد مدة قليلة من زواجه اكتشفتُ أن المرأة كانت خبيثة جداً وشريرة وقاسية، لقد كرهت الاطفال من اللحظة الأولى التي دخلت فيها البيت ولكنها اخفت مشاعرها لأيام فقط، ثم بدأت الحقيقة بالتكشف·
صارت تلك المرأة تؤذيهم بلا رحمة وكنت احميهم منها واحاول قدر الإمكان ان اخفف من حدة المصادمات بينها وبينهم، صارت تكرهني انا أيضاً وأخذت تملأ رأس الرجل بتلفيقات وأكاذيب كثيرة عني حتى صار لا يطيق النظر إلي وقد اخبرني بانه ينوي تسفيري لان زوجته ليست بحاجة لخادمة وانها ستقوم بالإشراف على أمور البيت بنفسها·
سمع الاطفال ذلك فبكوا كثيراً وتوسلوا إلي ان لا أرحل واتركهم مع تلك المرأة الشريرة، عندها قمت بخطة محكمة لكشف حقيقة تلك المرأة أمام زوجها ليعرف ما تقوم به أثناء غيابه وكيف تتصرف مع أولاده الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة، لقد قمت بتسجيل شريط فيديو لها بعد ان وضعت الكاميرا في مكان غير مرئي وصورت جميع أفعالها المشينة مع هؤلاء المساكين·
شاهد الأب الفيلم فأخذ يبكي واعتذر لي ولأولاده ثم طلق المرأة وطردها من منزله فعادت الابتسامة على وجوه الصغار·
مفاجأة غريبة
فوجئت بأن الرجل يطلب يدي للزواج وهو يقول إنني خير من تصلح ان تكون أماً لأطفاله وراح يقنعني بالتخلي عن فكرة الدراسة والعودة للوطن، فهذا الوطن سيكون وطني الجديد، ورسالتي في الحياة ستكون اسمى رسالة حين اعتني بالصغار الذين حرموا من أمهم، فكرت كثيراً باحلامي في دراسة الطب وبابن خالتي الذي كنت أحبه منذ طفولتي، وبأمي التي سأحرم منها، فرفضت طلبه، عرف الأولاد بالأمر فضغطوا علي لأقبل الزواج من والدهم وتوسلوا إلي كي لا أتركهم مع امرأة اخرى تؤذيهم، أخيراً وافقت على هذا الزواج واسدلت الستار على حياتي الماضية وعلى كل احلامي وطموحاتي وذكريات طفولتي وعشت في هذا المنزل وتحملت مسؤولية الأولاد حتى كبروا·
لقد عانينا جميعاً من نظرة المجتمع لي، فقد قاطعنا الأهل والمعارف بعد زواجنا وصرنا شبه منبوذين من الجميع ولكننا عوضنا ذلك بالحب فيما بيننا وبالتفاهم الكبير·
عندما انجبتك فرح اخوتك فرحاً كبيراً، كنت صغيراً وجميلاً، الكل كان يحبك ويعتني بك ويدللك·
بدأت الأمور تتغير عندما كبر الجميع وحققوا ذواتهم وخرجوا من المنزل، كلما خرج واحد منهم وكون له كياناً خاصاً به في المجتمع صار يستنكر من وجودي ووجودك في حياته وتغيرت مشاعرهم نحونا حتى انهم حاولوا الضغط على والدهم ليطلقني وحاولوا اقناعه بإرسالنا انا وانت إلى بلدي بسبب شكلك الذي لا يناسبهم فهم يتهربون منك ولا يريدون ان يعرف احد بانك اخوهم·
رفض والدك تلك الفكرة وبقي متمسكاً بنا حتى توفاه الله ولم يعد لنا احد هنا ليحمينا·
أجدك تتعذب وتتألم وتتمنى بداخلك لو لم اكن أنا أمك، ولكني لا أمك لك شيئاً ولا اعرف كيف اخفف عنك هذا الشعور، فأنا لم اقصر معك ولا مع اخوتك ولكن الكل يتأثر بنظرة المجتمع غير العادلة تجاهنا، فماذا أفعل وكيف تريدني ان اتصرف؟
القرار الصعب
استمعت إليها وهي تحكي قصتها العجيبة، وتألمت كثيراً لموقف اخوتي الجاحد لها، وفكرت بانني كنت قاسياً عليها كثيراً، فقد كنت جاحداً معها مثل اخوتي مع انني ابنها الحقيقي من لحمها ودمها، ندمت على تصرفي معها وعلى طريقة تفكيري، وطلبتُ منها ان تسامحني·
خيرتني أمي بين ان اتكيف مع هذه الحياة الصعبة والمعاناة التي اعيشها في بلدي وبين ان تأخذني لأعيش معها في بلدها مع اناس كلهم يشبهوننا·
كنت حائراً في اتخاذ القرار الصحيح ولكن الضغط الاجتماعي الذي واجهته منذ طفولتي بسبب شكلي جعلني أتخذ هذا القرار، فطلبت من أمي ان تأخذني إلى بلدها لكي نعيش هناك بلا أحاسيس بالنقص تدمرني، فلست صغيراً لكي أمرر ما أسمعه دون تعليق، لقد كبرت وزادت معاناتي ولم أعد احتمل المزيد·
حملنا حقائبنا وتركنا كل شيء وراءنا، تصورت أنني لن أفكر بالعودة مطلقاً إلى بلدي·
فكرت بالدراسة هناك وان نبقى ونستقر مع اناس يشبهوننا ولا يتضايقون من أشكالنا·
لم تعارض الفكرة ولكنها نصحتني بان نبقى لمدة شهر واحد فقط، ثم أقرر بعد ذلك ان كنت أريد البقاء أم العودة، وافقتها على رأيها ولم أعارض، عندما وصلنا إلى هناك تعرفت على جدتي، كانت انسانة لطيفة وطيبة وأيضاً تعرفت على ابن خالة أمي وهو متزوج ولديه اطفال صغار، وهو انسان طيب، أعجبني البلد كثيراً ولكن لم يمر علي سوى أسبوع واحد حتى اجتاحني الحنين إلى وطني وإلى بيتي وإلى حياتي وإلى أصدقائي وتعليقاتهم وسخريتهم·
بعد شهر واحد عدت مشتاقاً لتراب وطني ولشمسه الحارة ولناسه وتناقضاتهم وأفكارهم العجيبة، وأدركت بانني أحب كل ما في وطني وقررت ان لا أغادره أبداً·

اقرأ أيضا