الاتحاد

دنيا

النفاس حكاية من الماضي


ترجمة ــ هالة دروج:
كان يا ما كان في قديم الزمان كانت هناك سيدة حامل تترقب قدوم مولودها الجديد وهي مشتتة بين مشاعر الأمومة والشوق للقائه من جهة ومشاعر الخوف والقلق من الولادة وما يترتب عليها من تغيير في حياتها من جهة أخرى· لكن ما أن بدأت هذه السيدة تشعر بآلام المخاض حتى وجدت نفسها محاطة بالنساء من أفراد العائلة والأصدقاء يحاولن التخفيف عنها· ولجأت الأم الحامل إلى مستشفى التوليد لتجد الرعاية والحنان من أفراد الطاقم الطبي الذي تولى العناية بها· فقد كانت مدللة إلى أبعد حدود الدلال إذ تولت الممرضات رعاية الطفل أثناء إقامتها في المستشفى التي امتدت لبضعة أيام فقمن بكافة واجباته من تبديل ملابس وحمام وغير ذلك· خرجت الأم من المستشفى شاكرة لحسن الضيافة وتوجهت إلى منزلها لتجده في عناية القريبات والجارات اللواتي حرصن على توفير كل أسباب الراحة وتولين عنها أعباء التنظيف والطهي على مدى أربعين يوما إلى أن اشتد عودها وأصبحت قادرة على تحمل مسؤولياتها بنفسها·
يبدو أن مثل هذه القصص بدأت تندرج ضمن نطاق حكايا جدتي لأن فترة النفاس التي تقضيها المرأة في حالة استراحة تامة بعد الولادة بدأت تفقد معناها بعد أن باتت المرأة تسارع للخروج من المستشفى في اليوم التالي لتتوجه إلى منزلها وتبدأ بممارسة كافة مهامها وكأن كل ما مرت به لا يتعدى جلسة يوجا أو أي جلسة علاج طبيعي· لكن إهمال مراعاة الراحة المتوجبة خلال فترة النفاس بالنسبة إلى المرأة المعاصرة ينطوي على كثير من الأضرار الصحية· فهل يمكن أن تزيد إمكانية النساء على الرضاعة الطبيعية في حال قضاء أسبوعين في السرير بصحبة الطفل المولود حديثا بدلا من الركض في أرجاء المنزل لإكمال كل الواجبات واستقبال الزوار؟ هل تقل نسبة اكتئاب ما بعد الولادة إن تنعمت الأم بالاسترخاء إلى جانب طفلها في أيامه الأولى؟
تؤكد ناعومي ستادلن خبيرة الرضاعة الطبيعية البريطانية أن تدفق الزوار على المنزل بعد الولادة يمكن أن يكون له تأثير سلبي على صحة الطفل إذ تقول إن الأطفال يحبون أن يناموا في ظل غياب أي نوع من الضجيج أو المنبهات· لذلك فهي تعتقد أن زيارة أي شخص باستثناء أفراد الأسرة أنفسهم يعتبر بمثابة تطفل على حياة الطفل·
فقد كانت المرأة قبل عقود قليلة تمضي ما لا يقل عن أسبوع في المستشفى بعد الولادة وما يصل إلى أربعين يوما في حالة نفاس لا ترهق نفسها بفعل أي شيء سوى التمتع بقربها من وليدها· لكن الفترة التي تمضيها حاليا تحت الرقابة الطبية قد لا تزيد عن سويعات قليلة تجد نفسها بعد ذلك مضطرة للقيام بكل ما يلزم الطفل والمنزل· ويلاحظ أن كل من حولها من أفراد الأسرة وحتى الكادر الطبي يوحون لها بشكل أو بآخر بأن استراحة النفاس موضة قديمة ومعتقدات تنتمي إلى عهد الجدات· ففي مستشفى التوليد كانت الممرضات يحرصن على تقديم أكبر قدر ممكن من العناية بالطفل أما الآن فبعد خروج الأم من غرفة الولادة مباشرة يصبح الأمر من مسؤوليتها·
لكن ديبورا جاكسون مؤلفة كتاب 'هدية إلى الأمهات الجدد' تروج للأفكار التقليدية القديمة في مسألة الولادة وتربية الأطفال· وتدعو جاكسون الجميع إلى الاقتداء بالشعوب التي تتكاتف جميع النساء في مجتمعاتها على تقديم العون للمرأة بعد ولادتها من خلال القيام ببعض الطقوس الخاصة بالرعاية الصحية وتحمل مسؤولية أعباء المنزل عنها إلى أن تشتد وتقوى·
وتضيف جاكسون: 'إن تحديد فترة النفاس والراحة بأربعين يوما تشير إلى أن المرأة لا تستطيع بعد الولادة أن تعود إلى ما كانت عليه· وتبين أيضا أن النساء اللواتي يحرصن على الالتزام بفترة النفاس يكن أقل عرضة لاكتئاب ما بعد الولادة'· وتتحدث جاكسون عن عادات الهنود والرومان في أن ترتدي المرأة ثيابا قديمة بعد الولادة وترى أن في ذلك إشارة إلى أنها تكون في حالة غير عادية مما يعفيها من القيام بالطهي وممارسة حياتها الطبيعية·وفي بريطانيا كانت المرأة تحظى برعاية خاصة وتعامل كمريضة قبل وأثناء وبعد الولادة حيث تحيط بها النساء فقط على مدى عدة أسابيع إلى أن تنتهي من كل ما يتعلق بنتائج الولادة· في نهاية هذه الفترة يقام حفل بسيط يكون بمثابة إعلان عن عودة الأم إلى حياتها الطبيعية· لكن هذا التقليد اندثر من حياة البريطانيين مع غيره من التقاليد الأخرى خلال فترة الثورة الصناعية وبعد ذلك في العهد الفيكتوري حيث بدأت حركات الهجرة الواسعة إلى المدن·

اقرأ أيضا