الاتحاد

دنيا

عبدالله بن عسكور في مخزنه يعسكر السلاح القديم


موزة خميس:
ولد عبدالله بن خلفان بن سيف بن عسكور لرجل جمع بين التقى والورع، وبين احترافه لاستخدام السلاح وصنعه وصيانته وبيعه، فكبر عبدالله ومعه كبر حبه وولعه بالقطع الكبيرة، تلك القطع القديمة التي كانت تحال الى التقاعد كانت تجد التكريم والحفاوة في منزل والده، الذي كان يقوم بصيانتها والمحافظة عليها من عوامل الزمن والطقس، بحيث تباع كقطعة تراثية أو أثرية، وكان كل الرجال من مختلف أرجاء رأس الخيمة يأتون إليه ببنادقهم وخناجرهم وسيوفهم ليعيد لها الرونق والحدة والقدرة على إصابة الهدف·
يقول بن عسكور: 'كنت موظفاً عندما زاد ولعي بالقطع الأثرية، وأصبح جل اهتمامي ينصب على جمعها وإصلاحها ومن ثم بيعها لمن يرغب، وتعود بداية عملي في هذا المجال الى العام 1974م حين كنت موظفا في العمل والعمال· في ذلك الوقت أصبحت مساعدا لوالدي الذي توفي منذ 7 سنوات فقط، وقمت بأول رحلة إلى دولة مجاورة، وهناك اشتريت البنادق والسيوف والدروع والخوذ، وكذلك الرماح، كما أنني أشتري بعض القطع من التجار الذين يأتون الى الدولة ويبيعون القطع القديمة·
متابع لا يكل
عبدالله الشهير بـ (بن عسكور) متابع نشط لكل ما يتعلق بالقطع التراثية وخصوصا البنادق والسيوف والرماح والخناجر، ويقول إن علاقة الإنسان بالسلاح بدأت منذ آلاف السنين، ومن عشقه واحترافه لبيع القطع الأثرية والتراثية لمختلف متاحف الدولة، قام بالبحث والمطالعة حول تاريخ السلاح فوجد أنه عندما اكتشفوا نماذج من قلاع في موقع هيلي والبدية وتل ابرق وكلباء تعود الى الفترة 2500 والى2000 سنة قبل الميلاد، وجدوا الكثير من الحديد كالمسامير والسيوف الطويلة ورؤوس السهام التي تعود الى الفترة 300 ق، وفي القرن الحادي عشر الميلادي عندما استطاع البرتغاليون الوصول الى الخليج والسيطرة عليه واقاموا العديد من المعاقل والقلاع على سواحله، وبقوا في المنطقة قرابة القرنين، خلفوا وراءهم عند رحيلهم الكثير من القطع، وعندما بدأت القوى الأوربية مثل البرتغال وهولندا وبريطانيا تتنافس للسيطرة على المنطقة في القرنين الثامن عشر والتاسع العشر، أخذت قوة القواسم تبرز تدريجياً فبثت أسطولاً بحرياً ضخماً يضم أكثر من60 سفينة ضخمة، وكان لديهم حوالى عشرين ألف بحار وبدأت تشكل تحدياً خطيراً للبريطانين الذين برزوا في ذلك الوقت كقوة مسيطرة في القرن التاسع عشر·
ويشير بن عسكور إلى أن التاريخ يذكر في وثائق أصبحت تبث وتنشر في كتب التاريخ أن المواجهة بين الجانبين كانت حتمية، وخلال العقدين الأولين من القرن التاسع عشر جرت سلسلة من المعارك البحرية أسفرت عن تدمير أسطول القواسم بصورة شبة كاملة، وتدمير التجارة العربية في الخليج، ولكن كان القواسم وبقية الشيوخ من مختلف أرجاء الإمارات فرسانا تدربوا على الرماية، ولذلك لم يكن صعبا عليهم استخدام السلاح، وملازمة البندقية أو الخنجر طوال الوقت، حيث أصبحت من القطع التي لا يستغني عنها الرجل بعد ارتدائه لملابسه، فلا يخرج من بيته إلا ممتشقا خنجرا أو رادفا لبندقيته على كتفه كالرفيق الوفي، وكانت كل القبائل تشتري السلاح، وأغلب من يشتري هم البدو، وأيضا سكان السواحل، لأن الرجل كما ذكر لا يخطو خطوة بدون سلاحه'·
البدوي والسلاح
ويكمل بن عسكور: 'قصة الرجل والسلاح تعود إلى سيادة الحكم القبلي، فكل قبيلة مسؤولة عن ذاتها وأحيانا عن قبيلة أخرى عقدت معها حلفا، حيث شهدت المنطقة نشوء الدويلات فيها، وكما يحدث في أي مكان في العالم قد ينشب خلاف بين شخصين من قبيلتين فتنشب حرب صغيرة، أو يسرق أحدهم إبلا أو متاعا، فترسل القبيلة المسروقة من يستعيد مالها بقوة السلاح إن لم يحدث تفاهم أو اتفاق، وكان الرجل يخشى على نفسه أن يسير من قرية إلى أخرى وحيدا، ولو كان معه سلاحه، فكان الرجال يخرجون في جماعات خشية ان تعترضهم عصابة آتيه من خارج الحدود من القبائل المتاخمة للدولة التي كانت عبارة عن قبائل منتشرة على هيئة حارات صغيرة تحمي ذاتها بذاتها، أو يكون لها حلفاء من القبائل الأخرى من المناطق البعيدة·ومن العادات التي كانت متبعة عند الرجال أن يوفر ويدخر الرجل بقدر ما يستطيع كي يشتري بندقية، ويورث الكثيرون البندقية لأبنائهم، فتعتبر كالعرض والأرض لا تباع مهما كانت كانت الظروف، حتى وإن لم تكن صالحة للاستعمال، وكان الرجال حين يخرجون من منازلهم ليشهدوا الاحتفالات بالعيد أو الأعراس ومناسبات الختان، يلبسون أجمل ما عندهم من ملابس تصبغ بمادة الورس العشبية أو غيرها من المواد الطبيعية والتي تعطي رائحة شذية في زمن عزت فيه العطور وكانت غالية، وكان السلاح آخر ما يرتدي الرجل سواء كان بندقية أو خنجرا أو سيفا، ولكن الغالبية كان يحلمون بالبندقية، ويقوم البعض بتدليلها إن كان موسرا فيدهنها بالعطور، وخلال الجلسات كان الرجل يمسك بها في وضع يجعلها ظاهرة للعيان·
أما عند سفر الرجال في رحلات زيارة أقارب بعيدين كخروج رجل من رأس الخيمة إلى الفجيرة أو الشارقة، أو للتجارة فإنهم يخرجون في جماعات أقلها اثنان، فإذا حان موعد الصلاة فإن أحدهم يصلي والآخر يراقب المكان، وهو يحمل سلاحه بطريقة بادية للعيان لأن المناطق التي كانوا يعبرونها تكون في الغالب صحراء مكشوفة·
ومن المناسبات التي كان يستخدم فيها رجال القبائل سلاحهم ليلة الزواج لإعلان الزواج وإشهاره، وللإعلان عن الفرحة، وأيضا إذا كانت هناك قبيلتان مختصمتان، وتم الإصلاح والوفاق بينهما، فإن الرجال الوسطاء من الأعيان يطلقون الأعيرة النارية تعبيرا عن فرحة الوفاق والصلح، كما يقوم شيخ القبيلة أو من ينوب عنه بإطلاق النار عندما يفد إلى قبيلته ضيفا من أعيان أو شيوخ قبيلة أخرى للغداء أو العشاء في زيارة ودية·
سلاح للفرح
ويتابع بن عسكور سرد ما تبقى في الذاكرة من ذلك الزمان: كان بعض من الرجال قديما ينذر (من النذر) بقوله على سبيل المثال: (عندما يتزوج ابن فلان سوف أطلق النار فرحا)، وينذر آخر قائلا (عند عودة أخي أو صديقي من السفر أو الحج سوف أطلق النار عند وصوله)، وهكذا تتعدد المناسبات وتختلف ويبقى نذر الابتهاج عن طريق إطلاق الأعيرة النارية تعبيرا عن الحب والسلام والفرح وتعظيما لمكانة شخص ما أو قبيلة ما، وهكذا كان السلاح مظهرا من مظاهر الفرح والسرور· وعن مهنة صيانة السلاح وإصلاحه يقول بن عسكور: إن مهنة إصلاح وصيانة السلاح من المهن النادرة حتى الآن، وكانت القطع المختلفة من البنادق والسيوف والخناجر والدروع أو التروس والرماح تأتي من أفريقيا، ومن دول أخرى، وكانت أول بندقية ظهرت هي أم فتيلة، التي صنعت في الفترة من القرن الثاني عشر إلى الثالث عشر الميلادي، واستعملت في الحرب عام 1316م· وقد وصلت أول مرة إلى منطقة الخليج العربي على يد البرتغاليين عام 1507م، وبعدها بمدة من الزمن صنعت المصلبخ، وبعد مدة وجيزة صنعت الرومي، وهذه البنادق الثلاث فقط استعملت بالبارود، وقد توالى وصول أنواع البنادق الأخرى إلى منطقة الخليج العربي خلال السنين التالية، ومنها الماطلي، الصمعا، الصميعا، أم ميزر، الليكر، الوكر، المستحية، أم ركبة، الخديوي، الورور، الشرفا، الفولند، الخميسي، نصف الخميسي، الفلسي، نصف فلسي، المشرخ، نصف المشرخ، السكتون، نصف سكتون، الدش، ألمانيا، حشر دار، البرنو، دبل سكتون، الكند، السوجرية، شوزن كامل· ويطلق عليها أيضاً اسم أم كسرة وأم نشح، شوزن إلا ربع، نصف شوزن، ثلث شوزن، ربع شوزن، والهطفا، وأم عشر، وأم سبع، وأم خمس، وأم حلقة، وأم ريشتين·أما الأسماء الثانية المكررة ومنها أم شرم، العرقية، مرقّب، الجبري، أم قدح، مراكبية، أم قمعة، أم ديك، أم حبة، أم مسمار، أم كشف، السلطانية، أم الثامة، أم ذيب وتسمى أيضاً أم ذياب وغيرها من الأسماء· أما الأسماء الثالثة المكررة ومنها أم عسكري، أم تاج، أم تاجين، أم هليل، أم مركب، أم مركبين، أم أسد، أم نمر، أم شجرة، أم صندوق، أم سطرين، أم أذني، أم صبع، أم حنش، أم جافلة، وغيرها من الأسماء، ومن المدافع هناك أم فتيلة وهي تشكل نسبة 95 في المائة من المستخدمة في منطقة الخليج العربي، وحتى قبل 80 عاما كانت تستخدم (للقنص) للصيد إلى جانب القنص بالطيور، والمصلبخ والرومي، وجميعها يستعمل فيها البارود، وهي مدافع بدائية قديمة، ومن الدروع أنواع وأسماؤها كثيرة، وأفضلها الداوودي·

اقرأ أيضا