الرياضي

الاتحاد

زين الدين زيدان الأستاذ

وضعه بيليه ضمن أفضل خمسة لاعبين في تاريخ كرة القدم ومنحه لقب ''الأستاذ''، وصفه ميشيل بلاتيني بالرائع الذي يبتكر الجديد في كل مباراة، وأطلق عليه ميشيل دينيسو مذيع قناة كنال بلوس الفرنسية الزعيم، واختاره الاتحاد الأوروبي كأفضل لاعب في النصف قرن الأخير·
زين الدين زيدان هو الأستاذ والرائع والزعيم والساحر والمبدع والفنان والمايسترو، أعاد كتابة تاريخ الكرة الفرنسية ورسم بموهبتة الاستثنائية اجمل لوحات الإبداع في ملاعب الكرة واحتلت كل أعماله مكانة بارزة في متحف التاريخ الكروي مع بيليه ومارادونا وكرويف وديستفانو وبلاتيني ·
ترك الملاعب وعلق الحذاء على الحائط بعد مونديال المانيا 2006 ولكن إنجازاته التي سطرها خلال 16 عاماً لن تغادر ذاكرة عشاق كرة القدم لسنوات طويلة، ومع إبداعات زيدان نتوقف في أهم المحطات من خلال أحدث كتاب صدر عن قصة حياة استاذ كرة القدم ·
كان انتقال زين الدين زيدان الى البيت الأبيض الإسباني نادي ريال مدريد هو صفقة القرن·· حدث ذلك في شهر يوليو 2001 عندما انضم زيزو الى صفوف هذا الفريق مقابل 75 مليون يورو·· وكانت صفقة بين أعظم ناد في العالم وأفضل لاعب على وجه الكرة الأرضية، والمقابل كان خرافياً لا يتكرر أو على الأقل هكذا قيل وقتها·
ولم يكن انتقال زيدان عملية سهلة أو هينة، فالنادي الإيطالي كان متمسكاً به الى أبعد الحدود أو قل حتى يحصل على أعلى سعر ممكن، ورغم ذلك فإن الإعلان عن وصول زيدان الى ريال مدريد أكثر الأندية الأوروبية تتويجاً وألقاباً، قد تم قبلها بعدة أسابيع، بل أشهر إذا شئنا الدقة·· فالصحافة الإسبانية التي لا تترك خبراً إلا وتابعته حتى نهايته، كانت موجودة بقوة تبحث وتنقب وترسل الجواسيس الى إيطاليا لاستطلاع الأمر ومعرفة حقيقة الصفقة·· ولم ينته أمر هذه الصفقة إلا بعد أكثر من محاولة من رئيس نادي ريال مدريد الذي قوبل طلبه بالرفض المؤدب أكثر من مرة من جانب يوفنتوس ومسؤوليه·

عالم آخر

وفي هذه الأثناء كان زيدان في عالم آخر يقضي إجازته الصيفية مع أسرته الصغيرة ولم يدر بتفكيره على الإطلاق أنه سيعود من الإجازة ليجد نفسه وقد انتقل الى صفوف ريال مدريد·· كان كل تفكيره ينصب على الاستعداد للموسم الجديد مع يوفنتوس، والتصميم على أداء موسم قوي يعوض سوء حالة الفريق خلال الموسمين الأخيرين·· ولكنه فوجئ بأنه مطلوب منه أن يتوجه الى إسبانيا لكي يتعرف على ناديه الجديد واستكمال استيفاء باقي بنود العقد وشروطه وتحديد راتبه الشهري أو السنوي·
وهذا طبعاً لا يحدث سريعاً أو في حدود ضيقة، وإنما المسألة تحتاج الى احتفال كبير يليق بنجم سوبر شهرته العالمية تسبقه، وينتقل من نادٍ إيطالي عريق الى نادٍ إسباني أكثر عراقة، وبمبلغ لم يسمع عنه أحد من قبل في مجال كرة القدم·

دي ستيفانو الأسطورة

وجاء يوم 9 يوليو ،2001 وكان الاحتفال مبهراً يليق بمستوى الحدث وبمكانة الوافد الجديد العالمية·· اكتظت قاعة المؤتمرات الصحفية بالعديد من الصحفيين جاءوا من مختلف بلدان العالم لنيل شرف حضور حفل انتقال ''زيزو''·· وطبعاً كانت الشركات الراعية للنادي واللاعب موجودة وحريصة على تضخيم الحدث·· وتدافع الصحفيون يومها لرؤية أسطورة النادي الكروية الفريدو دي ستيفانو وهو يقوم بنفسه بتسليم زيدان فانلة ريال مدريد البيضاء·· والحقيقة أن زيدان لم يكن على راحته على الإطلاق وهو يقوم بدور الرجل الذي يساوي نصف مليار فرنك فرنسي (75 مليون يورو) ولكنه على أية حال وجه الشكر الى مسؤولي النادي الإسباني على حسن الاستقبال والثقة التي وضعوها في شخصه، بينما كانت فلاشات وعدسات المصورين تلتقط الصور التذكارية·
لم تكن صفقة زيدان مع الريال صفقة كروية فنية فقط، وإنما كانت صفقة اقتصادية أيضاً·· ''بيزنس'' وتبادل منفعة ومكاسب·· فزيدان يحصل على راتب سنوي قدره سبعة ملايين يورو ولكنه في المقابل يعطي النادي حق استغلال صورته· ولو لم يفعل ذلك ريال مدريد فمن أين كان سيأتي بالمال اللازم لتمويل صفقاته الضخمة التي بدأها بلويس فيجو (56 مليون يورو) ثم زيدان ومن بعده رونالدو وبيكهام· كان من الطبيعي أن يقوم مسؤولو نادي ريال مدريد ببيع منتجات عليها أمثال هؤلاء النجوم الكبار تخفيفاً للأعباء والنفقات التي يصرفها النادي· وتأكيداً على هذا المعنى، فقد بيعت في اليوم التالي لصفقة زيدان الـ 300 نسخة من الفانلة التي حملت رقم خمسة والمطبوع عليها اسم زيدان ولم يتبق منها شيء·
فريق الأحلام
كان الرهان ضخماً والتحدي كبيراً، ورغم ذلك قبله زيدان الذي أصبح أغلى لاعب على ظهر الكرة الأرضية·· وبهدوئه المعهود وصفائه المعتاد كان عليه أن يزيل كل الشكوك ويؤكد على أرض الواقع جدارته بهذا العقد الخرافي·
فرصة زيدان للتعبير عن نفسه بحرية كانت كبيرة نظراً لأن الكرة الإسبانية أقل تكتيكاً ونزعة دفاعية من نظيرتها الإيطالية، وسرعان ما ظهرت بوضوح ملامح الشخصية المتميزة لزيدان في الأداء·· سهولة ومهارة فنية عالية ولمحات ليس لها مثيل عند غيره، كانت تهتز لها جدران ستاد ''سانتياجو برنابي'' ملعب ريال مدريد وجماهيره الغفيرة·

على طبق من ذهب

نقطة التخوف الوحيدة التي انتابت البعض في النادي الملكي الإسباني كانت تتعلق بسياسة استقدام النجوم التي انتهجها فلورينتينو بيريز رئيس ريال مدريد، إذ تساءل هذا البعض عن كيفية التعايش بين كل هؤلاء النجوم على أرض الملعب· ولأنه لم يكن قد وصل بعد من النجوم الكبار سوى لويس فيجو وزيدان فقط لم يكن رونالدو وبيكهام قد أتيا بعد، فإن المقصود من التساؤلات كان معرفة كيف سيتم التنسيق في حالة وجود نجمين كبيرين في صناعة اللعب داخل الملعب في وقت واحد؟ وكيف سيتم توظيف كل منهما؟ وما هي حدود وطبيعة المنافسة بينهما؟
ولكن كل هذه التساؤلات والمخاوف اختفت لأن النجمين زيدان وفيجو لم يعطيا الفرصة لأحد للوقيعة بينهما، فلكل منهما دوره المحدد والمرسوم وفقاً لخطة اللعب وطريقته·· فنجحا سوياً عام 2002 في تقديم كأس دوري الأبطال الأوروبي للريال على طبق من ذهب إذ نجح الريال في الفوز على بايرن ليفركوزن الألماني بتسديدة رائعة على الطائر من النجم زيدان وهو من الأهداف التي لا تنسى على الإطلاق لا عند الجماهير ولا عند اللاعب نفسه· وهكذا حصل زيدان في أول موسم له مع ريال مدريد على كأس دوري الأبطال الأوروبي التي كان يتمنى من كل قلبه الحصول عليها ولكنه لم ينجح في تحقيق هذا الحلم مع يوفنتوس تورينو الإيطالي، ولكنه حققه مع النادي الملكي·· وقد صادف الفوز بهذه البطولة الاحتفال بالعيد المئوي لنادي ريال مدريد لتكون الفرحة فرحتين·

إخفاق مع المنتخب

وبقدر هذا النجاح الكبير لزيدان على مستوى ناديه، بقدر ما كان إخفاقه وفشله مع منتخب بلاده الذي خرج من الدور الأول لكأس العالم 2002 بكوريا الجنوبية واليابان، دون حتى أن يسجل هدفاً واحداً، بل كانت أسوأ كأس عالم للفرنسيين·· إلا أن ذلك لم يؤثر مطلقاً على أداء زيزو مع الريال، فما أن بدأ الموسم الجديد بعد المونديال، إلا وقد واصل نجمنا رحلة التألق والإبداع وصنع الأهداف وحصد المزيد من الألقاب·· وعلى المستوى الشخصي سجل زيدان تسعة أهداف وصنع باقة من أجمل الأهداف لصديقه الجديد في الفريق البرازيلي رونالدو·· وحصل الريال على بطولة الدوري الإسباني وأيضاً بطولة كأس الانتركونتننتال·
واستمرت بعد ذلك سلسلة توافد النجوم على ريال مدريد فتعاقد النادي مع الإنجليزي ديفيد بيكهام في 2003 ومواطنه مايكل أوين في ،2004 كما تعاقد على النادي 6 مدربين خلال عامين· ولم يستطع ريال مدريد أن يحقق شيئاً عام 2004 فانهالت الانتقادات على الفريق ومسؤوليه وتساءل البعض: هل كثرة النجوم تقتل الفريق؟ ولكن زيزو أجاب على هذا السؤال وقتها بقوله: لا·· لم أنته لا أنا ولا غيري من اللاعبين·· ونحن هنا في مدريد على اقتناع تام بقدرتنا على إضافة المزيد من الإنجازات·
ولم يكتف زيدان وقتها بهدا التصريح وإنما دلل عليه وأكده بتجديد عقده مع الريال حتى يونيو ·2007

عشق الاستقرار

وبالتدقيق في مشوار زيدان مع الأندية سنجد أن ابن مرسيليا ونجمها المحبوب ينشد دائماً الاستقرار والسكينة والهدوء والبعد عن الضوضاء، فعندما انتقل من ''كان'' الى يوفنتوس تورينو مروراً بـ ''بوردو''، كان زيدان يقضي في كل مكان على الأقل أربع سنوات وهو ما يؤكد عشقه الشديد للاستقرار وحتى عندما كان قد وافق على مد عقده مع ريال مدريد حتى عام 2007 كان ينشد الاستقرار أيضاً· نعم اختار زيزو الاستقرار والتوطن الدائم مبراً ذلك بقوله ببساطة متناهية: إن الاستقرار لا غنى عنه للأسرة·
وهكذا يكون زيدان قد شهد أربعة أندية، وأربع مدن خلال تاريخه الكروي الحافل بالبطولات والإنجازات·· ''كان''، ''بوردو''، ''تورينو'' و ''مدريد'' ولكنه أبداً لم يلعب في نادي مدينته ''مرسيليا'' مسقط رأسه ولم يلبس فانلة فريقها أوليمبيك مرسيليا ذات اللونين الأبيض والأزرق السماوي·· وكان ذلك بمثابة خيبة أمل لأبناء مرسيليا وشعبها وجماهيرها·· نعم خيبة أمل كبيرة ولم يعد هناك أدنى مجال لتعويضها·
وإلى حكايات أخرى

اقرأ أيضا

«الأبيض» يتعادل مع «أسود التيرانجا»