صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الأمن الاقتصـادي لدولة الإمارات

خليفة بخيت الكتبي *

مما لا شك فيه أن الأمن الاقتصادي هو جزء من منظومة أمنية متكاملة يشملها مفهوم الأمن البشري الذي يقصد منه التحرر من الخوف والحاجة، أو بمعنى آخر تأمين حياة المجتمع من الأخطار التي قد تحيق به من الخارج، كما يشمل الأمن على حياة الناس من تهديدات الفقر أو المرض أو الجهل، ولهذا فإن التعامل مع مفهوم الأمن ينبغي أن ينظر إليه على أنه مفهوم شامل لكل الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية
ففي المجال الاقتصادي لا بد أن يستوعب هذا المفهوم المطالب الاقتصادية للمجتمع ورفاهيته، وبالأخص القضايا المتعلقة بالتنمية البشرية التي تستهدف بناء الإنسان وكرامته وحفظ حقوقه وواجباته، كما لا بد من العمل على تأمين سبل الوقاية المبكرة لحفظ المنجزات الاقتصادية القائمة والمستهدفة، وخاصة توفير أسباب الحياة الكريمة للأجيال القادمة ومساعدتهم على توفير السكن والعمل والتعليم والصحة الجيدة.
كما أن الثروات الطبيعية كالبترول ومشتقاته والماء والإنسان تمثل قاعدة الاقتصاد الأساسية، وبهذا فإن توظيفها الكلي والنوعي لا بد أن يأخذ في صلب بنائية العامل الأمني، أي ضمان استمرار توفره ليس فقط لضمان استمرارية الاقتصاد ونموه في إطار زمني محدد ولكن بصفة دائمة، لأن الموارد والثروات الطبيعية ليست ملكاً لجيل دون جيل، بل هي ملك للوطن ولمستقبل أجياله. هذه حقيقة جوهرية وقاعدة كل مفاهيم الأمن الاقتصادي، ومن ثم فمن الخطأ من وجهة النظر الأمنية استنزاف هذه الموارد انطلاقاً من حاجة الاقتصاد المرحلية أو ظروف العرض والطلب السوقي، وإذا كانت هذه الثروات البترولية والمعدنية تبدو أكثر وضوحاً في أهمية اعتماد استخدامها على سياسات بعيدة النظر تمنع استهلاكها على حساب الأجيال القادمة فإن الماء ربما أكثر حيوية لحياتنا، فنحن بلاد صحراوية لا أنهار أو بحيرات فيها واعتمادنا على مصدرين المياه الجوفية المحدودة وتحلية مياه البحر، وهي عملية مكلفة وتعتمد على الطاقة المكلفة.
التفكير الجاد لحفظ الأمن الاقتصادي ضرورة تستلزم البحث والدراسة العميقين، وبالنسبة لأمن الاقتصاد لدولة الإمارات العربية المتحدة، كجزء من الأمن الاقتصادي العالمي، يتطلب أخذ زمام المبادرة إلى تبني عقد المؤتمرات العلمية لمناقشة القضايا الأمنية الاقتصادية الجديرة بالدراسة، للوقوف على مواطن القوة والضعف في هيكل اقتصادنا الوطني.
يعتبر تحقيق الأمن الاقتصادي هاجس الدول، فهو أحد العناصر المتكاملة في منظومة الأمن القومي، بالإضافة إلى الأمن السياسي، والاجتماعي، والبيئي، فلا يمكن تصور مجتمع مستقر ومستدام، مع التحولات العميقة التي شهدها العالم في العقود الأخيرة وظهور أقطاب ومتغيرات جديدة، دون شعوره بأمنه الاقتصادي الذي يوفر له حياة معيشية كريمة ورفاهاً اجتماعياً، في ظل وضع اقتصادي مستقر وآمن، بعيداً عن الخوف والتهديدات.
من هنا أضحى البحث عن الأمن الاقتصادي ضرورة ملحة سواء على المستوى السياسي الذي أملته التحولات السياسية التي أطاحت بمجموعة من رؤساء الدول لعدم قدرتهم على تحقيق الأمن الاقتصادي لمواطنيها، أو المستوى الاقتصادي نتيجة للتغيرات الحاصلة اليوم وأزمة الغذاء والوقود والأزمات المالية التي عصفت بالعالم.
إن أنماط انعدام الأمن الاقتصادي التي تظل محصلة ثغرات عديدة في السياسات المعتمدة، فالضعف البنيوي لقدرات الاقتصادات العربية كان من النتائج للاستمرار في الاعتماد على النمو المتقلب المدفوع بقوة النفط، الذي أضعف اقتصادات «البترودولار» وتركها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، من هنا اتخذ النمو الاقتصادي مسارات متعرجة اتسمت بانخفاض حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كما يشكل الانكماش الاقتصادي العالمي خطراً على الأنماط الجديدة المنفتحة التي استحدثت في مجالات الاستثمار والتجارة، وكذلك في مشروعات التنمية المحلية التي كانت الآمال معلقة عليها لتحقيق النمو المستدام، كما ترك التوسع الاقتصادي المرتكز على عائدات النفط آثاراً سلبية في سوق العمل.
العالم شهد في الآونة الأخيرة جملة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تركت آثاراً واسعة على مستقبل معظم اقتصادات الدول، وعلى أمن الدول والأمن الاقتصادي العالمي، كما ألقت تلك التغيرات بظلالها على الاقتصاد الوطني بدولة الإمارات، مما أدى إلى انتهاج سياسة اقتصادية تزيد من قدرة الدولة في مواجهة المتغيرات، وتعزز من مكانتها الاقتصادية عالمياً، واتبعت الدولة سياسة رسم معالم خريطة اقتصادية جديدة، من أجل الحفاظ على أمنها الاقتصادي، وتأمين الرفاه والأمن لشعبها وللقاطنين على أراضيها.
?وفي خضم ما تشهده المنطقة من تغييرات وأحداث، وظهور منظمات وجماعات إرهابية لا تريد الخير لدول المنطقة ولا لشعوبها وتعمل على تقويض أمنها واستقرارها، إضافة إلى النزاعات المسلحة التي تحدث في إقليم الوطن العربي، أصبح لزاماً على صانع القرار في دولة الإمارات العربية المتحدة أن يحصن البلاد ضد أي عابث، لأن الأمن هو أساس الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فلا أمن اقتصادي بلا أمن يشمل أمن الدولة والمجتمع والفرد، فإذا عم الأمن نعم الناس بحياة سليمة آمنين على أنفسهم، ومصالحهم وعم الاستقرار مناحي الحياة كافة، وساد الرخاء في الدول، وفي ظل ما يشهده العالم من تقدم وسائل الاتصال والتكنولوجيا وفي ظل العولمة والتكتلات الاقتصادية، فلا بد من التعاون على الصعيد الإقليمي ليكون إطاراً لحماية الدول الصغيرة من التقلبات التي تعصف بالاقتصاديات العالمية.

* باحــث إمـــاراتي