الاتحاد

ثقافة

«الشارقة للمسرح الصحراوي».. الخروج من «العلبة» إلى رحابة الرمال

مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي يقدم عروضه في الهواء الطلق (أرشيفية)

مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي يقدم عروضه في الهواء الطلق (أرشيفية)

محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

ينطلق في منطقة «الكهيف- الواقعة على طريق مليحة» بإمارة الشارقة، غداً، حدث ثقافي نوعي، يتمثل في النسخة الخامسة من «مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي» الذي تنظمه إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام حتى 16 ديسمبر الجاري، بمشاركة 6 عروض مسرحية من: الإمارات، الأردن، الكويت، السودان، العراق، موريتانيا، أنتجت خصيصاً للمهرجان، الذي أصبح بعد النّجاحات المؤثرة التي حققها، مشروعاً ثقافياً اجتماعياً لمقاربة أو استقراء الصحراء عبر المسرح، ضمن طقوس تهتم بإبراز الصلات الكائنة والممكنة بين تقاليد الفن المسرحي والأشكال التعبيرية والأدائية التي طوّرتها مجتمعات الصحراء العربية.
بهذه المناسبة أكد أحمد أبورحيمة، مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام، مدير المهرجان أنّ: النّسخة الخامسة من الحدث، والتي تقام فعالياتها في مكان مفتوح، تم تصميمه في شكل قرية صحراوية، ستشهد توسعاً في البرامج والفقرات المصاحبة، منها الثقافية والتراثية وعروض فرق الفنون الشعبية.
وعبر بورحيمة عن اعتزازه بالتظاهرة الصحراوية، كمناسبة لجمع أهل المسرح من الأقطار العربية الشقيقة، للحوار والتواصل وتعميق حوار التجارب حول ما يمكن أن يسهم في تطوير وحفز تجاربهم الإبداعية والتنظيرية، ويرفدها بالمغايرة والاختلاف، ويتقدم بخطواتها نحو الجدة والحداثة، لتطوير مفهوم الذائقة والثقافة الجماهيرية.
وأشار بورحيمة، إلى أن المهرجان يجسد نوعاً من الأفكار المفتوحة بتقديمه خدمة للمسرح العربي، من خلال تنوع الأفكار وتبنيها من قبل مؤسسات وهيئات ذات صلة بالإبداع المسرحي، لغايات نشر الثقافة المسرحية في كل مكان.
المهرجان الذي جاء تأسيسه استلهاماً وترجمة لرؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لتعزيز مفهوم أدب وثقافة الصحراء، يعتبر اليوم أول حدث على مستوى العالم يهتم بثيمة «الصحراء»، وقد حقق رؤى فنّية تعكس اهتمام القائمين عليه بخلق تنّوع في الأداء، فقد أخرج «الصحراوي» المكان المسرحي من مكانه التقليدي «العلبة الإيطالية» إلى فضاءات رحبة مفتوحة من الرّمال والكثبان الصحراوية، مما ألزم المسرحيين البحث والعمل على تطوير أدواتهم المسرحية لتتلاءم مع هوية المكان، والبحث عن حلول ووسائل وحيل إخراجية لتقديم عروضهم المسرحية، وكأنها تمرين مسرحي يتمحور على الحكاية والشعر والأداء، وأحياناً الارتجال، وعلى أساليب متعددة من التعبيرات الفنية التي تختزنها الذاكرة الجمالية للصحراء، بعد أن تصبح الرمال الذهبية في الكهيف، هي خشبة المسرح.

كما أنّه نجح بامتياز بذهابه إلى الجمهور، وبخاصة «جمهور العائلة» وجذبه إلى الحالة المسرحية الاستثناء، شكلاً ومضموناً، تحت مظلة هدف رئيس يسعى المهرجان لترسيخه، نحو استكشاف وإبراز الخطوط التي يمكن أن تصل بين الفن المسرحي وأنماط الأداء من المرويات والسير الشعبية في البادية، بحيث ننظر إلى هذه التظاهرة المسرحية الفريدة، بوصفها شكلاً حديثاً من أشكال «الفرجة المسرحية» التي تزاوج بين عناصر الطبيعة الحيّة وأشكال مختلفة من فنون الأداء التراثية والشعبية والفلكلورية، وذلك انطلاقاً من أساليب ومضامين عروضه، التي ترتكز بنائياً على الشعر والسرد والربابة والتشخيص والتراث، إضافة إلى تنوع تقنياته الموظفة في سينوغرافيا العرض، ووحدات بصرية مستعارة من مرئيات البيئة الصحراوية، هذا إلى جانب انفراد المهرجان باستقطاب نخبة من الباحثين والخبراء والممارسين المسرحيين، للمشاركة في «المسامرات الحوارية الفكرية» والتي تأتي في هذه النسخة تحت عنوان (المسرح وأدب الصحراء)، وهي في الواقع شكل جديد من حوار التجارب المسرحي، في سعي لإضفاء هوية عربية على هذا اللون من الأداء، من خلال العودة إلى «التراث» واستدعاء «النماذج» و«المظاهر» و«الطقسية» المسرحية، وسواها من الممارسات التي عرفتها الثقافة العربية، بحيث يأتي هذا النشاط الفكري ليدون التاريخ الخاص بهذا الحدث الجميل، ويزيده رسوخاً وامتداداً.
في السياق، نود الإشارة إلى حسن اختيار الثيمات والمواضيع المطروحة التي تتناسب وواقع ورسالة وأهداف الحدث، الذي يرتحل بعشاق المسرح إلى تجربة فريدة تعيدنا إلى حضن البادية ولهجتها وثقافتها وقيمها وتقاليدها التي فقدت، أو نسيت لصالح عولمة الثقافة، بحيث يراد في النهاية لهذه العروض أن تعكس الملامح المتنوعة للثقافة الصحراوية الممتدة طولاً وعرضاً في جغرافيا الوطن العربي، واستكشاف الصلات الكائنة والممكنة بين أشكال التعبير الأدائي والسردي التي تعمر الصحراء وفن المسرح.
ولا ننسى الجانب الاحتفالي في المهرجان، حيث بات من تقاليده استقبال الضيوف في خيام تراثية في محيط مكان العرض الرئيس، وما يتصل بهذه الحالة من إحياء لمظاهر الكرم الإماراتي، بتقديم الطعام والتمور والقهوة العربية، في استعادة طريفة وجميلة لأجواء الصحراء، لعيش التجربة بكاملها ما بين المسرح والفنون وأجواء الصحراء بكاملها.
في الواقع، إن قصة نجاح المهرجان كمنصة جديدة للفنون الاحتفالية، تدفعنا إلى استكشاف واستلهام هذا الفضاء الثقافي والاجتماعي ومقاربته إبداعياً، بعد أن أثار أصداء طيبة في نسخه السابقة، للتدليل على المكانة المتقدمة التي أحرزها، بحيث أمكن له أن يصلح كـ «منصة للمزاوجة بين الإرث الحضاري العربي ومستحدثات الحداثة التقنية في استخدام تقنيات المسرح المعاصر»، مع تشكيل إضافة إلى الحراك المسرحي في الإمارات.

اقرأ أيضا

فاطمة المعمري: لا معوقات أمام الأدب النسوي