الاتحاد

دنيا

الأدب العربي على هامش الحياة

القاهرة - الاتحاد - خاص:
لم يكن يعتبر نفسه شاعراً، لكنه اكتشف ذلك عندما حمل أستاذه بعضاً من محاولاته إلى المسابقة للشعر، فنال الجائزة التي شقّت أمامه الطريق إلى جائزة أهم بكثير هي جائزة البابطين·· 'سيد يوسف'، الشاعر المصري الشاب توجه إلى اسبانيا حيث تم تسليمه الجائزة في احتفالية حملت اسم 'ابن زيدون' عن قصيدته التي حملت عنوان 'موشح رعي الجمال'· وهناك في الأندلس لم يكتشف 'الآخر' بل 'الأنا' لأن الماضي الأندلسي لا يزال في عيون الكثير من الاسبان· 'سيد' له أفكاره حول الجيل السابق الذي لم يقدم القدوة ولا المثل، وها هو يؤلف مع مجموعة من الشعراء جمعية 'دعاء الشرق' التي استوحاها من أغنية لـ'عبدالوهاب' (من تأليف 'أحمد حسن اسماعيل') بهدف الارتقاء بالشعر وبالذات·
؟ أنت الشاعر، وقد زرت الأندلس، ماذا قالت لك الذاكرة؟ بل ماذا قال لك القلب؟ استطراداً، ماذا شاهدت وما كان محور اهتمامك؟
؟؟ لعلني أبدأ بالقول: تلك الآه الأندلسية البعيدة التي في لا وعينا، هذه كانت المرة الأولى التي ابتعد فيها عن مصر، وجدت اسبانيا تشبه بلادنا، عندما وصلت لم تكن في رأسي مشاهدات بمقدار ما حاولت التركيز على الجانب الإنساني الذي يتمثل في البشر· ربما المكان لا يختلف كثيراً، تختلف الزخارف· وفي رأيي ان الذي يجعل المكان مختلفاً هو الناس الذين يعيشون فيه· لذلك ركّزت على معرفة الشعب الاسباني ومدى اختلافه عنّا، ومدى تأثّره بوجودنا معه لفترة طويلة من الزمن، ووضعه الحالي بالنسبة إلى أوروبا على سبيل المثال·
واسبانيا، كما الشائع، هي أدنى مستوى من أوروبا وأعلى منّا درجة· لكن الناس هناك لا يختلفون كثيراً عنّا، حتى في الجانب الاجتماعي هم اجتماعيون، توجهاتهم الحياتية والثقافية قريبة من توجهاتنا، ويمكن ان يكون ذلك بتأثير الوجود الإسلامي المديد هناك·
؟ هل شعرت ان اسبانيا تمثل لك الآخر ثقافياً وسياسياً، كما تشيع، عادة، وسائل الإعلام؟
؟؟ على العكس لم أشعر بأنني أمام الآخر، لأن في البنية الثقافية والتاريخية للاسبان، ثمة شيء فينا· لقد عثرت على الأنا، ولم أكن أتصور انني سألتقي أناساً قريبين منّا في الطباع، والسلوك الفردي والاجتماعي والتفكير· قابلت عرباً مقيمين في أوروبا يحبون الأسرة، و'اللمّة' وهم اجتماعيون إلى حد كبير، ولديهم شراهة الكلام· ركبت مع سائق تاكسي، وتحدثت إليه بالانجليزية، وهو بالاسبانية، ومع ذلك كنا نفهم على بعضنا البعض، واستطرد معي كثيراً في الكلام·
الفردوس الإسلامي العربي
؟ إلى أي مدى تأثرت على المستوى الخاص والأدبي بهذه الزيارة؟
؟؟ ان مشاهدة ما فعله أجدادي هناك، وتقاطع ذلك مع أفكاري السابقة وقراءاتي كان لها أثر كبير عليّ، كنت حريصاً على مشاهدة ما تبقى من ذلك الفردوس الإسلامي العربي، رأيت الكثير الذي جعلني أشعر كما لو انني في أجواء عربية·أما بالنسبة إلى الشعر الاسباني فهو أوروبي، الملامح العربية فيه انطمست، وما سمعته عبر الترجمة من شعراء اسبان - افقدته الترجمة كثيراً من جماليات الشعر - هو شعر أوروبي خالص، لا وجود للايقاع، ولا للموسيقى فيه· ويمكن أن يكون ما أفادني في هذه الرحلة ارتباطي بأسبانيا عن طريق القراءة، ووسائل المعلومات من انترنت وغيره، وعندما وصلت رأيت ما كنت قد قرأته وشاهدته على الشاشة·
ربما لو حدثت هذه الرحلة في عهد 'طه حسين' أو 'رفاعة الطهطاوي'، كانت ستمثل صدمة واخلافاً جذرياً للزائر، لكن العالم الآن أصبح أكثر تواصلاً، وعلى مكتبك بالقاهرة يمكن ان تشاهد وترى العالم وما يحدث فيه بالتفصيل، الحصول على المعلومات أضحى أسهل بكثير، دون أن تستخدم قدميك، يمكن أن تجوب أي مكان في العالم·
؟ إقامة احتفالية ومؤتمر 'ابن زيدون' في اسبانيا وليس في عاصمة عربية لتكريم شعراء ونقاد عرب، ومناقشة قضايا شعرية وتاريخية، لابد ان تطرح مثل هذا السؤال: هل من جدوى؟
؟؟ في الحقيقة، إن هذه هي الخطوة الأولى نحو الآخر، هذا إذا ما اعتبرنا ان اسبانيا هي البوابة إلى أوروبا، وانها ممثلة للغرب، ومؤسسة 'البابطين' منظمة مقتنعة بما تفعله، فإقامة مثل هذه الاحتفاليات في الغرب تجعل الآخر يتعرّف إلينا، وينشأ حوار ثقافي خلاّق بين ضفاف مختلفة·
اسبانيا في قلب أوروبا وذهابنا إليها بثقافتنا يعيد إلى الذاكرة ذهابنا إليها فاتحين وغازين قديماً، هذا هو الطريق نحو الغرب، لابد من إزالة سوء الفهم المتبادل· الاحتفالية أتت بجدوى كبيرة، طبعاً أنا أتشرف بفوزي بجائزة أفضل قصيدة عربية مع شاعر مغربي آخر، وقبل هذه الجائزة كنت اسماً مجهولاً في عالم الأدب، لكن بعدها صار اسمي معروفاً ولديّ فرصة للتواجد على الساحة بابداعي، والتكريم بالنسبة إليّ معنوي، وسيكون له دور كبير في انتاجي المقبل·
؟ وكيف ينظر الاسبان إلى الشاعر 'ابن زيدون' الذي حملت الاحتفالية اسمه؟
؟؟ الأسبان يعتبرون 'ابن زيدون' ابنهم، وهو كان في الفترات الأخيرة، التي كانت الحضارة الإسلامية خلالها قد انصهرت في المجتمع، واختيار 'ابن زيدون' اسماً لهذه الاحتفالية كان مؤثراً جداً للاسبان ولنا نحن كشعراء عرب·
الغرب والإرهاب
؟ تفجيرات مدريد الأخيرة ألقت بظلالها على العرب، وثمة من سعى إلى إعادة ربطهم بالإرهاب، هل لاحظت رواسب لذلك لدى الاسبان؟
؟؟ سأعود إلى تفجيرات 11 سبتمبر وما قبلها، حيث كانت صورة العربي في الغرب هي الرجل البدوي الذي يقود الجمل، ولم يكن هناك تفريق بين مناطق حضرية وأخرى صحراوية ولا شعور بتغير العالم العربي، فالجميع سواء: اناس يرتدون جلابيب وتائهون في الصحراء، كانت صورة بداوة، بعد 11 سبتمبر وتلقّي الصدمة واستيعابها، بدأ الغرب يبحث لمعرفة هؤلاء العرب ولماذا حدث ذلك؟ الغربي كان يأخذ معارفه عن الآخر عبر الإعلام بأخطائه وتشوهاته وتوجهاته السياسية، لكن الغربي اليوم بدأ يسعى نحو فهم أكثر صواباً ودقة موضوعية حتى لا يتم خداعه بعد ذلك، وبعض الناس يقولون ان ما حدث ينطوي على جانب ما مفيد للمسلمين والعرب ولقضاياهم، فالغرب يبحث عنّا الآن وعن مكاننا وثقافتنا، وبالنسبة إلى تفجيرات مدريد، جموع الشعب الاسباني كانت رافضة للحرب على العراق، على سبيل المثال، والاسبان يعرفون العرب قبل التفجيرات بوقت بعيد، فأكثر المغاربة يعملون في جنوب أوروبا، خصوصاً في اسبانيا وايطاليا، وهناك جاليات عربية كبيرة· لكن ما حدث كان شيئاً مختلف تماماً، أعتقد ان الاسبان تعاملوا معه بوعي شديد، كون الحادث إجرامياً ولم يحدث هناك تسرّع واتهامات كما حدث في الولايات المتحدة، ولذلك، فإن احتفالية 'ابن زيدون' أيضاً ابتعدت عن المناقشات السياسية، وكانت الحوارات على ما هو مشترك عبر الكتاب والشعر والتاريخ، مثل تحقيق كتاب أو استعادة أشعار 'ابن زيدون' ومناقشتها·
؟ يقال: 'إننا في زمن الرواية·· والشعر في أزمة، والأدب العربي أوضاعه مهترئة'·· ما رأيك في ذلك؟
؟؟ في هذه المقولة ثمة الكثير من الصدق، الأدب في العالم العربي عموماً ومصر خصوصاً على هامش الحياة، والشعر على هامش الأدب، والشعر الجيد على هامش الشعر، الأدب الجيد لم يعد له تأثير في حياة الإنسان العربي، وتأثيره بات محدوداً عبر الرواية والمسرح والسينما لأن تقنيات العصر تلائم هذه الفنون أكثر من الشعر· الشعر يحتاج إلى وجود الطرفين في وقت واحد، ووجود تفاعل المتلقي يسمعك ويستوعب·
في المسرح والسينما هناك تقنيات مساعدة غير متوافرة للشعر، ويجب أن تثار، بقوة، قضية إعادة الشعر إلى المجتمع مرة أخرى، وهذا أمر صعب يحتاج لتكاتف جهود كثيرة·
لسنا جيلاً خائفاً
؟ نقاد عديدون يصفون جيلك الشعري بالجيل الضائع، ما تعليقك؟
؟؟ جيلنا ليس ضائعاً لكنه مظلوم، لأنه لا يجد قدوة في الأجيال السابقة تستحق ان يقتفي أثرها، وأنا لا أقلّل من جهد الأساتذة الذين سبقونا، لكنهم، في الحقيقة، لم يحاولوا تقديم شيء لبناء جيل يسير على خطاهم، منذ السبعينيات حتى أول التسعينيات، هناك فترة من 'انعدام المثل'، خلال هذه الفترة، تبددت أشياء كثيرة كانت تمثل قناعات لدى المواطن العربي، ومرد ذلك إلى التقهقر الذي أحدثته الهزائم على كل الصعد، فقدوا ثوابتهم، وفكروا في الخروج من الصدمة بأي ثمن دون التفكير فيما يفعلونه للأجيال التالية· وهناك فارق بيننا وجيل التسعينيات الذي قال: 'نحن جيل بلا أساتذة' كان يبحث عن شبيه للغرب بنظرياته ومعارفه وحرياته وثقافته المنتصرة· أما نحن فجيل الغرب متوافر لنا ومتاح ولا مشاكل لنا معه، لكننا نريد أساتذة من بين قومنا من ثقافتنا وقيمنا·
أستعيد هنا ما قاله الشاعر الراحل 'أمل دنقل' في بيته الشهير: 'إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحداً'، هذه مشكلة جيلي، لا نرى أحداً ولا نجد قدوة ليس في مجال الأدب، فقط ولكن في شتى مناحي الحياة·
دعاء الشرق
؟ برز اسمك مع مجموعة من الشعراء والنقاد أسّستم جمعية أدبية تحت عنوان 'دعاء الشرق' ما الهدف من ذلك، والشعر صناعة ذاتية؟
؟؟ الجمعية تضم مجموعة من الشعراء ترمي إلى الارتقاء بالشعر والارتقاء بالذات، التقوا جميعاً على أفكار متقاربة لتحقيق الوجود واسمها 'دعاء الشرق'، وهو اسم له شعبية، وربما لا يدل على شيء بمستوى جماعة 'الديوان' التي أثرت كثيراً في المدرسة الرومانسية، واسمها جاء على اسم كتاب ألّفوه· اسم 'دعاء الشرق' مسمى غنائي عن قصيدة الشاعر 'حسن اسماعيل' التي غنّاها 'عبدالوهاب'، وهي ارتباط بالإنسان البسيط، ومدخل لتوجهنا نحو الشرق وليس نحو الغرب· نريد ان نقدم شعراً جيداً يخاطب الإنسان البسيط عبر قيمة فنية· الجمعية أنشأها خمسة شعراء أنا واحد منهم، ومعي 'إيهاب البشبيشي' والدكتور 'أحمد نبوي' و'علي عمران' و'سامح محجوب' وانضمت إلينا مجموعة أخرى منهم الشاعر 'محمد الشهاوي' والناقد 'أحمد درويش' والدكتور 'سليمان العطار' وقد حقق إعلان الجمعية صدى كبير لدى الناس وشعر الجميع برغبتنا في عمل شيء وسنسعى لتقديم خطوات عملية لاثراء الشعر العربي·
؟ وماذا عن المسرح الشعري الذي تجد - في خطوة محمومة مع عدد من الأدباء الشباب - لاعادته إلى الحياة؟
؟؟ الشعر جزء أصيل من موهبتي، لكن طموحي وهمّي الأساسي هو المسرح وفي نظري ان الموهبة تبدأ بالشعر ثم ينتقل الشاعر الى المسرح وهناك نماذج عظيمة تؤكد ذلك، كـ'أحمد شوقي' و'صلاح عبد الصبور' وأنا أسعى فعلاً لاعادته بقوة سواء في مجال الملهاة أو المأساة التراجيديا أو الكوميديا، ولي محاولات في المسرح شعرية ونثرية لكنها غير منشورة وأول ما كتبته كان نظماً لمسرحية نثرية لـ'أحمد شوقي' ولديّ 'سيرة بني يشجب' وهي عمل كوميدي على طريقة الاوبريت كما وضعت مسرحية 'أنشودة الحب والموت' وغيرها من الأعمال التي أسعى لاخراجها الى النور في الفترة المقبلة·
؟ نلقي الضوء قليلاً على طريقك، بكل أبعاده إلى الشعر··
؟؟ أنا من مواليد محافظة بني سويف جنوب القاهرة وعلاقتي بالشعر كانت ضعيفة حتى الجامعة عندها أدركت انني شاعر، وحتى العام 1997 لم تكن لي محاولات جادة في الشعر وفي العام 1998 قرأ بعض شعري أحد أساتذتي في الجامعة 'حسام مهدي' فحملها لاحدى المسابقات وفازت بالجائزة الاولى وعرفت وقتها انني أكتب شيئاً يستحق الذكر وان يقرأه الناس· ولقد تعلمت العروض من خلال كلية العلوم ودراستي فيها وأثناء ذلك شعرت بعلاقة وطيدة بيني والشعر نمت حتى بزغت موهبتي·
؟ وماذا تمثل لك قصيدتك الفائزة بأفضل قصيدة عربية من مؤسسة 'البابطين'؟
؟؟ قصيدة 'تربادور: موشح رعي الجمال' كتبتها خصيصاً لجائزة مؤسسة 'عبد العزيز البابطين الكويتية، فبعد قراءة إعلان المسابقة، مع تكريم الفائزين في اسبانيا فإن كلمة 'اسبانيا' أثارت حفيظتي الشعرية لكتابة عمل وباشرت قبل بدء المسابقة بستة أشهر· والحقيقة هذه القصيدة هي الأولى في حياتي التي كتبتها على نحو عملي، بمعنى انني حددت الفكرة بوضوح: ان أكتب عن الأندلس واسبانيا، وعلاقتها بالعرب والحضارة الاسلامية رحت أقرأ كل شيء من تاريخ الى اشعار، ثم اخترت فترة أعجبتني لأنها مؤثرة وثرية وهي فترة ملوك الطوائف التي كانت حقبة انحطاط تشبه ما نعيشه الآن·· وأحد هؤلاء الملوك كان شاعرا وهو 'المعتمد بن عباد' فأخذته كنمط لدخول العرب وحتى خروجهم وقدمت القصيدة بشكل مدروس ومع ذلك كان لها الفوز·
؟ في نظرك، هل ثمة من مواكبة بين الشعر والنقد؟
؟؟ لا توجد مواكبة بين الشعر والنقد الآن، هناك مقولة في علم النحو تقول: 'ان النحوي تابع للمتكلم'·· بمعنى ان النحوي يستمع للمتكلم ليضع القاعدة على أساسها وعندما يجيء وقت يصير فيه المتكلم تابعاً لرجل النحو تكون هناك مشكلة وهذا هو الذي حدث لدينا الآن في النحو، والشيء ذاته في النقد·المفروض ان الناقد ينشئ ابداعاً موازياً للشعر أو يلاحق الشاعر، ولكن ان تنعكس الصورة ويسير الشاعر وراء الناقد فهذا شيء في منتهى الخطورة دائماً الابداع يسبق التنظير، الشعر يسبق النقد لكن هناك نقاد ويضعون نظريات أو يستوردون نظريات غربية يقتبسونها ويستولدونها ويدعون الشعراء الى اتباعها·والخطورة في أن الناقد يحاول ممارسة القهر على الشاعر لأنه قادر بكتابته، ان يرفع بقصيدة الى السماء أو يهبط بها الى الحضيض، والحقيقة ان العلاقة الحالية بين النقد والشعر مضطربة وتحتاج الى اعادة بناء وفهم·
أورينت برس

اقرأ أيضا