صحيفة الاتحاد

الإمارات

ما أشد حاجتنا إليها !

فضيحة مؤلمة فجرها تحقيق استقصائي لشبكة «سي إن إن» الأميركية بشأن بيع أفارقة كعبيد في ليبيا

فضيحة مؤلمة فجرها تحقيق استقصائي لشبكة «سي إن إن» الأميركية بشأن بيع أفارقة كعبيد في ليبيا

أحمد مصطفى العملة

باختصار ومن دون مقدمات، التحقيق الاستقصائي هو ما تفتقده الصحافة العربية بشدة هذه الأيام.. ليس فقط لأنه نادر، بل لأن واقع بعض المجتمعات العربية المعقد والمؤلم يحتم وجوده وانتشاره وتبنيه على نطاق واسع في مختلف وسائل الإعلام، مطبوعة وإلكترونية وفضائية.

مناسبة هذا الكلام أمران تزامنا تقريباً الأيام القليلة الماضية. الأول: الفضيحة المؤلمة التي فجرها تحقيق استقصائي لشبكة «سي إن إن» الأميركية بشأن بيع أفارقة كعبيد في ليبيا. والثاني: جوائز «شبكة إعلاميين من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج) التي أعلنت أسماء الفائزين بها الأحد الماضي.

فكل منهم، الفضيحة والموضوعات التي فازت بجوائز أريج، تسلط الضوء على قضايا وظواهر وسياسات ووقائع خطيرة (إن صحت)، لم يكن من الممكن كشفها بأدوات الصحافة العربية التقليدية.. لماذا؟!

لأن تصوير وتتبع فعاليات سوق للنخاسة في القرن الـ21، أو رفع الستار عن ثغرات بمطارات عربية وأوروبية، أو فضح ممارسات زوجية مشينة أو تسليط الضوء على تداعيات خطيرة لترحيل قسري لمهاجرين من دولة عربية (على سبيل المثال لا الحصر)، يحتاج إلى صحفيين يتمتعون بمهارات خاصة، واستثمار أكبر من جانب المؤسسات الإعلامية، ومساحة من الحرية تعطي الصحفيين فرصة للحركة والتعبير من دون ضغوط أو قيود، وهي شروط محل نظر في إعلامنا العربي، إلا فيما ندر.

لقد تطورت معظم فنون العمل الصحفي تدريجياً في المنطقة منذ بواكير الصحافة الأولى مطلع القرن 19، وأسهم ظهور الإذاعة والتلفزيون، ثم الفضاء الإلكتروني، إيجابياً في الأداء الصحفي عموماً، واستفادت من ذلك فنون، كالمقال والحوار والتقارير الإخبارية. لكن بقي التحقيق الصحفي (حتى في صورته البسيطة) ضائعاً أو تائهاً أو مغلوباً على أمره.

فأقسام التحقيقات في بعض الصحف العربية، إما أنه لا وجود لها، أو أنها غير فعالة أو محدودة النشاط.

بالتأكيد، يرجع الأمر في جزء كبير منه إلى أن هذا النوع من العمل الصحفي يحتاج إلى معلومات بالدرجة الأولى، وهي، كما يعرف كثيرون، عملة نادرة بعض الشيء في المنطقة.. لأنها غير موجودة من الأساس، أو لأن الجهات التي تحوزها ترفض لسبب أو لآخر البوح بها أو التعاون مع من يطلبها.

ومع ذلك، تتحمل الصحافة العربية قدراً كبيراً من المسؤولية في هذا الشأن.. كيف؟!

أولاً: بعض الصحف العربية تفضل أن «تبتعد عن الشر وتغني له»، إن جاز استخدام المثل الشهير. فالتحقيق الصحفي الجيد يعني في حده الأدنى الكشف عن خلل خطير، وفي حد الأقصى فضح جريمة.. ما يجعل كثيرين يفضلون إغلاق هذا الباب الذي تهب منه بالتأكيد الريح.

ثانياً: هذا النوع من المواد الصحفية يحتاج إلى مهارات خاصة، يتعين التدريب عليها باستمرار، وهنا ينطوي الأمر على قدر من الحساسية يعاني منها صحفيون يعتبرون دورات تطوير المهارات فكرة سيئة السمعة، بزعم أنها تعني أن شيئاً ما ينقصهم.. مع أن التدريب المهني أساسي بمختلف القطاعات، ولا يستثنى منه أحد، أياً كانت درجته أو موقعه الوظيفي.

ثالثاً: التحقيقات الاستقصائية، تعني مزيداً من الإنفاق، وهو أمر لا تفضله كثير من المؤسسات الإعلامية العربية، سواء لأنها قد تعتبره هدراً للمال ومضيعة لوقت الصحفيين، أو لأنها تراه استثماراً بلا عائد، خاصة وأنها ربما تعتبر جمهورها مجرد متلق، ليس ثمة التزام أخلاقي يربطها تجاهه.

من ثم، كانت وحدها المؤسسات الإعلامية الغربية أو ذات الصلة بالإعلام الغربي، من نوع «سي إن إن» أو «أريج»، هي القادرة على أن تستشرف بشجاعة وجسارة وبحرفية آفاقاً غير مرئية في الواقع العربي.

وما تم التوصل إليه في هذا الصدد، يحتم على الصحافة العربية التقليدية أن تراجع نفسها، لأن الصحافة الاستقصائية يمكنها فعلاً أن تعوض بعض الشيء ضعف أو غياب أو حتى تخاذل المؤسسات الرقابية، التي قد تحول ظروف الحروب أو الاضطرابات السياسية دون قيامها بدورها في بعض الدول العربية.

فكثيرة هي التحقيقات الاستقصائية التي كشفت أوجه خلل خطيرة، وفضائح فساد وجرائم تقصير وإهمال، وكوارث إهدار أموال عامة، بل إنها غيرت قوانين وسياسات بما ساهم في تحسين حياة الآلاف حول العالم.

باختصار.. التحقيقات الاستقصائية هي السلاح الأمثل الممكن استخدامه لتغيير الواقع المتردي.. لذا على الصحفيين أن يتحملوا مسؤولياتهم ويطوروا مهاراتهم.. من دون تخاذل أو تعال.